البحث عن الجمال.. في زمن القحط..! . بقلم: الطيب الزين
تركنا خلفنا في قاع الذكريات، شيئاً من هزائمنا، وأحزاننا القديمة، تركنا دفاترنا، ومحاضر أجتماعاتنا، ودماء شهدائنا، وعناق الأحبة، ووعد الشرفاء.. والحبيبة وهي تستحم بعرق النهارات القائظة، شفتاها يابستان، لكن من يرأها، لا يرى سوى وجهها الصبوح، وأبتسامتها الجميلة، كجمال النيل والأبنوس والمانجو. ومضينا في سكة النضال، بأمل مترع، بحثاً عن دروب الحياةَ المضيئة. عشقاً للحرية وطعمها الشهي، نُهيمُ به للحد الذي يفضح جنون أشواقنا الطافحة. نحتسي تحت ظلاله الجميلة نخب إنتصاراتنا المامؤلة والمرتجاة.. نبحثُ في أزمنة القحط، عن الجمال وآمالنا الضائعة، وإنسانيّتنا التائهة، وأوقاتنا المهدورة، وفراغاتنا الهائلة، ولا نجِدها. وإن وجدناها، فهي في رحم حلمٍ بعيد، أو في مستحيل شهي، أو في بريق فكرةٍ تشّعُ من فوق العتمةٍ التي تطوقنا منذ أكثر من ربع قرن… يا لهذه المشاعر والأفكار، كم هي جريئة وفاضحةٌ للغبار وللطين المترسّبِ في أعماقنا، وكم هيَ مستفزة لنا، في أزمنة القحط بأسئلتها المحيرة. إنّها الأفكار والأسئلة المتعبة، التي تتخلّقُ في هجير العدم، تأتي من بعيد وقريب، تفاجئنا، كما يفأجئنا أحيانا المطر، تنهمر مثله تلاحقنا حيثما ذهبنا، حتى في منافينا البعيدة الباردة، التي تعشقنا ولا ندري ان كنا نعشقها..؟ سيما، حينما يرن الهاتف يعانق أسماعنا، سؤال الأم الحنون، والأحبة، والأهل، متى العودة..؟ وهل من عودة قريبة..؟ يعجز اللسان، لا تأتي الاجوبة.. وإن أتت، تأتي مبعثرة، خاملة، حاملة أوزارها الآثمة، وجنونها المثير، وأضواؤها الكاشفة الفاضحة، وأصواتها الصاخبة المزعجة، وتحديقاتها الثاقبة المؤلمة، التي لا يملك المرء معها، سوى التحديق في المجهول والشوق في الأعماق يسأل، هل نعود من الضياع، إلى العدم..؟ هكذا نظل نمضي بزهوَ العصافير، والفراشات والحرية ونحن في مغارات المسافات والأزمنة. نتلمّسُ أعماقنا الغارقة في بحر حب الأوطان وعشقها حد الهيام نَستجلي في هذا الوجود مهارة الوقوف وليس التوقف، والإستراحة وليس الراحة. والوقتُ من حولنا هامدٌ ولكنّه لا يتوقّف؛ نَمضي معه لكن ببطءٍ شديد، نستطعمُ في ثناياه مذاق التأمّلات الوامضة. والطريقُ يعودُ بنا مجدّداً إلى نقطةِ المتاهات الأولى : وجع الإنسان؛ ذاكرة الجمال، صخب الآمال، إحتشاد الأسئلة، تعدّد الأجوبة، ضجيج الدروب، أقنعة القُبح التي خربت العقول وهدمت الكثير من البيوت، وأشعلت الحرائق؛ ولونت الماء بالدماء؛ وعبثت بالوجود؛ للدرجة التي أبكت حتى السماء، التي قالوا عنها انها ستمطر ذهباً وفضة، لكنها أمطرت قنابلاً وموتاً وحرائقا ودماراً، في جبال النوبة، التي يبكي إبرياءها، من أطفال ونساء، ليل نهار، ودارفور الغارقة في بحر من الدماء والدموع، في مدنها وبواديها، لاسيما الجنينة، التي توشحت بالسواد، بسبب سطوة الموت التي ينشرها الجهلاء والرعاع هناك.. إنها أبجديات العدم والعجز، التي ما أثمرت إلا الخراب والدمار، أبجديات الفتك، بالأرواح، وقتل الآحلام، ومصادرة الكلمات في الأفواه ؛ وتحطيم الأمال في الصدور.. كلما قلنا أننا عبرنا بحراً، رأينا آخر، وكلما أجبنا على سؤال، يطالعنا سؤال جديد، هكذا تتوالد الأسئلة.. لا نعرف إلى أين نحن سائرون..؟ ومتى نبلغ النهاية..؟ النهايات كما يبدو، هي محض سراب.. نلج لجة الحياة ظافرينَ بانتصاراتٍ واهمة، وحماساتٍ طفوليّة متّقدة، ولا نلبثُ إلا أنْ نجدَ أنفسنا أمام وَهمٍ جديد. فالحياةُ، في أزمنة القحط، لا ترحم، ولا تشفق على حالنا، بل تَسعى إلى مبتغاها، كلّ يوم نعتقد أن أحوالنا قد هدأت، نجد أنفسنا في إشتعال وحريق جديد. لكننا نستمر بغباوة، وأمل بليد، أن نكتشف في قانونها نكهة الموت؛ وإنتهاء الطريق. ولكنّنا نعودُ متعبينَ، نلوذُ بناصية الإنتظار، ونغرقُ في صمت الحيرة، يمزقنا، كما يمزق الأطفال، رسوماتهم التي لا ترضي خيالهم الواسع البريء، بكل براءة نستنطق الحياة، ونستفهمها عن معنى أنْ نحتاجَ إلى أنْ نموت، لكي نعرف إنّنا نحيا من جديد، نحيا في حياةٍ تخرجُ من موتٍ قديم، إلى موت جديد، ونمضي إلى موتٍ آخر..؟ ألا يكفينا موتا..؟
لا توجد تعليقات
