البرازيل… “زعزعة الإستقرار من أجل الإستقرار” .. بقلم: لؤي عبدالغفور تاج الختم
17 يوليو, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
70 زيارة
في العام 2010 فازت ديلما روسيف بالإنتخابات الرئاسية في البرازيل، لتصبح بذلك أول إمرأة تفوز بهذا المنصب. وهي المرأة القادمة من صفوف اليسار البرازيلي، حزب العمال. وقد اُعيد انتخابها مرة اُخرى في العام 2014م. وكان من المفترض أن تبقى ديلما روسيف في رئاسة البرازيل حتى ديسمبر من العام 2018. إلاّ أنّه، مُؤخراً تم تنحيتها جانبا. وذلك قبل انتهاء ولايتها الثانية. ولاسبب في نظري، يقف وراء ذلك، سوى أطماع الرأسمالية العالمية والقوى الداعمة لها.
ففي مايو المنصرم صوَّت مجلس الشيوخ البرازيلي على اقتراح بتعليق مهام الرئيسة ديلما روسيف كرئيسة للبلاد. وذلك استناداً إلى تصويت اجراه مجلس النواب قبل ذلك، بحجة تلاعبها في حسابات الحكومة بهدف اخفاء عجز الموازنة. وبدا واضحاً ما ستنتهي عليه الأمور قبل ذلك. فحزب العمال الحاكم، لا يملك الأغلبية البرلمانية، ومجلس الشيوخ يسيطر عليه المناوئين له.
ستة أشهر ستبقى ديلما روسيف التي قدَّمَت قبل أيام دفاعها أمام المحكمة العليا، بعيدة عن سدة الحُكم، في انتظار حُكم المحكمة العليا. لتعود بعدها أو قد لاتعود، في حال تمت إدانتها. ويبدو واضحاً، فما تم هو بمثابة انقلاب على الخيار الديمقراطي والإرادة الشعبية، قامت به المعارضة اليمينية.
فلا شك، أن ما كان يعمل من أجله حزب العمال البرازيلي والذي ظل يحكم البلاد منذ العام 2003م، لم يلقَ قبولاً لدى القوى المُعادية، ومَثَّلَ تهديداً لرفاها الإقتصادي. وبالتالي، كان لا خيار أمام تلك القوى سوى، تقويض الديمقراطية في هذا البلد.
إتهامات الفساد تلطخ حتى المعارضة وقياداتها. بل، رئيس مجلس الشيوخ في الكونغرس البرازيلي نفسه مُتهم بالفساد. وبالرغم من أنّه، سبق وأن برأت تحقيقات المدعي العام الرئيسة روسيف من فساد شركة النفط (بيتروبراس)، وكان هناك اتهام بالفساد مُوجه إلى رئيس مجلس النواب المنتمي إلى المعارضة، وكانت التحقيقات لازالت ساريه معه. إلاّ أنّه، وقبل أن يلتف الحبل حول عنقه، دعا رئيس المجلس إلى تصويت البرلمان على إجراءات عزل الرئيسة بتهمة الفساد. وماهي إلاّ أيام قليلة، وصدر قرار من المحكمة العليا بإتهام رئيس مجلس النواب بعرقلة سير تحقيقات متعلقة بالفساد ضده وضد أعضاء في المجلس. ليُوقف بذلك عن مزاولة مهامه.
القائم بأعمال رئيس المجلس الذي جاء خلفاً لرئيس مجلس النواب الموقوف، ذكر بأنَّ هناك مخالفات وقعت أثناء تصويت البرلمان علي مُقترح عزل الرئيسة ديلما روسيف. وأبطَّل مِن ثمَّ تلك الإجراءات، داعياً إلى تصويت جديد. إلا أنَّ مجلس الشيوخ البرازيلي، مضى في إجراءاته، وكأنَّ شيئاً لم يكُن.
وهاهو زعيم حزب الحركة الديمقراطية اليميني والذي انسحب من الإئتلافي الحكومي في مارس الماضي، قبل أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه، وبعد أن فشل حزبه في الوصول إلى رئاسة البلاد عبر الإرادة الشعبية، هاهو يتبوأ كرسي الرئاسة لفترة قد تمتد إلى نهاية العام 2018، ليخلق إستقراراً سياسياً يخدم مصالح أمريكا وحلفاؤها في المنطقة، ويُطبق برنامجاً اقتصادياً لم يلقَ قبولاً شعبياً قبل ذلك. برنامج يخدم مصالح الطبقات العليا ويحقق لها الرفاه الاقتصادي، وليوسع الهوة مُعمقاً بذلك للتفاوت الطبقي.
تقويض دعائم الديمقراطية في البرازيل، البلد الذي يأتي اقتصاده في المرتبة السابعة ضمن أكبر الإقتصادات العالمية، في رأيي، ليس أمراً مُستغربا. فأمريكا وحلفائها بلاشك، لهم مصلحة في ذلك. فأمريكا، لن تقف مكتوفة الأيدي، لتشاهد بزوغ نظام اقتصادي لا يعكس مصالح النظام الرأسمالي العالمي. خاصة في دولة مثل البرازيل.
“كان على واشنطن زعزعة استقرار حكومة تشيلي الماركسية المُشكلة وفق انتخابات حرة، لأننا كنا مُصممين على السعي لتحقيق الاستقرار”. هكذا ذكر، مُحرر مجلة فورن أفيرز.(*)
وقد سبق لهنري كيسنجر أن وصف حكومة الليندي في تشيلي “بأنها فيروس قد يبعث برسائل غير مرغوب فيها حول إمكانية التغيير الاجتماعي”. وهكذا، أطاحت أمريكا بحكومة الليندي في تشيلي عام 1973 الحكومة المنتخبة ديمقراطياً، وذلك، لإعاقة الليندي سيطرة البزنس على المجتمع التشيلي. فكان لابد لأمريكا من زعزعة استقرار ذاك البلد، من أجل استقرار يوفر الحماية للطبقات العليا والشركات الأجنبية الكبرى. فالشركات الضخمة تمتلك الموارد اللازمة للتأثير على وسائل الإعلام والسيطرة على العملية السياسية(*). فمصلحة أمريكا وحلفاؤها في وجود أنظمة حُكم تخدم مصالحها. وبالطبع، حزب العمال البرازيلي لايُعبر عن ذلك.
في إنتظار ما ستُسفر عنه الأيام القادمة، فهل سيُصَحح المسار الديمقراطي، وتُكبح جماح القوى اليمينية المعارضة. أم ستنتصر المعارضة، التي فشلت في الوصول إلى الحُكم عبر الأليّة الديمقراطية، فلم تجد بُداً من الركون إلى إجراءات شكلية، لتُحقق من خلالها مكاسب تكتيكية.
المصدر: (*) مجتزأ من”الربح مقدماً على الشعب- النيوليبرالية والنظام العالمي” لنعوم تشومسكي.
loai.1956@gmail.com