في خواتيم سبتمبر1988، دقّت ساعة كبرى الحقائق في حياتي، بعد منتصف الليل بقليل. فتناءى عندها القريب، وتدانى البعيد، وانفتح الطريق لتحرّر العين المعصوبة بالجمود العقائدي، بحلول ساعة الإقلاع إلى صوفيا. في مدرّج مطار الخرطوم، رأيت طائرة تربض في انتظار المسافرين، مكتفية، أسوة ببلغاريا، بحيّز متواضع السعة من الوجود، لكن جمالها، كجمال بلغاريا، يستوقف النظر بطلاء معدنها الناصع البياض، وتصميم شعارها المريح للعين بخطّيه البهيّين، أحدهما أخضر الطلاء، والآخر أحمر.
ثم أقلعتْ، فتكوّنت من العلياء، لديّ، وأنا في جوفها، صورة الخرطوم، وهي تفترش، فيما بين النيلين، الأرض الطينية الرسوبية المتشققة المختلطة بماتأتي به حمولة الرياح الترابية من المفازات، والليل يحتويها، ويسدل عليها ثوب ظلمته الكِرِّبٍ، تتخلّله، هنا وهناك، ثقوب وفتوق مضيئة. أسيت لحال المدينة الأثيرة عند محجوب شريف، الذي ناداها شعراً (1)، في حقبة الطغيان النميري، لتصدح بالغناء، وهي مغدورة، وتشدّ أوتار المغنّي، وتضيء أمسياتها من جبهة شهيدها المشعّة، أسيت لها، إذ يخمد أنفاسها ثوب الظلام. وكان محجوب شريف هو آخر من تحدّثت إليه في صالة المغادرة، حيث تعارفنا لأول مرّة، وكان بصحبة أخٍ له، يكبره سنّاً، أخبِرني أنّه سيسافر معي في نفس الطائرة، طلباً للطبابة في صوفيا. علا، بعد ذلك، من مكبّرات الصوت نداء، يرجو من المسافرين على متن طائرة الخطوط الجوية البلغارية، التوجّه إلى بوابة مخصوصة، لإكمال ترتيبات المغادرة، والصعود الى متن الطائرة، فأوصاني محجوب شريف بأخيه المسافر خيراً، ثم ختم وداعه قبل أن يستدير مختفياً بعبارة شاعرية :” تمشوا، وتجوا تلقونا نضّفنا البلد من الضريساء”(2). كانت قسمات وجهه الباسم، الداكن الخضرة، مفعمة بالثقة في قدرة الإنتفاضة الشعبية التي أطاحت باستبداد نظام النميري في 1985 على الإتيان بالمأمول، لكنّ حديث الضريساء، لم يكن سوى أضغاث أحلام، لم تدم أكثر من تسعة أشهر، اُخْتُتِمَتْ بوقوع إنقلاب عسكري، مازال قادته يحكمون الوطن، الّذي أعلنوا عليه الحرب.
في سماء الخرطوم، تمثّل لي شهداء الثورة السودانية أطيافاً تجوس في دنيا الأحياء، معذَّبة، مؤرّقة، وبادية الإعياء. تتفجّر من جباهها الأنوار، كأنوار المصابيح المثبّتة في مقدّمة الخوذات المخصوصة لعمّال المناجم، فارفقوا بكل المصابيح الموقدة في الخرطوم، ترفّقوا بهشاشة أجسامها الزجاجية، ورقّتها الشفّافة الوضّاءة، لأنكم لاتدرون أيّ من تلك الأضواء، يستمدّ الزيت ومضاء العزم والقدرة على البقاء، من جباه شهداء، يعتصرهم حزن عتيق متوارث، لامناص منه، أخرس اللسان، تنطق به العيون فحسب، يهيمون به على وجوههم، في عرصات المدينة، بلاسلوى وبلا مأوى، وبلا مثوى، وبلا قبر يزار.
أمّا ما رأته عيناي من نافذة الطائرة، حين عبرت البحر الأبيض، فوق ظلمة تتراقص فيها أضواء سفائن، فلم أعد أذكره إلا كصورة غائمة، يحجبها عني غشاء لألاء من الدموع. والى المكان الطائر تحليقه في الآفاق الجديدة، وهو يئزّ طوال الليل، ثم أخذ يقترب حثيثاً من محطة الوصول. ببدن شديد النحول لم يكن المكان يسعني من فرط الإثارة، واستغرقني التفكير فيما يمكن أن ينتظرني كطالب للعلم في صوفيا الإشتراكية، حيث حطّت الطائرة في السويعات الأولى من صباح اليوم التالي.
كنا مجموعة من الطلاّب الجدد أغلبنا ذكور، نشعر بلسعات البرد، الّذي كان قد بكّر في الهبوط، في ذلك العام. وجدنا في استقبالنا مبعوثاً من الإتحاد العام للطلاب السودانيين. حيّانا بحرارة، وعرّفنا بنفسه مرحّباً بمقدمنا، ثم سألنا عن مآلات الحال في السودان، ثم قادنا إلى خارج المطار، حيث انطلقت بنا مركبة متوسطة الحجم ماركة جَفْدار، قاصدة ستودنتسكيا قراد (مدينة الطلاب). طوال الطريق، الّذي استرعى انتباهي مستوى نطافته الرفيع، كنت مفتوناً ومستثاراً، لا أملّ من النظر من النافذة دون أن يشبع بصري.
أخذ الطريق يهدهدنا بصعداته وهبطاته المتوالية نحن المتعبون من الطيران، وأنا أقاوم النعاس، بل تتعاظم إثارتي، كلما تقدّمت المركبة في سيرها، محدّثاً نفسي، قبل الآخرين المنطوين في مقاعدهم، منكمشين من البرد في مواجهة البلد المجهول: انظروا، ياجماعة، إلى هذا البلد الهاديء اللامع النظيف، وذلك معلم من معالم الإشتراكية الوضاءة، الّتي لطالما حلمت بتحقيقها في السودان. فافترّت ثغور السامعين عن ابتسام مجهد، يوشك النعاس أن يغلبه .
خفيفاً، سعيداً كشحرور طليق، أفلت لتوّه من قفص الرأسمالية الطرفية، التابعة للمتروبول، حسبت أنّي قد بلغت أخيراً بطيراني الليلي المتّصل أحد الفراديس الّتي شادها اللينينيون في ذلك الجزء من العالم، غير أنّي لم أر أنّ ماتوارى خلف ستار تلك النظافة الظاهرة، إنما كان نجاسة سلطة الأقليّة القاهرة. كنت مخدوعاً بذلك الهدوء الذي ران على وجه صوفيا، بينما كانت أعماقها البائسة تغلي كالمرجل. كنت حالماً مسحوراً بضلالات البروباغاندا، الّتي نفثتها في أدمغة الثوريين، من مسافات سحيقة، منشورات دار التقدم وإزفستيا، الملوّثة بأباطيل الشمولية، كما ينفث أَبْ دَرْق( 3) وهو منتصب الرأس زخّات السموم باتجاه ضحاياه.
كادت العين، التي انزاحت عنها عُصابة الجمود العقائدي، أن تعشى من شدّة نور الحقائق الجديدة:
بتأثير من سياسة إعادة البناء، الّتي أعلنها ميخائيل غورباتشوف، عندما تسنّم منصب السكرتير السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1985، أخذت مقاومة الشمولية الشيوعية في بلغاريا تجأر بصوت جريء متبلور في أشكال منظّمة.
“وخلال 1988 وبداية 1989 أُقيمت تنظيمات الشركاء المتذمّرين، ومن بينها الجمعية المستقلّة للدفاع عن حقوق الانسان، ونادي دعم الشفافية وإعادة البناء، ومنظمة بودكريبا النقابية وغيرها. وبعد سقوط سور برلين، أصبح وضع تودور جيفكوف وقتها غير قابل للمحافظة عليه. وأخذ قسم من القيادة الحزبية يبحث عن الخلاص في إبعاده.
وبعلم ميخائيل غورباتشوف، أجبر المكتب السياسي تودور جيفكوف، في العاشر من نوفمبر 1989، على تقديم استقالته بوصفه سكرتيراً عاماً للحزب الشيوعي البلغاري. وكان هذا بداية إنهيار النظام الاشتراكي في بلغاريا” ( 4)
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم