علاء خيراوي
ليست عودة عبد الفتاح البرهان إلى القصر الجمهوري في الخرطوم، بعد أكثر من ثلاث سنوات، مجرد عودة موظف إلى مكتبه، ولا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها إعلاناً عن ترميم مبنى دمرته الحرب. المشهد في تقديري أكبر من ذلك بكثير؛ إنه فصل جديد في رحلة البرهان الطويلة للبحث عن شرعية سياسية ظل يفتقدها منذ أن هدم بيده الأساس الذي كان يمنحه شيئاً منها.
وصل البرهان إلى القصر، واستقبل السفراء، وعُزف السلام، واصطف حرس الشرف، وتحركت الكاميرات بعناية لتسجيل المشهد. والثابت أن البرهان استأنف بالفعل نشاطه الرسمي من القصر الجمهوري وتسلم أوراق اعتماد عدد من السفراء، بالتزامن مع عودة مؤسسات حكومية للعمل من الخرطوم بعد سنوات من إدارتها من بورتسودان. لكن السؤال السياسي ليس؛ هل عد البرهان إلى القصر؟ السؤال هو؛ بأي شرعية عاد إليه؟
فالقصور لا تمنح الشرعية، وحرس الشرف لا يصنعها، واعتماد السفراء لا ينتج تفويضاً شعبياً، ورفع العلم فوق المباني الحكومية لا يحوّل سلطة الأمر الواقع تلقائياً إلى سلطة اختارها الشعب.
وهنا تكمن مشكلة البرهان منذ سنوات.
دخل البرهان إلى قمة السلطة في أبريل ٢٠١٩ عبر وضع انتقالي استثنائي أعقب سقوط عمر البشير، ثم أصبح رئيساً لمجلس السيادة بموجب الشراكة الانتقالية المدنية العسكرية. كانت تلك شرعية انتقالية ومقيدة ومؤقتة، غايتها المحددة أن تقود البلاد إلى حكم مدني وانتخابات، لا أن تتحول إلى رئاسة مفتوحة بلا نهاية.
ثم جاء يوم ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١. في ذلك اليوم أعلن البرهان حالة الطوارئ، وحل مجلسي السيادة والوزراء، واعتُقل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وعدد من أعضاء حكومته. وقد اعتبرت قوى دولية ذلك انقلاباً على الانتقال المدني، وعلّق الاتحاد الأفريقي عضوية السودان وطالبت قوى دولية بإعادة المؤسسات الانتقالية.
ومنذ تلك اللحظة بدأ مأزق الشرعية الحقيقي. فالبرهان ألغى بقراره السياسي الإطار الذي كان يستمد منه موقعه، لكنه احتفظ بالسلطة التي منحها له ذلك الإطار. وهذه مفارقة يصعب تجاوزها مهما تغيرت الظروف؛ كيف يمكن أن تهدم الوثيقة التي أوصلتك إلى السلطة، ثم تستمر في السلطة وكأن شيئاً لم يحدث؟
ومنذ انقلاب أكتوبر ظل البرهان يحاول تعويض الشرعية السياسية المفقودة بشرعيات بديلة؛ مرة بشرعية المؤسسة العسكرية، ومرة بشرعية الأمر الواقع، ومرة بشرعية الأمن والاستقرار، ثم جاءت الحرب لتمنحه أخطر هذه الأدوات جميعاً؛ شرعية الحرب. فبعد اندلاع حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣ أصبح الخطاب مختلفاً. لم يعد السؤال المطروح في الفضاء المؤيد للبرهان؛ من فوّضه بالحكم؟ بل أصبح؛ من يقود الجيش في الحرب؟ وهنا حدث انزلاق خطير بين مفهومين مختلفين تماماً. فقيادة الجيش شيء، وشرعية حكم الدولة شيء آخر. قد يكون الإنسان قائداً أعلى لقوات تقاتل خصماً مسلحاً، ولكن ذلك لا يمنحه تلقائياً تفويضاً سياسياً مفتوحاً لحكم ملايين المواطنين. وإلا أصبحت كل حرب أهلية طريقاً إلى الرئاسة، وكل انتصار عسكري صندوق اقتراع، وكل بندقية بطاقة انتخابية.
والدولة الحديثة لا تقوم بهذه الطريقة.
ولهذا تبدو لي مشاهد القصر الأخيرة جزءاً من محاولة بناء صورة جديدة للبرهان: ليس فقط قائداً للجيش خرج من حرب، وإنما رئيساً يعود إلى العاصمة، يدخل القصر، يستقبل السفراء، وتعود الدولة خلفه.
إنها صناعة رمزية للشرعية. فالسياسة لا تعتمد على النصوص وحدها؛ تعتمد أيضاً على الصور والطقوس والمكان. والقصر الجمهوري في الذاكرة السودانية ليس مبنى عادياً، بل رمز السلطة السيادية. ومن يسيطر عليه يريد أن يقول، ولو من دون كلمات؛ أنا الدولة. لكن الدولة ليست القصر. والدولة ليست الرجل الجالس داخله. الدولة هي مؤسسات وقانون ودستور ومواطنة وتفويض ومحاسبة وتداول للسلطة.
والأكثر دلالة أن البرهان يعود إلى القصر بينما يظل السودان نفسه بعيداً عن العودة إلى حالته الطبيعية. الحرب لم تنته بعد، وملايين السودانيين دفعوا أثماناً هائلة للنزاع، والمؤسسات المدنية لم تستعد مساراً ديمقراطياً متفقاً عليه، ولا توجد انتخابات منحت السلطة الحالية تفويضاً شعبياً جديداً. بل إن الاتجاه الدولي المعلن ما زال يؤكد أن مستقبل السودان ينبغي أن يكون مدنياً، وأن العملية السياسية ذات المصداقية يجب أن تضم طيفاً واسعاً وممثلاً من القوى السياسية والمدنية السودانية. وفي إحاطة أمام مجلس الأمن في يونيو ٢٠٢٦ قيل بوضوح إن السودان يحتاج إلى مستقبل سياسي مدني لا حكماً مسلحاً. وفوق ذلك، فإن البرهان نفسه يخضع منذ يناير ٢٠٢٥ لعقوبات أمريكية بموجب الأمر التنفيذي الخاص بالأشخاص الذين يزعزعون استقرار السودان ويقوضون هدف الانتقال الديمقراطي. وقالت وزارة الخزانة الأمريكية عند فرضها إن الإجراء يستهدف البرهان بصفته قائد القوات المسلحة السودانية.
وهذا يجعل مسألة الشرعية أكثر تعقيداً، لا أقل. قد يستطيع البرهان أن يفرض وجوده بحكم ميزان القوة داخل المناطق التي يسيطر عليها الجيش، وقد تستقبله حكومات، وقد يقدم له السفراء أوراق اعتمادهم لأن العلاقات بين الدول تستوجب التعامل مع السلطات القائمة، لكن التعامل الدبلوماسي ليس شهادة ديمقراطية، والاعتراف بالواقع ليس بالضرورة اعترافاً بمشروعية الطريقة التي نشأ بها ذلك الواقع. وهذه نقطة شديدة الأهمية. فدول العالم تتعامل يومياً مع حكومات لم تنتخب، ومع أنظمة عسكرية، ومع سلطات أمر واقع، لأن العلاقات الدولية لا تستطيع تعليق نفسها حتى تتوافر الديمقراطية في كل دولة. لذلك فإن استقبال سفير أو حضور مؤتمر دولي أو مصافحة رئيس دولة أجنبية لا تجيب عن السؤال السوداني الداخلي؛ من منحك الحق في أن تحكم؟ وإلى متى؟ وبأي عقد سياسي؟ وهذا تحديداً هو السؤال الذي يهرب منه مشهد القصر.
فالبرهان يستطيع ترميم جدران القصر، لكنه لا يستطيع بعمال البناء ترميم الشرعية التي انهارت في ٢٥ أكتوبر. يستطيع إعادة المكاتب إلى الخرطوم، لكنه لا يستطيع اعتبار ذلك بديلاً عن إعادة السلطة إلى الشعب. يستطيع أن يفرش السجاد الأحمر أمام السفراء، لكنه لا يستطيع أن يجعل السجاد الأحمر صندوق اقتراع. ويستطيع أن يحيط نفسه بكل بروتوكولات الدولة، لكن البروتوكول لا يصنع دولة شرعية إذا ظل السؤال الأساسي معلقاً؛ أين الشعب من كل هذا؟ إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان بعد هذه الحرب هو أن يجري تحويل الانتصارات العسكرية أو استعادة المدن والمباني إلى تفويض سياسي دائم، وأن يصبح المنطق؛ لقد انتصر الجيش، إذن يجب أن يحكم قائده. فهذه ليست دولة. هذه صيغة أخرى لإعادة إنتاج الحلقة السودانية القديمة نفسها؛ انقلاب، ثم أمر واقع، ثم فترة انتقالية بلا نهاية، ثم حرب أو أزمة، ثم تبرير استمرار العسكريين لأن البلاد “لا تحتمل التغيير الآن”. وهكذا ظل السودان يؤجل الدولة جيلاً بعد جيل.
القصر الجمهوري مهم، والخرطوم مهمة، وعودة مؤسسات الدولة إليها حدث لا يمكن إنكار رمزيته، ولكن المعركة الحقيقية ليست حول من يجلس داخل القصر، وإنما حول من يملك الحق في أن يقرر من يجلس داخله. وهنا لا توجد إجابة عسكرية. لا المدفع يجيب عنها، ولا البندقية، ولا الرتبة، ولا حرس الشرف.
الإجابة الوحيدة التي تستطيع أن تؤسس دولة مستقرة هي الإرادة الحرة للسودانيين، ودستور متوافق عليه، ومؤسسات مدنية، وانتخابات حقيقية، وجيش يعود إلى وظيفته الأصلية في حماية الدولة بدلاً من حكمها. أما عبد الفتاح البرهان، فإن مشكلته الكبرى لن يحلها انتقاله من بورتسودان إلى الخرطوم، ولا انتقال مكتبه إلى القصر الجمهوري. لأن أزمته لم تكن يوماً أزمة مكان. كانت ولا تزال أزمة شرعية. والشرعية التي فُقدت بانقلاب لا تستعاد باستعراض عسكري، والتي لم يمنحها الشعب لا يمكن أن يمنحها القصر. قد يدخل البرهان القصر من أوسع أبوابه، ولكن السؤال سيظل واقفاً عند الباب؛ من فوّضك؟ وحتى يجيب السودان عن ذلك السؤال بإرادة شعبه، سيظل كل ما نراه سلطة تبحث عن شرعية، لا شرعية صنعت سلطة.
ولعل أكثر ما يكشف هشاشة هذا البحث المحموم عن الشرعية أن مشاهد القصر جاءت في اللحظة نفسها التي كان فيها الميدان يبعث برسالة مختلفة تماماً. ففي يومي ١٢ و١٣ أغسطس شهدت الحرب تصعيداً لافتاً؛ فقد جددت قوات الدعم السريع هجماتها على الأبيض بولاية شمال كردفان، مستخدمة الهجمات البرية والمسيّرات، بالتزامن مع ضربات بطائرات مسيّرة وصلت إلى الخرطوم وبحري وأم درمان وعطبرة، في أكبر موجة من هذا النوع منذ أشهر، بل وتعرضت العاصمة للهجوم بالمسيّرات ليومين متتاليين. وفي الجنوب الشرقي، أفادت مصادر عسكرية وحكومية بتقدم قوات الدعم السريع وحلفائها إلى مدينة الكرمك الاستراتيجية على الحدود الإثيوبية، بينما أدت المعارك في منطقة قيسان إلى مقتل أكثر من عشرين مدنياً ونزوح الآلاف وفق الأمم المتحدة.
ولذلك فإن تصوير المشهد وكأن الحرب حُسمت، وكأن العودة إلى القصر إعلان نهائي للنصر والاستقرار، لا ينسجم مع حقائق الميدان. فالرجل الذي يدخل القصر وسط حرس الشرف ينبغي أن ينظر أبعد من بواباته ليرى وطناً ما تزال رقعته العسكرية تتغير، ومدناً ما تزال تحت النار، وعاصمة يستطيع خصمه تهديد أجوائها بالمسيّرات. وهنا يصبح واجب البرهان، إن كان حريصاً حقاً على السودان لا على بقائه في السلطة، أن يرعوي عن وهم الحسم العسكري وأن يستمع إلى صوت السلام. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الدم والخراب، لم يعد السؤال؛ من يسيطر على مدينة اليوم ومن يستردها غداً؟ بل كم سودانياً آخر ينبغي أن يموت قبل أن يدرك قادة الحرب أن الوطن نفسه هو الذي يخسر كل يوم؟ الشرعية الحقيقية لن يمنحها للبرهان قصر محرر ولا موكب عسكري؛ قد يبدأ الطريق إليها يوم يضع إنقاذ أرواح السودانيين فوق انتصارات الجنرالات، ويقبل بوقف الحرب والعودة إلى تسوية سياسية تعيد القرار إلى الشعب.
يا برهان، تستطيع أن تدخل القصر الجمهوري محاطاً بحرس الشرف، وأن تستقبل السفراء، وأن تُعزف أمامك الموسيقى العسكرية، وأن تُرفع لك التحية، لكن كل ذلك لا يجيب عن السؤال الذي سيظل يطارد سلطتك؛ من منحك شرعية حكم السودان؟ لم ينتخبك السودانيون رئيساً، ولم يمنحوك تفويضاً مفتوحاً، ولم تأتِ إلى موقعك عبر صندوق اقتراع. والشرعية الانتقالية التي شاركت فيها انقلبتَ أنت عليها في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١، ثم جاءت الحرب فصار السلاح والأمر الواقع هما السند الفعلي لاستمرار سلطتك. ولهذا، مهما اكتملت مراسم القصر، تبقى الحقيقة السياسية القاسية؛ شرعيتك اليوم هي شرعية البندقية والأمر الواقع، لا شرعية الشعب. والبندقية تستطيع أن تحرس قصراً، وأن تفرض سلطة، وأن تُخضع مدينة، لكنها لا تستطيع أن تصنع عقداً بين الحاكم والمحكوم، ولا أن تمنح تفويضاً شعبياً لمن لم ينتخبه أحد. والأمر الواقع قد يستمر عاماً أو أعواماً، لكنه يظل أمراً واقعاً، لا يتحول بطول الزمن إلى حق أبدي في الحكم. فإن كنت تريد أن تترك للسودان شيئاً غير الحرب والخراب والانقسام، فلا تبحث عن شرعيتك بين جدران القصر، ولا في صفوف حرس الشرف، ولا في فوهات البنادق. أوقف الحرب، وافتح الطريق أمام سلام حقيقي وانتقال مدني، وأعد للسودانيين حقهم في اختيار من يحكمهم. عندها فقط يمكن أن يبدأ السودان رحلة استعادة الدولة. أما أن تدخل القصر على ظهر دبابة ثم تطلب من التاريخ أن يسجل أنك دخلته بتفويض الشعب، فتلك رواية قد تكتبها السلطة، لكن الشعب ليس ملزماً بتصديقها، والتاريخ لا تمنحه البنادق شرعيته.
khirawi@hotmail.com
