البرهان الدَّيدَبَان .. بقلم: فيصل بسمة

بسم الله الرحمن الرحيم و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.

و جآء في معنى الدَّيدَبَان أنه الحارس و الرقيب…
و الدَّيدَبَان في الثقافة العسكرية هو نظام إتفقت عليه العسكر لـ(حراسة) و (رقابة) الحاميات في ساعات ما بعد الدوام ، و أخطر ما في أمر الدَّيدَبَان هو الظهور المفاجيء و الزجر و الصراخ بصوت عالي في وجه كل من يقترب من أبواب الحامية:
ثابت… مكانك…
سر الليل…
و العبارة الأخيرة هي كلمة السر التي على القادم (المرتعد) نطقها و إلا (ياكل نار) من فوهة بندقية (الدَّيدَبَان) الأوتوماتيكية تنقله في عجالة إلى الرفيق الأعلى أو على أحسن تقدير إلى طاولات العمليات الطبية و غرف الإنعاش…
و يبدوا أن هذه الثقافة ”الدَّيدَبَانِيَة“ قد أوعزت إلى البرهان و من سبقوه من الإنقلابيين العسكريين بنقلها إلى خارج محيط الحاميات العسكرية ، إلى فضآء بلاد السودان المدني العريض ، و إنتهاجها نظاماً لحكم سكانها من المَلَكِيَة (المدنيين) ، ظناً منهم أنها إستراتيجية ناجحة للحكم و وسيلة ناجعة للحراسة و الرقابة و السيطرة على جماهير الملكية في ذات الوقت…
وما زال البرهان الدَّيدَبَان الذي نصب نفسه الحارس/الرقيب/الوصي على الشعوب السودانية يحاول بإستماتة (دَيدَبَانِيَة) عظيمة:
– إقناع أفراد القوات المسلحة و الشعوب السودانية و كل العالم أن شخصه (الدَّيدَبَانِي) و القوات المسلحة شيء واحد و ما عدا ذلك:
ثابت مكانك…
– و الإيحآء بأن أي إنتقاص من تصرفاته الشخصية (الدَّيدَبَانِيَة) و زمرته الإنقلابية ما هي إلا قدح في شرف الجندية و كل القوات المسلحة السودانية ، و تستلزم التوقيف و التوبيخ و الزجر و التأديب…
– أن يجعل شخصه و اللجنة الأمنية العليا لنظام الجماعة الإنقاذية المتأسلمة (الكيزان) (الدَّيدَبَان) الأوحد و الوصي على كل الشعوب السودانية…
– الإمتنان على الشعوب السودانية أنه قد تطوع ليكون (دَيدَبَانَها) الأوحد و الوصي عليها: يراقبها و يحرسها و يدافع عنها و يقاتل من أجلها…
و يبدوا أن البرهان (الدَّيدَبَاني) قد نسيَ أو تناسى أنه قد إختار بمحض إرادته مهنة الجندية التي تتضمن مواصفاتها الوظيفية الحراسة و القتال و الزود عن أراضي الوطن و المواطنين و حماية الدستور نظير أجر سخي و إمتيازات مقارنة مع بقية الوظآئف الحكومية في جمهورية السودان…
و ما برح البرهان (الدَّيدَبَان) الذي إستولى و هيمن على السلطة بالقوة في زمرة من العسكر ، مما مكنه من الإضطلاع على أسرار و خفايا الدولة السودانية ، ما برح يقدح في حق بعض من المواطنين السودانيين و يتهمهم بالعمالة لجهات أجنبية من غير أن يحرك الإجرآءات القانونية ضدهم و من ثم تقديمهم للمحاكمات…
و يبدوا أن البرهان (الدَّيدَبَان) جد معجب و إلى حد كبير بسيده المخلوع القابع في السجن ، فهاهو البرهان يصعد المنابر يهدد الدول و يستعديها على السودان ، و لم يتبقى له سوى الإستعارات الرئاسية السوقية المعهودة و أحاديث: (الأحذية) و (صرف البَرَكَاوِي) و (لحس الأكواع) و (لَم الجِدَاد) التي تميز بها المخلوع و حاشيته…
أحاديث البرهان (الدَّيدَبَان) تقود إلى عدة إفتراضات:
١- لو سلمنا جدلاً أن البرهان العسكري الوالغ في أمر السياسة و ألاعيبها حتى النخاع يجسد منسوبي مؤسسة القوات المسلحة السودانية ، و أنه و المؤسسة العسكرية شيء واحد فإن ذلك يعني أن على مؤسسة قوات الشعوب السودانية المسلحة السلام ، فالبرهان تحوم حوله تهم جنآئية عديدة من عند ضلوعه في حروب دارفور و الإبادات الجماعية إلى مجزرة فض إعتصام القيادة العامة في الثالث (٣) من يونيو ٢٠١٩ ميلادية ثم قمع و قتل المتظاهرين عقب إنقلاب الموز الأخير على السلطة الإنتقالية في الخامس و العشرين (٢٥) من أكتوبر ٢٠٢١ ميلادية…
و هنالك من يعتقد أنه و بعد ثلاثة عقود من التدمير الممنهج للمؤسسة العسكرية و جميع القوات النظامية بواسطة الجماعة الإنقاذية المتأسلمة (الكيزان) أصبح من غير المستبعد أن تكون شخصية البرهان و تصرفاته إنعكاس حقيقي لما آلَت إليه الأوضاع في القوات المسلحة السودانية و القوات النظامية و الأمنية الأخرى ، و إذا كان الأمر كذلك فإن هذا يعني أن هذه القوات في حوجة مآسة و عاجلة إلى إعادة النظر في عمليات الإختيار و المناهج و التدريب و الإعداد لعناصرها ، بما يعني الصياغة و التكوين على أسس و عقيدة جديدة من رتبة المجند إلى رتبة المشير…
و لكن لكل عملية تغيير جذري كهذه أخطار جسيمة و مآلات وخيمة ، و ربما تؤدي إلى فراغ أمني عظيم تملأه إنفلاتات أمنية عظيمة ، و ربما تفضي إلى إنهيار تآم و نهآئي لنظام و دولة بلاد السودان خصوصاً و البلاد تعج بالحركات المتمردة و المليشيات من ذات العتاد المسلح الثقيل و القيادات الغير مقتدرة التي تمتلك من الجهل الكثير بالإضافة إلى حيازتها على مخزون هآئل من الإرث الجهوي/القبلي/العنصري ، كما أن هذه القيادات الغير كفؤة تتنازعها الطموحات الشخصية و الولآءات لكيانات و دول تقع فيما ورآء حدود بلاد السودان…
٢- أما إذا ما كان الإختلال ينحصر على مستوى القيادات العسكرية العليا فقط ، و هذا جآئز و محتمل فقد درجت الجماعة الإنقاذية المتأسلمة (الكيزان) أبان عقود حكمها و هيمنتها على التخلص من أغلب الشرفآء و المهنيين المحترفين بإحالتهم إلى الصالح العام و تمكين و ترفيع أهل الولآء و آخرين من دونهم ممن فسدت عقيدتهم و تلوثت ممارساتهم…
و في هذه الحالة ربما يكون الحل في التخلص من القيادات الفاسدة…
و لا تخلو هذه الخطوة من خطورة إحداث الفراغ و المردود الأمني السالب كسابقتها و لو بدرجة أقل…
٣- و هنالك إحتمال أن ظاهرة البرهان (الدَّيدَبَان) لا تمثل إلا فئات قيادية محدودة في المؤسسة العسكرية أوجدتها السياسات و الممارسات الفاسدة الخاطئة للجماعة الإنقاذية المتأسلمة (الكيزان) ، و أن البرهان (الدَّيدَبَان) لا يمثل إلا نفسه و عصبة محدودة من كبار الضباط الفاسدين…
و في هذه الحالة يكون العلاج سهلاً و مضمون العواقب ، و يتمثل في الإحالات إلى التقاعد مع المحاسبات القانونية…
٤- أما إذا ما كان العوار محصوراً و يشمل فقط البرهان و القيادات في اللجنة الأمنية العليا لنظام الجماعة الإنقاذية المتأسلمة (الكيزان)…
ففي هذه الحالة فإن الحل أسهل من سابقه…
٥- و هنالك من يعتقد أن البرهان المتهم بالإنتهاكات العديدة مقدوح في نزاهته و مصداقيته ، و أنه لا يمارس الشفافية و يتجنب الوضوح ، و أنه يفتقر إفتقاراً عظيماً إلى أبسط مقومات القيادة و الحكمة ، و أنه لا يمثل إلا ذاته ، و أنه فاقد تماماً للأهلية العقلية و المهنية و الأخلاقية…
و هذا الإحتمال الأخير أسهلها معالجة إما عبر قاعات القضآء و ساحات العدالة أو من خلال المؤسسات التي تعتني بالصحة النفسية!!!…
و لا بد لمعالجات المؤسسات الأمنية: التنظيمية و التأهيلية و التدريبية أن تشمل المليشيات الحكومية و غير الحكومية بما فيها مليشيات الدفاع الشعبي و الجنجويد (الدعم السريع)…
و في كل الأحوال يجب التأكيد على:
– أهمية دور القوات المسلحة السودانية المهنية المحترفة في حماية البلاد و العباد و الدولة المدنية…
– ضرورة أن تفضي المعالجات المستقبلية للمؤسسات العسكرية إلى خلق قوات مسلحة و أمنية قومية أكثر قوة و منعة و إحترافية:
– قوات مسلحة تمتلك كل مقومات الجيوش الحديثة…
– قوات لها القدرة على الدفاع عن أمن و أراضي بلاد السودان التي صارت نهباً لكل دول الجوار…
– قوات تنأ بنفسها عن العمل السياسي و شئون الحكم المدني…
– قوات لا شأن لها بالنشاط الإقتصادي التجاري…
خلاصة القول:
أن الشعوب السودانية لا تحتقر أبداً و لا تزدري مطلقاً قواتها المسلحة و الأمنية ، و لكنها تأبى و تربى بقواتها أن تنخرط في دهاليز و ألاعيب المحاصصات و العمل السياسي/التجاري ، أو تنغمس في الفساد الإقتصادي ، أو أن تنجر إلى ساحات الصراعات الجهوية و القبلية و العنصرية…
و ذلك لأن مثل هذه الممارسات تسوق المؤسسات خصوصاً القوات المسلحة السودانية بعيداً عن مجالها الحيوي و أهدافها الرئيسية ، و تنحرف بها عن الإحترافية و المهنية و القومية…
و ختاماً:
المرجو من القوات المسلحة السودانية الباسلة هو أن تكون مهنية و إحترافية مثلها كبقية كل الجماعات المهنية الأخرى مثل: العمال و المزارعين و المهندسين و الأطبآء و الصيادلة و الزراعيين و القانونيين و المحاسبين و كل أصحاب المهن و الحرف…
و إذا ما قامت القوات المسلحة السودانية بدورها المنوط بها على أكمل وجه فحتماً ستتغنى لها الشعوب السودانية صدقاً و من القلب:
جيشنا…
جيش الهنا…
الحارس مالنا و دمنا…
و الحمد لله رب العالمين و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.

فيصل بسمة
fbasama@gmail.com
///////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً