—————-
سعد شعب السودان وفرح يوم أمس الأحد كما لم يسعد من قبل ، وأنتج من النكات والطرائف ومُلَح الفكاهة ما أطرب وجدانه وهو يتحرى رؤية طائرة البشير التي انعقد لها مجلس الإفتاء بصالات المطار ، وتابع البشير وهو يستفتي شيخه حسن الترابي عن مواصلة صلاته التي انقطعت بعد إبلاغه بعدم المغادرة بناءاً على قرار المحكمة فأجابه الشيخ وهو يضحك قائلاً يمكنك مواصلة الصلاة إذا تأكدت أن وضوءك لم ينقطع !!!
كنت أسعد الناس أمس وأنا أُحس الفرح في كلمات أبناء وبنات دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وأسر شهداء رمضان وأسر شهداء سبتمبر ومزارعي الجزيرة والمناقل وضحايا الفيضانات والسيول وضحايا التعذيب وضحايا تابت وبورتسودان وأمري والمناصير وكجبار والشجرة والجريف والحلفايا واللاجئين في عواصم الدنيا والمشردين وسط الجبال والغابات !!!
لا يحدثني أحد عن رمز للسيادة ، ولا يطلب مني أحد أن أنافق وأدافع عن رئيس لم انتخبه ، فقد كنت واضحاً عندما شاركت في حملة ارحل ومقاطعون … لم نكن نلعب وقد نادينا جميعاً بأعلى أصواتنا وسطرنا بأقلامنا كلمة مقاطعون وكلمة ارحل ، وأبدينا أسبابنا الواضحة بأنها انتخابات معلومة النتائج سلفاً تقوم على سجل انتخابي مضروب يحتوي على أسماء الموتى والمهاجرين والجنوبيين الذين غادروا الي دولتهم الجديدة ، وأنها انتخابات تنتهك الدستور الذي يحدد الرئاسة بدورتين ، وأنها ستأتي برئيس فاقد للشرعية ومطارد من العدالة الدولية ولا يستطيع تمثيل الوطن في المحافل الدولية ، وأنها تعني استمرار دولة الفساد والمحسوبية والتمكين وبيع الوطن واستمرار حالة الفشل الإداري والتنفيذي والسياسي وتدني الخدمات ، وأنها تعني استمرار حالة الإحتقان السياسي والحروب الأهلية واحتمالات الصوملة أو الأفغنة ، وأنها تعني استمرار ونمو النعرات الجهوية والقبلية والعنصرية ، وأنها تعني استمرار حالة التدهور الإقتصادي والإجتماعي والأخلاقي وتفكك أوصال الدولة .
نادينا بكل ما ذكر أعلاه ، وقلنا بأن نتائج الإنتخابات لا تعنينا وغير ملزمة لنا ، وقد كانت مقاطعة شعبنا عظيمة للدرجة التي أعيت أساطين التزييف والتزوير من اخراج النتائج بالصورة التي كانوا يرجونها ، وعجزوا عن الخج بعد المتابعة اللصيقة التي جرت لمراكز الإقتراع ، وتصوير وتوثيق درجة الإقبال .
لا يحدثني أحد عن قبوله بمحاكمة البشير داخلياً ورفضه محاكمته دولياً لدى الجنائية بحجة السيادة الوطنية … العالم من حولنا يشاركنا هذه السيادة وينتقص منها لأننا ببساطة نرتبط معه بمواثيق دولية على رأس قائمتها ميثاق حقوق الإنسان ، ولن يقبل هذا العالم من حولنا أن تُنتهك هذه الحقوق ولا ينفع معه تحججنا بأن دولاً كثيرة تنتهك هذه الحقوق فلماذا لا تستوي المعايير … علينا أن نراعي في ظل هذه السيادة المنقوصة الخطوط الحمراء التي يضعها الكبار في هذا العالم ونرعى بقيدنا حتى لا تطأُنا الكلاكل وتضرسنا الأنياب !!!
لماذا نقتل أبناء شعبنا ولا نحاكم القاتل ، ويظل يمرح ويسرح بل يصبح رئيساً وعندما يطارده العالم نتباكى على سيادتنا؟ هذا البشير اعترف اعترافاً مسجلاً بأنه قتل الآلاف من أبناء دار فور دون سبب وجيه ورغم ذلك يعاد انتخابه لخمس سنوات أخرى !!! لماذا لم يقدم الي محاكمة داخل السودان بعد هذا الإعتراف ؟ لماذا لم تنزع حصانته ويتم التحقيق معه ؟ الذين يتحدثون عن عدالة داخلية واهمون ، فهذا الشخص مطارد منذ العام ٢٠٠٩ وأُعيد انتخابه مرتين ولم يتجرأ أحد لانتزاع الحصانة منه ، بل بالعكس يتم تركيز السلطات في يده كل يوم ويُنفخ فيه بفارغ العبارات مثل أسد أفريقيا وتيس العرب !!!
وسعدنا أمس أيضاً ونحن نرى شموخ وإستقلال السلطة القضائية في جنوب أفريقيا التي يحكمها نظام ديمقراطي يؤمن بفصل السلطات ويحترم استقلاليتها ، ولكنَّا تحسرنا على حال القضاء في بلادنا الذي تتغول عليه السلطة التنفيذية ، حيث أصبح من حق الرئيس بموجب التعديلات الدستورية التي دبَّجها له علي عثمان وبدرية سليمان ، أن يعين ويفصل القضاة وأن يلغي أحكامهم التي يصدرونها . كما منحت التعديلات جهازي الأمن والشرطة سلطة إنشاء محاكم خاصة بهما مما يُعد أكبر إنتقاص للسلطة القضائية في السودان !!!
وسعدنا أمس أيضاً بتجاوز جنوب أفريقيا لمرارات أيام الفصل العنصري ، وتمكُّنها من إثراء تجربتها بالتنوع العرقي الذي تحتويه ، فالرئيس أسود ، والمحكمة يجلس على منصتها قاضي أبيض ، ومحامية الحقوق التي تقدمت بالشكوى للمحكمة من أصول هندية ، وقد جرت الأحداث في تناغم رائع حيث لم يتعرض الرئيس زوما لقرارات المحكمة ، كما لم تتحدث المحكمة عن ترحيب الرئيس بضيفه ، ولكن قررت المحكمة في جلستها الإجرائية إصدار أمر للبشير بعدم مغادرة جنوب أفريقيا حتى تنظر المحكمة في أمره غداً الأثنين ، وطلبت من الجهات المسئولة مراقبته ومنعه من المغادرة وتزويد المحكمة بالإجراءات التي اتبعت لدخوله البلاد .
إنَّ مغادرة البشير قبل أن تبت المحكمة في أمره يعد هروباً من العدالة وسيلقي ذلك بظلاله عليه في الأيام القادمة ، كما أن المحكمة ستبحث في الطريقة التي هرب بها وستصل حتماً الي الأشخاص الذين سهلوا فراره وخالفوا أمر المحكمة ، لذلك فإنّ جنوب أفريقيا نفسها مرشحة لتَفَجُّر أزمة سياسية حادة بسبب هذا الهروب الذي ربما يؤدي الي انهيار دستوري كامل بالدولة إذا اتضح أن الرئيس زوما كانت له يد في عملية التهريب !!!
وصل البشير الي الخرطوم هارباً بعد أن خلف وراءه أزمة سياسية لمضيفه ، ولم يستطع مخاطبة جموع المستقبلين بالمطار وأُلقي باللوم في ذلك على مكبرات الصوت ، ولكن يبدو أن الرُّكب سائحة ، وهول الصدمة مازال كبيراً ، ولم ينجح نعش الجنائية الذي حُمل أمامه من تحريك مشاعره !!!! أعتقد أنه يبحث عمَّن يرفع له نعش جرائمه التي تثقل كاهله ، غير أنها لسوء طالعه جرائم لا تسقط بالتقادم ، وسيظل يحمل وزرها وحده ، وسيظل الوطن مكبلاً ومصفداً بأوامر المحكمة الجنائية الدولية ما بقي هذا الرئيس ، وسيظل هذا الرئيس يلهث هارباً كلما حملت عليه المحكمة الجنائية ، ويلهث راقصاً كلما حمل عليه الشعب !!!!
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم