البطل .. بقلم: أحمد المكاشفي
23 مارس, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
26 زيارة
استنكرَ معارضوا نظام الانقاذ بشدة قرار الاستاذ مصطفى البطل اللحاق بركب المستوزرين في حكومة البشير بشغله منصب المستشار الاعلامي لسفارة السودان بلندن (علِمنا من مقال البطل الاخير المنشور بسودانايل حول مرافقته للبشير في زيارته الاخيرة لرواندا ان مشورته للانقاذ لا تقتصر على لندن بل هي عامة لا ينفذ من أقطارها شأن من الشئون!).
وإني وإن كنت اتفهم، (وإلى حد ما) اتعاطف، مع دوافع الاخوة الذين راعهم قرار البطل، إلا أنني أرى ان من حق الرجل علينا ان نلتمس له العذر فيما فعل وان نحمل قراره محملاً حسناً.
وأنا أحسب، ولا أذكي البطل على الله والله حسيبه، انه فعل ما فعل بدافع الرغبة في تسخير خبراته ومعارفه في خدمة وطنه، وأملاً في إحداث بعض التغيير الايجابي في تعاطي نظام الانقاذ مع قضايا البلاد. واستبعدُ جداً ان تكون للبطل مآرب شخصية من وراء قبوله لمنصب المستشار. فهناك شواهد من سلوك وتاريخ الرجل ترشحه لحسن الظن هذا. فهو قد سبق له ان خدم في حكومة الصادق المهدي الاخيرة، وقبلها في حكم المخلوع نميري إن لم أكن مخطئاً، وعلى كثرة الفساد الذي وسم عهود الحكم عندنا بغير استثناء، والذي كانت ابوابه مشرعة وبخاصة أمام المقربين من اصحاب القرار، إلا انه لم يثبت حتى الان ان البطل اثرى من موقعه في الحكم، بل بقي رقيق الحال من الناحية المادية، فيما اعلم، حتى منّ الله عليه بالهجرة إلى امريكا حيث شغل منصباً إدارياً بحكومة ولاية مينسوتا.
إنّ من الشطط المذموم اساءة الظن بكل من عمل عند سلطان جائر، لأنّ بواعث الذين يُقدِمون على مثل هذا الصنيع مختلفة جدا. فمنهم اللص الذي لا يلتحق بحكومة إلا لنفع نفسه والتمتع بالمناصب والمزايا، ولكنّ منهم من يُقبِل على هذا الامر بدافعٍ حسنٍ ونيةٍ صادقةٍ في خدمة الناس والتخفيف من معاناتهم. وأنا اقرُّ هنا ان افراد المجموعة الاولى (فئة اللصوص عديمي المروءة الذين لا يتحرجون من شيء) يشكلون السواد الاعظم من الملتحقين بالانظمة الحاكمة في بلادنا وفي غيرها من البلاد التي تخضع للحكم الاستبدادي. ولنذكُر هنا شكوى الزعيم الشيوعي لينين المُرّة من تباريح هذه الآفة التي أصابت حزبه البلشفي عقيب سيطرته واتباعه على مقاليد السلطة في روسيا. قال لينين: “إن عشرة في المائة فقط من اتباع حزبنا يمكن ان يوصفوا بانهم مخلصون في انتمائهم للحزب الشيوعي ومستعدون للموت في سبيل الفكرة (وإن كانوا غير مستعدين لان يحيوا من أجلها)، أما التسعون في المائة الباقون فما التحقوا بالحزب إلا من اجل المناصب.” انتهى كلام لينين الذي طالعته في مقال في مجلة ناشيونال ريفيو الامريكية وترجمُته بتصرف هنا. (ولقد طربت غاية الطرب لعبارة لينين العميقة: “وإن كانوا غير مستعدين لان يحيوا من أجلها”.)
ولعلّ في هذه الظاهرة التي تضجّر منها لينين وتنتظم كل البلدان تقريباً بعض العذر للاخوة السودانيين الذي استبشعوا التحاق البطل بنظام الانقاذ، وعساها تحملنا (وتحمل الاخ البطل بوجه خاص) على إحسان الظن بمنتقدي قراره وتفهّم مشاعرهم.
وفي ختام هذه الكلمة الموجزة نُذكِّر (ولا نُعلِّم) الاخ البطل (فهو اعرف) أن التجارب من سيرة الانظمة التي حكمت بلادنا من الاستقلال وحتى يومنا هذا تُخبِرنا أن مناصب المستشارية في هذه الانظمة هي مجرد اسماء لا حقائق وراءها، وأن المستشارين في حكوماتنا يندر ان يُستشاروا في شيء، وحتى لو حدث ان أستشيروا فإن إشاراتهم ونصائحهم تذهب ادراج الرياح (ذكر المرحوم الترابي في بعض احاديثه ان النميري لم يكن يستشيره البتة رغم شغله منصب مستشار النميري للسياسة الخارجية!). ومن هنا نرجو ان يدرس البطل الوضع بذكاء وصدق، فإن “تيقّن” ان لمشورته أثرٌ نافع على الوطن والمواطنين فبها ونعمت، وليمضِ في عمله لا يلوي على شيء ولا يأبه لعاذل، أما إن “تبيّن” له أن عمله في خدمة النظام هو مجرد “تمامة جرتق”، كما نقول في المثل، فعليه أن يسارع بالاستقالة حتى يبريء نفسه، وحتى لا يجري استغلاله في استدامة وتزيين صورة نظام مفترٍ لا يحب الناصحين. وظني ان الاخ البطل سيفعل هذا ان شاء الله.
فائدة
كتبت للبطل مرة انعي عليه رأياً له في حركة حماس اورده في إحدى مقالته، ورغم أنني شدّدت عليه في تعقيبي إلا انه والحق يقال ردّ علي رداً عاقلاً مهذباً رفيقاً لا تعنيف فيه ساق فيه جملة من المسوغاتٍ التي حملته على قول ما قال في حركة حماس وعبّر عن تفهمه لمآخذي على المقال وعن سروره باتصالي به، بل ذهب ابعد من ذلك بأن جعل يُتحِفني بنسخة من مقالاته عبر البريد الاليكتروني قبل ان تظهر في الصحف، وذاك صنيع يحمل على الظن بانه رجل محترم وبريء من آفات الكِبر والمكابرة التي تتلبس كثير من المشاهير عندنا.
mikashfi@outlook.com