دكتور محمد عبدالله
بعد أيام، تحلّ ذكرى الثلاثين من يونيو، اليوم الذي غيّر مسار السودان السياسي، وامتدت آثاره إلى ما هو أبعد من مؤسسات الدولة والاقتصاد. فثمة تحولات لا تُقاس بالبيانات الرسمية ولا بالإحصاءات، لأنها وقعت داخل البيوت، وأعادت تشكيل الحياة اليومية للأسرة السودانية على نحوٍ لم يكن كثيرون يتوقعونه.
قبل فجر الثلاثين من يونيو 1989، كانت بيوت السودان تعيش على إيقاع يكاد يكون واحداً . ينهض الأب إلى عمله، وتدير الأم شؤون المنزل، ويغادر الأبناء إلى مدارسهم، ثم يعود الجميع في موعد لا يكاد يختل. لم تكن تلك العودة مجرد اجتماع حول الطعام، بل كانت لحظة يلتقي فيها أفراد الأسرة بعد يوم طويل، يتبادلون الأخبار، ويتابع الآباء أحوال أبنائهم، وتُناقش هموم البيت الصغيرة قبل أن تكبر.
في تلك الساعات، لم يكن الأب مجرد معيل، ولا الأم مجرد من تُعد الطعام، ولا الأبناء مجرد تلاميذ. كانت الأسرة، ببساطة، تؤدي دورها الطبيعي في التربية والحوار والتقويم. كان الأب يعرف كيف مضى يوم ابنه في المدرسة، وتقرأ الأم في ملامح ابنتها ما لا تقوله الكلمات، ويروي أحد الأبناء موقفاً طريفاً ، ويختلف اثنان ثم يتصافحان قبل أن ينتهي المساء.
كانت البيوت أقل رفاهية، لكنها أكثر دفئاً . وكانت الخلافات أقصر عمراً ، لأن الحوار لم يكن يحتاج إلى موعد، بل كان جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.
لم يكن المجتمع خالياً من مشكلاته، لكنه كان يحتفظ بدرجة من التماسك. فالأسرة مرتبطة بالمدرسة، والمدرسة بالحي، والحي بالدولة. وكانت الطبقة الوسطى، رغم محدودية دخلها، قادرة على توفير قدر من الاستقرار، بفضل وظيفة مستقرة، وتعليم شبه مجاني، وخدمة مدنية تراكمت خبراتها عبر عقود.
ثم جاء فجر الثلاثين من يونيو 1989، حين استولى تحالف الجيش والجبهة الإسلامية القومية على السلطة، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ السودان.
في أيامها الأولى، لم يكن كثير من الناس يتصورون أن آثار ذلك الحدث ستتجاوز السياسة إلى تفاصيل حياتهم الخاصة. لكن السنوات أثبتت أن التغيير لم يقتصر على شكل الحكم، بل طال مؤسسات الدولة، وانعكس تدريجياً على الأسرة السودانية نفسها.
بدأت سياسات الإقصاء والفصل من الخدمة العامة تحت مسميات مختلفة، أبرزها “الصالح العام”. وفقد آلاف الموظفين أعمالهم، لا بسبب ضعف الكفاءة، وإنما لأن الولاء السياسي أصبح مقدماً على الخبرة. ولم تكن الوظيفة بالنسبة إلى كثيرين مجرد مصدر دخل، بل كانت مصدر استقرار وكرامة وضمان لمستقبل الأسرة.
ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، اتسعت دائرة الهجرة. غادر الأطباء والمهندسون وأساتذة الجامعات وغيرهم بحثاً عن فرص أفضل، بينما بقيت في كثير من الأحيان الزوجات والأبناء داخل السودان، ينتظرون زيارة قصيرة كل عام. وهكذا لم تعد الأسرة تعيش تحت سقف واحد، بل توزعت بين مدن ودول وقارات، وتحولت اللقاءات اليومية إلى مكالمات متقطعة وصور تتبادلها الشاشات.
ولم يكن التباعد جغرافياً فحسب. فقد تسلل الاستقطاب السياسي إلى داخل البيوت، فانقسمت بعض الأسر في مواقفها، وتراجع ذلك الحوار الهادئ الذي كان يجمع أفرادها. ثم جاءت الحروب المتعاقبة، وتفاقمت الأزمات الاقتصادية، واتسعت موجات النزوح، فأصبحت أولويات كثير من الأسر تنحصر في تأمين لقمة العيش والسلامة، بعد أن كانت تنصرف إلى التخطيط للمستقبل.
ولم تكن هذه التحولات نتيجة الانقلاب وحده بوصفه حدثاً معزولاً ، وإنما كانت حصيلة السياسات التي أعقبته، وما نتج عنها من إضعاف لمؤسسات الدولة، وتسييس للخدمة المدنية، وتراجع للاقتصاد، واستمرار للحروب، حتى أصبح المجتمع كله يدفع الثمن، وكانت الأسرة أول من تحمله.
وحين يهاجر الأب مضطراً ، وتعمل الأم لساعات أطول، ويقضي الأبناء معظم يومهم خارج المنزل، لا تختفي المائدة، وإنما تختفي اللحظة التي كانت تجمع الجميع حولها. ومع غياب تلك اللحظة، يغيب كثير من الحوار، وتضعف المتابعة، وتتراجع المساحة التي كانت تُبنى فيها الثقة والذاكرة المشتركة بين أفراد الأسرة.
لهذا، فإن خسارة الأسرة السودانية لا يمكن اختزالها في أرقام الاقتصاد أو مؤشرات الهجرة. فالخسارة الأعمق أصابت ذلك النسيج الاجتماعي الذي جعل البيوت السودانية، لعقود طويلة، قادرة على احتواء الخلاف، وتربية الأبناء، وصناعة شعور بالانتماء يبدأ من الأسرة قبل أن يمتد إلى المجتمع والوطن.
واليوم، بعد سبعة وثلاثين عاماً من ذلك الانقلاب، لا يبدو الحديث عن الماضي دعوة إلى الحنين بقدر ما هو محاولة لفهم ما جرى. فالمجتمعات لا تعود إلى الوراء، لكنها تستطيع أن تتعلم من تجاربها.
وقد لا يعود السودان إلى ما كان عليه قبل يونيو 1989، فالسنوات لا تعود إلى الوراء. لكن ما يزال في الإمكان استعادة القيم التي جعلت الأسرة السودانية متماسكة: دولة تتسع لجميع مواطنيها، واقتصاد يتيح لهم البقاء في وطنهم بدلاً من دفعهم إلى المنافي، ومؤسسات تُدار بالكفاءة لا بالولاء. فالبيت ليس مجرد مكان للسكن، بل المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الانتماء. وإذا استعاد البيت عافيته، فلعل الوطن يجد طريقه إلى التعافي أيضاً.
muhammedbabiker@aol.co.uk
