abdullahaliabdullah1424@gmail.com
بسم الله الرحمن الرحيم
في برنامج الاستاذ ماهر ابو الجوخ علي قناة السودان، الذي استضاف فيه الاساتذة جعفر حسن ومحمد المهدي ورشا عوض، تم وضع النقاط علي الحروف فيما يخص تجاوزات وتعنتات واستفزازات الناظر ترك، التي تطورت لقطع الطريق القومي (شريان الحياة) وقفل الميناء (رئة البلاد كما يطلق عليها). والانكي وامر هو تصعييد ترك لمطالبه بعودة الحكم العسكري، عبر تفويض لجنة البشير الامنية، مع بعض الفلول والارزقية! ولم ينسَ التركيز علي تفكيك لجنة التمكين كأهم قلاع الثورة. اي ببساطة ترك يحرر شهادة وفاة للثورة، ليقيم علي انقاضها دولته الخاصة، التي لا تسع سوي شركائه اللصوص من الاسلامويين، والقتلة من العسكريين.
وكما اتضح ان جذور الازمة ترجع للمكون العسكري الذي قَبِل اتفاق الشراكة علي مضض، رغم نيله حصة الاسد دون استحقاق، مقارنة بدوره في انجاز الثورة. والحال ان اللجنة الامنية بمختلف تشكيلاتها من جيش ودعم سريع وجهاز مخابرات و شرطة، يعتقدون ان التغيير الذي حدث خاصتهم، بعد ازاحتهم لقائدهم وولي نعمتهم البشير، وتاليا من حقهم وحقهم حصرا تشكيل الملعب وادوار اللاعبين بما يناسب طموحاتهم. ومع رضوخ المكون العسكري للشراكة تحت ضغط الشارع الثائر، والقوي الخارجية الرافضة للانقلابات، وفقدانه لحاضنة اجتماعية داخلية، بعد ان اجبرته ضغوط محور الامارات علي فك الارتباط الظاهري مع الاسلامويين (رغم بقاء المصالح المشتركة). إلا ان المكون العسكري وطوال فترة الشراكة، لم يُبدِ من حسن النوايا ولا الافعال ما يشير مجرد اشارة لقناعاته سواء بالثورة او مشروع التغيير، غض النظر عن كثرة تصريحات التاييد والمواقف المرائية الداعمة للثوار لفظيا. ورغم استحواذ هذا المكون علي كل الملفات الحساسة والهامة، ابتداءً من الامن ومرورا بالاقتصاد وصولا للعلاقات الخارجية، إلا انه اصر علي استخدام كل ذلك للاضرار بالثورة لافراغها من محتواها. ومن دلالات ذلك نذكر:
اولا، اصراره المريب علي نيل حصة الاسد من ميزانية الدولة، علي حساب تقديم الخدمات للمواطنين وارساء دعائم التنمية في البلاد. رغم انتفاء كل مبررات هذا الهدر المالي من حروبات وحماية نظام وفساد مسؤولين (او كما يفترض بعد ذهاب البشير كراع للفساد وريح نظامه الاجرامي). بل زيادة علي ذلك، رفض مجرد المس بامبراطورياته الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، او حتي مجرد ولاية وزارة المالية علي المال العام. اي اصر المكون العسكري علي الاستمرار في نهج الممارسات الاقتصادية الموازي لاقتصاد الدولة، وتاليا القدرة علي مضايقة كل حكومة مدنية قوية لا تستجيب لضغوطه وتلبية مصالحه. ولكن ما يثير الحيرة في هذا المكون والدوافع التي تحركه، انه لا يكترث لما يصيب الشعب من ضنك، وهذا عندما لا يكون متسبب في ذلك عن عمد! وذلك من اجل خضوع الشعب التام لشروطه وطموحاته، بعد كسر رغبة الثوار في تداول السلطة سلميا وقناعة الشعب بجدوي مدنية الدولة.
ثانيا، تواطؤ الاجهزة الامنية مع الجرائم والمجرمين، لاحداث نوع من السيولة الامنية، التي تضعف صورة وهيبة الحكومة المدنية، وتطعن في اهليتها لتولي السلطة. رغم ما تملكه هذه الاجهزة من مقدرات وموارد وسجلات بكل معتادي الاجرام، خاصة وان تركيبة نظام الانقاذ الذي صنعها، هي اصلا تركيبة امنية، و لم يألُ جهدا في تزويدها بكل معينات العمل، اي هي اصلا متخصصة امن ومحترفة تحسس وتجسس. ومن ثمَّ المسألة تشوبها سوء النية والتقصير المتعمد. ولكن ان يمتد التقصير الي التغاضي عن قطع الطريق القومي، فهذا ليس له غير تفسير يتيم، ان ما كان يجري تحت الطاولة، اصبح يجري علي العلن، بعد ان طفح الكيل بالمكون العسكري، من اقتراب فترة تسليم البرهان ونائبه لمواقعهما لصالح المكون المدني. وهو ما لا يبدو انه سيتم بسلاسة، وغالبا ما تجري الامور علي قدم وساق لاستباق ذلك، بكيفية قد يجري تدبيرها في الخارج وتاييدها من الدولة العميقة في الداخل؟!
ثالثا، اقامة تحالفات مع اعداء الثورة في الخارج، وعلي الخصوص محور الشر الاماراتي السعودي المصري. وهذا المحور لم يكتفِ بدعم واحتواء المكون العسكري، ولكنه غالبا مشارك بالتخطيط والدعم اللوجستي لاجهاض الثورة، وبما في ذلك استمالة الحركات المسلحة، واختراق قوي وازنة في تحالف الحرية والتغيير! وهو ما افرز حكومة المحاصصات الاخيرة، كاسوأ نموذج يقدم للثورة، ان لم يكن مبرر لتصفيتها والانقلاب عليها!
ولكن اسوأ ما افرزته هذه التدخلات، هو الرعاية لاتفاق جوبا، الذي لم يكن اكثر من تآمر مكشوف علي الثورة ومطالبها وطموحاتها، بالعبث في الوثيقة الدستورية وتشكيل جسم هلامي (مجلس الشركاء) وتعطيل اهم مستحقاتها كالمجلس التشريعي …الخ، والخلاصة انها حرفت الفترة الانتقالية من محطة التاسيس لمستقبل الحرية والسلام والعدالة، الي صراع مبتذل علي السلطة ومغانمها، وسعي حثيث لاستغلال موارد الدولة لتقوية نفوذ هذه الحركات والاحزاب المشاركة في السلطة مستقبليا! وكذلك تحولت الحركات لخميرة عكننة امام كل جهد ثوري كلجنة التمكين، والوقوف حجر عثرة امام كل مشروع يهدف لتوحيد وتقوية الجبهة المدنية! اما اخطر بدعة اخترعها اتفاق جوبا هو خلق مسارات موازية لاقاليم اخري، ذات طبيعة مختلفة في قضاياها ومطالبها، التي بالطبع ليس من ضمنها السلام! ولمزيد من الاستهبال والاستهتار تقدم هذه المسارات شخصيات جدلية غير مفوضة ولا تحظي باجماع او قبول (نموذج هجو والجاكومي) وتسعي بدورها للوصول لكرسي السلطة والحصول علي الامتيازات، مستغلة الاخطاء والكوارث المتوارثة من نظام الانقاذ. و لتُستخدم هذه المسارات لاحقا بعد اضفاء نزعات عنصرية ومشاعر سلبية، كادوات فعَّالة بايد الفلول، يجيشون بها اهل تلك المناطق، ويتلاعبون بعمدهم الغائبة شمسهم، لخدمة مشاريعهم المستترة والتي تبتغي تقويض فترة الانتقال! وكذلك تستخدم هذه المسارات كحاضنة للمكون المليشياوي والعسكري بعد احتضانها لعمد ومشايخ وادارات اهلية، يستخدمها ككرت ضغط ضد الحكومة المدنية (صراع الشراكة الملتبسة). ويمثل ترك افضل نموذج ولو انه اختار السير عكس اتجاه المسارات، ولكن علي ذات نهج استغلال مشاعر اهل قبيلته بالاستفادة من اخطاء حكومة الفترة الانتقالية، واحيانا لتراكم ميراث الخراب الانقاذي، وليبادل المكون العسكري بمغازلة احسن منها، والذي يبدو انه مهندس كل ما يحدث من تدهور امني واقتصادي وحماية للفلول ومصالحهم.
وبتضامن الفلول والعسكر تضخم دور ترك، ولكن ما جعله يحوز كل هذا الاهتمام والنفوذ مؤخرا، ليتجاوز الانشغالات والطموحات المحلية لينفتح علي المطالب القومية، ووصولا لمرحلة المطالبة بحل الحكومة الانتقالية، مع الابقاء علي المكون العسكري! هو قرب انتهاء فترة رئاسة البرهان ونائبه حميدتي لمجلس السيادة. ومجرد تفكير كلا الرجلين في مغادرة واجهة المشهد السياسي الي الصفوف الخلفية، رغم بقاء سيطرتهما علي ما يحوزانه من سلطات وامكانات، فهذا ما لا يمكن السماح به! لا من ناحية نفسية وتعود علي سحر السلطة وابهتها، ولا من ناحية ما يملكانه من نفوذ وعلاقات خارجية ترغب في وجودهما في الواجهة، ولا من ناحية ما يعتبرانه من حق يخصهما بوصفهما من ازاحا البشير، ولا من ناحية تربية انقاذية شائهة تخلط بين السلطة والثروة والعسكرة، ولا من ناحية سوابق اجرامية بوصفهما ادوات البشير في حروبه، ولا من ناحية وعي ووطنية لا يبدو ان كلاهما يفقهان شيئا فيهما!
فاجتماع زيادة نفوذ العسكر والحركات المسلحة، مع ضعف المكون المدني، وتشرذم قوي التغيير، وزيادة الضغوط الداخلية الاقتصادية والامنية، وتمدد نفوذ العشائرية والقبلية، وترك الحبل علي الغارب للفلول! كل ذلك يرسم كما سلف سيناريو انقلاب وشيك او حالة طوارئ او حيازة اهم السلطات باي تدبير يدخل علي الوثيقة الدستورية (شملة كنيش)، ويساعد علي ذلك خفوت ضغوط المجتمع الدولي او مباركته الخجولة لكل الانقلابات الاخيرة سواء في تشاد او مالي او غينيا او سيطرة طالبان، وقبل كل ذلك الرضا الذي يقابل به النموذج السيسوي المصري العسكري او القيسي التونسي المدني.
المهم، بعد وصول الاوضاع لما آلت اليه من التراخي الامني بقصد افشال فترة الانتقال وتبرير الانقلاب عليها، ليس هنالك فرصة للخلاص، إلا بالالتفاف من جديد حول حكومة الفترة الانتقالية (رغم الاختلاف معها)، وتخفيض الضغط عليها، بايقاف سلسلة الاضرابات التي ينتوي اساتذة الجامعات القيام بها، وكذلك نقابة المعلمين والبنوك وغيرهم، رغم بؤس الحال الذي يعانيه الجميع، بل مقارنة بمعاناة الآخرين هؤلاء في نعمة يحسدون عليها، كما يجب ان لا ننسي ان الفلول يتركزون في تلك المؤسسات. وصحيح ان حق الاضرابات، هو حق دستوري كواحد من استحقاقات الثورة، ولكن الاكثر صحة ان فترة الانتقال هي فترة تضحية، من اجل تهيئة البيئة للاستقرار، وذلك علي اعتبار فترات الانتقال هي فترات التاسيس (بناء القواعد لدولة المستقبل) وعلي قدر انجازاتها تكون ثمار الفترة القادمة. وذات الامر ينسحب علي كافة القطاعات بتخفيف الضغط علي الحكومة، لتتفرغ لمواجهة تربصات العسكر والفلول ومحور الشر الخارجي بالتوازي مع استكمال متطلبات الانتقال.
وذلك يتطلب من حكومة الانتقال المدنية، فرز عيشتها بصورة واضحة، والاستجابة لكل مطالب القوي الثورية واتباع نهج الشفافية والمكاشفة. وباختصار الشعب يكاد يكون فقد الثقة في حكومة ثورته، وليس هنالك من سبيل لاسترداد هذه الثقة، الا بتقديم النموذج الثوري الملهم في سلوكه وعمله وتضحياته، من جانب كل اعضاء الحكومة ولجان الخدمات والتغيير وكل ما يمت للسلطة بصلة. والاهم تقديم نموذج يحتذي في القيادة الملهمة والتقشف والاستقامة، ومراعاة الاولويات كسياسة حكومة. وكبيان بالعمل يجب البدء بشركة المعادن، وفك تمكين مبارك اردول ومحاسبته، بعد تغيير نهج العمل ليصب في صالح المؤسسية والرقابة والمحاسبة. وكما طالب الاستاذ محمد الفكي يجب علي كل المسؤولين في الحكومة المدنية تقديم شهادة ابراء الذمة والكشف عن مرتباتهم وحوافزهم، والتخلص من كل مظاهر الرفاه السلطوي. والمواصلات والمخابز العامة ترحب بكم وباسركم.
واخيرا
واحدة من معضلات الشراكة، افتقارها للاهداف المشتركة، بسبب الصراع الوجودي بين مدنية الدولة وعسكرتها، ودون تسوية هذه المسألة، ليس هنالك سبيل للخروج من متاهة هذه الدائرة الشريرة. كما انه ليس هنالك موقف مجانا او بلا ثمن، ولا يمكن ان يثور الشعب او يقف مع حكومته او طبقته السياسية، اذا لم تكن علي قدر المسؤولية. ودمتم في رعاية الله.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم