التأسيس السياسي للتحول الديمقراطي في السودان .. بقلم: ناصر السيد النور

إن ما أعقب ثورة ديسمبر وشكل بالتالي واقعاً سياسياً لم يألفه السودانيون أو ساستهم من ثورة اقتلعت نظاماً استبدادياً إلى مشروع ثورة غير منجز وحاسم خاصة مع عقابيل نظام أقل ما كان يجب فعله تجاهها إن لم يكن الحسم الثوري المتعذر، فإزالة ميراثه القائم تفكيكا. أما وقد سيقت المبررات في ان الظروف الحالية التي سميت بتحديات المرحلة أو قبول بالأمر الواقع لحين الانتقال عبر واقع سياسي انتقالي سلمي ديمقراطي. والشاهد أن هذا الواقع لن يتجه عبر الفترة انتقالية ذاتها الى تحول ديمقراطي شامل بالمعني الذي شهده تاريخ السودان السياسي عقب ليل الديكتاتوريات الطويل كما في السابق. ولكن بما أن هذا الواقع السياسي المأزوم وعدم الاستيفاء الدستوري لمؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية (برلمانات، محكمة دستورية، جيش موحد) وخلافه من نواقص ومعوقات تعمل مجتمعة ضد أي تحول أو توجه نحو استقرار سياسي يؤدي إلى واقع تصبح فيها الممارسة السياسية ديمقراطية عبر قنواتها المشروعة وبغيابها أو تعطلها يكون النظام القائم أي يكن شكله ورسمه قد أصابه كما في تعريف علم السياسية الكلاسيكي موت الجسد السياسي.
والديمقراطية كممارسة ونظام للحكم لم تكن غائبة على قصر فتراتها وظلت مطلباً وأملاً في الحكم والمعارضة لإعادة السودان إلى مسار الحكم الراشد والتمتع بكل ما تعنيه الديمقراطية من حرية تعبير والحق في الانتخاب والمحاسبة وغيره من حقوق وواجبات تغيب عن السجل الوطني للمواطن السوداني. ومع كل نقد طال التجربة الديمقراطية وخاصة من اعدائها أو منسوبي نظم شمولية تعادي الديمقراطية وبأن الشعب غير مهيئ لنظام سياسي غريب كالديمقراطية التي استزرعت في تربة غير تربتها وما إلى ذلك من تبريرات تنتقص من كرامة الانسان أكثر من نقدها لفكرة الحكم، إلا إنها وكما تكاد تجارب السودان السياسية تخبرنا تظل الديمقراطية النظام الأمثل للممارسة الحكم في بلد وقد تكاثرت عليه الأوصاف من بلد متعددٍ ومتنوع ومتباين، إلا أنه يبدو الا خيار منقذ إلا خيار الديمقراطية وإن كانت الديمقراطية هي أسوأ أشكال الحكم باستثناء كل الاشكال الآخرين التي تم تجربتها. على قول السياسي البريطاني الأشهر ونستون تشرشل.
ويواجه الواقع السياسي السوداني أزمات حادة ويكتنفه غموض في المصير ربما تجاوز الحديث من نمط الحكم إلى التساؤل حول مستقبله إن كان سيظل بلداً قائماً بوجوده الجغرافي والإنساني والسياسي أو علماً بين الأمم، سودان قديم أم جديد أم سودان يتشكل ضمن سياق الفوضى (الخلاقة) بالنظر الى ما تحدثه الصراعات المسلحة وتنامي سطوة من يحملون السلاح خارج الدولة بل وتشارك في الحكم بقوتها الضاربة في المركز والأقاليم. فإذا كان الحديث من تهيئة سياسية وهي بالمفهوم السياسي المحلي حوار وطني أو مبادرة سلام وما اليه من محاولات استباق أو المحافظة على الأقل على الحد الأدنى من شكل الدولة والوطن. فما غاب عن أجندة هذه المبادرات البريئة هو أن وسائل التغيير السياسية التي لم تعد تتناسب ووسائل التغيير التقليدية من أحزاب وكيانات طائفية ومهنية وجهوية فاعلة وهامشية تخضع لها منظومة سياسية اجتماعية مؤثرة على خارطة السياسة السودانية قابلة للعمل في سودان اليوم. ومع ضخامة ما أنجزته الثورة وتطمح في تطبيقه في مرحلة ما بعد الثورة (التحول الديمقراطي) يقابله من جانب آخر بعد تأريخي سياسي مفقود يراود أحلام الساسة، فما بعد ثورة ديسمبر لم يكن كما كان الشأن ما بعد ثورة أكتوبر 1964 ممثلاً في جبهة الهيئات أو ميثاق الدفاع عن الديمقراطية عقب انتفاضة ابريل 1985فقد تراجعت أهم آليات حفظ النظام وما يعطي الدولة ويبرر لوجودها وربما عنفها السياسي قوة الجيش الموحد أي يكن دوره في السياسة السودانية منذ أول انقلاب 1958، وشأنه شأن أي جيش في العالم معنى بالدور الوطني وتجاوز صراعات السياسة لا أن يكون واجهة تمثل حزباً أو جماعة ما كما حاول النظام المباد زعزعة أسسه المهنية وعقيدته الوطنية. ومع ذلك فصيغة الحكم الانتقالي بمكونيه المدني والعسكري يباعدهما الاختلاف أكثر من الاتفاق بين الاستناد الى حاضنات عسكرية ترجح كفة الأمور وبين قواعد مدنية قادت التغيير لكنها لم تستطع توجيه دفة الأمور فظلت تحت رحمة الطرف الأقوى وتحالفاته بما فيها تمددات ما بات يعرف بالدولة العميقة (فلول الكيزان). فظهرت صورة مزدوجة تعبر عن واقع سياسي أبعد ما يكون عن أي اجماع وطني.
في هذا المناخ المبلد بالغيوم يعصب تدارك الفشل نحو الوصول الى الديمقراطية بالطريقة التي تفكر وتعمل بها المكونات السياسية وخاصة المدنية منها أحزاباً وكيانات وتيارات دون أن تؤسس قانونيا او سياسياً عقداً جديداً للحوار (الوطني) يجمع تباين الرؤى للمشروع السياسي والدستوري بالبلاد. ولكي لا تكون دعوات المبادرات السياسية مناورات سياسية، على الكيانات السياسية إعادة ترتيب هياكلها السياسية داخل هذه الكيانات بما يوطن لممارس ويؤهل لتحول ديمقراطي تنجزه المشروعات السياسية لا الصراعات الحزبية. وما من معالجة لأي قضايا سياسية دون أن يكون التأسيس السياسي يأخذ بأهم محاور الكيان السياسي نفسه البرامج التي ستبنى عليها رؤى المكون السياسي أو الجماعة الحزبية ورؤيتها للتغيير والمعالجة لجملة قضايا السياسات العامة في التنمية والاقتصاد والتعليم والصحة والدفاع وكل ما من شأنه أن يعطي للدولة معنى ووجودا. فالمتغيرات السياسية في حركة دائمة بينما قضايا التنمية والتطور ثابتة تظل حاجتها للسياسات وشخصيات سياسية تمارس الحد الأدنى من السياسية ولو لم تعد السياسة فناً ممكناً في سودان اليوم.
والواقع أن كافة الأحزاب السياسية التقليدية منها والحديثة بطوائفها الدينية وطائفيتها السياسية أبعد ما تكون عن الممارسة الديمقراطية تنظيما وأبعد عن أي موقع قرار مهما بلغت الشراكات السياسية المؤقتة من مصداقية غير موثوقة. فاللاعبون الجدد أو الحقيقيون شكلتهم القوة وخرجوا من تشكيلات الصراعات المسلحة واستمروا في ممارسة السياسة بطرق أخرى بعد الثورة ومنحهم فراغ القوة دوراً سياسياً يصعب التراجع عنه. وما على الأحزاب إلا إعادة فهم ما يجرى على الساحة السياسية وأن تخرج من رؤيتها التأريخية التي ظلت حبيسة تجربتها المتكلسة في اليمين واليسار وتبعد عن تفكيرها المتخم بالأساطير المؤسسة Founding Myths لفشل النخبوي.
ويكون في استيعاب حقائق العالم وتحولاته غير السياسية فرصة لتجديد أنماط التفكير في الداخل السياسي، فإن نجاح الحكومة الانتقالية في إعفاء ديون السودان ورفع العقوبات والعودة الى مؤسسات النظام الاقتصاد العالمي يستدعي التعامل مع واقع اقتصادي سياسي اقتصادي يراعي المصالح العليا للدولة مهما تقاطعت مع رؤية الحزب كما كان يحدث في السابق. إن توافر عوامل الإصلاح السياسي ومتطلباته في سياسات وبرامج الكيانات السياسية يخدم في تكوين وعي سياسي يمكن الجهاز التنفيذي (الدولة) من العمل بما يتيحه من استقرار وبالتالي يهيئ المواطن للتحول الديمقراطي واستحقاقاته.
نشر بحصيفة _الديمقراطي# 8/09/2021م
anassira@msn.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً