الجزء الأول – التاريخ القديم
بقلم: ناني أوبت انده*
ترجمة: غانم سليمان غانم**
مقدمة:
النوبة هم مجموعة من القبائل تتشارك السكن في منطقة جغرافية محددة في ولاية جنوب كردفان والمعروفة باسم: “جبال النوبة”. إن أصول معظم قبائل النوبة مجهوله ولكن ليس من شك أنهم أفارقة. وقد وصلوا لجبال النوبة من مناطق مختلفة خلال آلاف السنين. يوجد حالياُ أكثر من خمسين قبيلة تنتمي لقومية النوبة. ويبلغ اجمالي تعدادهم حوالي مليونان ونصف (2.5) مليون نسمة.
كانت معظم قبائل النوبة حتى حقبة الاستعمار التركي المصري خلال القرن التاسع عشر تعيش في عزلة نسبية. أهم الأحداث المؤثرة التي شكلت تاريخ قبائل النوبة هي حقبة حكم الإمام المهدي وخليفته القصيرة والتى اتسمت بالعنف وحقبة الاستعمار البريطاني. نال السودان استقلاله في عام 1956م ومنذ الستينيات من القرن الماضي كان النوبة على خلاف مع الحكومات الوطنية المتعاقبة. اعتباراً من عام 1987م وحتى هذا التاريخ تعتبر منطقة جبال النوبة ميدان لإحدي الحروب الأهلية التى استمرت لوقت طويل مستنزفة موارد البلاد.
يعمل النوبة بشكل تقليدي مزارعين في القطاع الزراعي وهم مستخدمون حالياً في العديد من القطاعات الإقتصادية والمرافق الحكومية ومنذ بداية القرن العشرين أسهمت هجرات العمالة في تشكيل مجتمعات نوبة كبيرة في المدن الكبيرة في السودان مثل الأبيض والخرطوم وبورتسودان. في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي التحق مئات الآلاف من النازحين النوبة بسبب عنف الحرب الأهلية بالعمالة المهاجرة السابقة. بتوقف الحرب الأهلية في جبال النوبة رسمياً في يناير 2002م عاد العديد من النازحين إلى جبال النوبة.
تهدف اللمحات التاريخية التالية والمختصرة إلى تقديم منظور شامل لتاريخ النوبة. ولقد استشهدت واقتبست من العديد من المصادر وقمت كذلك باستشارة العديد من العلماء الذين يعتبرون مراجع وخبراء في مجالاتهم المختلفة بالنظر للتاريخ القديم للنوبة. وبالنظر لمعظم أحداث التاريخ الحديث فقد اعتمدت بشكل كبير على المقابلات مع رجالات النوبة الذين كانوا منخرطين بشكل لصيق بالتطورات والأحداث التى أدت إلى الحرب في جبال النوبة وبالتالي توقيع اتفاقية السلام الشامل في عام 2004م.
1 – اسم النوبة
لعدة قرون كان يطلق على المنطقة الجغرافية التى تعيش فيها قبائل النوبة بـ “بلاد النوبة”. وكانت مملكة تقلي (وهي مملكة نوبة صرفة) تعرف بشكل متميز مثل بقية ممالك النوبة في جبال النوبة ولكن بالنسبة للقبائل العربية التى تعيش حول المنطقة فقد كانت تُطلق على جميع سكان الجبال اسم “النوبة”. وقام الأوروبيون، بالاعتماد على المعلومات التى تلقوها من القبائل العربية، باستخدام نفس الاسم.
كانت قبائل النوبة حتى وقت قريب تستخدم اسمها القبلي وكان العديد منهم لا يعتبرون أنفسهم في حقيقة الأمر نوبة. وبكلمات الراحل الأستاذ/يوسف كوة مكي:
“من الأمور العجيبة: عندما تكون في جبال النوبة أنت تعرف قبيلتك فقط. فنحن على سبيل المثال من قبيلة الميري. لذلك عندما نسأل:”من هم النوبة؟” كنا نحاول أن نقول:”القبائل الأخرى – ليس نحن”. فقط عندما نخرج من جبال النوبة للشمال أو الجنوب أو الغرب عَرٍفنا بأننا كلنا نوبة” 1.
يرجي الملاحظة أن كلمة “نحاول” هنا: كما لاحظ عالم اللسانيات والأنثروبولوجيا الإجتماعية أيه. سي. استيفنسن (A.C. Stevenson) تعني أن: “بعض المتعلمين من النوبة يخجلون من وسم أنفسهم بهذا الاسم ويحاولون استخدامه لنعت سكان الجبال الريفيين: بالنسبة لهم فهم “نوبة” إشارة للحط من المكانة الاجتماعية” 2.
تفترض إحدى النظريات القديمة بأن هناك علاقة بين “نوبة” والاسم المصري القديم “نوب” (nebu) الذى يعني الذهب. كانت الأرض الواقعة جنوب مصر في الأزمنة القديمة تنتج كميات كبيرة من الذهب ولذلك كان السكان معدنين للذهب، و تزعم بعض الإدعاءات أن “أرض الذهب” كانت تسمي نوبيا (Nubia)، وذلك لم يحدث، وأن سكانها نوبة. باختصار: كل هذه مزاعم سخيفة 3. ومن ثم هناك تفسير آيه. جيه. آركل (A.J. Arkell)، وهو يقول:
“يبدو أن اسم النوبة مشتق، مثل العديد من الأسماء القبلية الأخرى في السودان (البرتي، البرتا، البرقو وغيرهم)، من كلمة من لغتهم الخاصة تعني “العبيد” 4.
بالتأكيد هناك علاقة و إرتباط بين الاسم والمسمى: لقد تم قهر قبائل النوبة بواسطة تجار الرقيق لعدة قرون وبالنسبة للعرب أصبح اسم “النوبة” مرادفاً إلى حد ما لـ”العبيد”. ونظراً لأن آركل لم يذكر في أى لغة من لغات قبائل النوبة العديدة ما يبين أن الإسم يعني “عبيد”، فهناك القليل الذي يمكن أن نقوله حول نظريته باستثناء الاستشهاد بعالم الانثربولوجيا الدكتور اس. اف. نادل (S.F. Nadel) الذى يقول:
“لن أحاول متابعة أصل ومصدر هذا الاسم أو التكهن بمعناه الأصلي. يكفي القول بأنه لا يوجد في أى لغة من لغات المجموعات (القبائل) التى قمت بدراستها مصطلح (اسم) نوبة” 5.
2 – الممالك القديمة في ضفاف النيل
1 – النوبة
هناك “النوبة” وهناك “النوبيون”، وهذا يسبب كثيرا من الإلتباس. “النوبة” قبائل تعيش في جبال النوبة بولاية جنوب كردفان. و”النوبيون” يعيشون حالياً على ضفاف النيل في الحدود بين السودان ومصر. وقد تم تهجير العديد منهم عندما قام الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر ببناء السد العالي. يعتبر “النوبيون” من أحفاد سكان الممالك النوبية العظيمة: كوش، مروي، نبتة، المقرة (دنقلا) وعلوة.
في هذا المقال سأقوم أولاً باستعراض تاريخ النوبيين ومن ثم سأتناول أي مرئيات سائدة حالياً فيما يتعلق بالعلاقة بين نوبة جبال كردفان والممالك النوبية القديمة.
يستخدم اسم “بلاد النوبببن” لوصف الأرض الممتدة على ضفاف النيل والكائنة جنوب مصر والمقسمة إلى “بلاد النوبيين السفلى”، الواقعة في المنطقة بين الشلالين الأول والثاني، و”بلاد النوبيين العليا” وصفا للمنطقة الواقعة جنوب الشلال الثاني. على أية حال، ومن منظور تأريخي لم توجد أبدا مملكة أو قبيلة أو حضارة باسم النوبيين. إن استخدام اسم بلاد “النوبيين” للدلالة على المنطقة يبدو أنه نشأ عند قيام رسامي الأطالس الأوروبيون في بواكير عصر النهضة الذين قاموا برسم الخرائط على أساس أعمال عالم الفلك والجغرافي كلاديوس بطليموس (Claudius Ptolemaeus) – 90 – 168 قبل الميلاد 6.
الملوك المصريين القدماء (قبل الأسر الفرعونية ومن الأسرة الفرعونية الأولى) كانوا يطلقون على سكان المناطق التى تقع جنوب ممالكهم بـ “تا ستي” أو رماة الحدق لمهارتهم في رمي السهام. كان “التا ستي” منظمين بشكل جيد ولم تكن حضارتهم مختلفة عن المصريين الأوائل. على أية حال فهم قد اندثروا.
بقيام الأسرة الفرعونية السادسة (حوالي 2323 – 2150 قبل الميلاد) كان المصريون يطلقون اسم واوات (Wawat) وارتجيت (Irtjet) وستجيو (Setju) للدلالة على الممالك الصغيرة المتعددة في بلاد النوبيين السفلى. كما كانوا يطلقون اسم يام (Yam) على مملكة تقع في بلاد النوبيين العليا. وكانت هناك علاقات تجارية بين مملكة يام ومصر حينئذ.
عندما حلت المملكة الوسطى مكان المملكة القديمة في مصر (حوالي 2134 – 2040 قبل الميلاد) حدثت كذلك تغيرات سياسية في بلاد النوبيين العليا. واختفت “مملكة يام” من نصوص التاريخ المصري وظهرت مملكة كوش التى كان المصريون يصفونها بـ “الحقيرة” أو” الوضيعة”. أصبحت مملكة كوش قوة رئيسية في الجنوب واستولت على بلاد النوبيين السفلى حوالي 1700 قبل الميلاد.
تغيرت الفرص مرة أخرى وقام مصريو المملكة الجديدة (حوالي 1532 – 1070 قبل الميلاد) بهزيمة مملكة كوش هزيمة ساحقة وقاموا بتدمير عاصمتها كرمة. بحلول نهاية حكم الملك تحتمس الأول في عام 1520 قبل الميلاد تم إلحاق جميع بلاد النوبيين بمصر وقام المصريون بتأسيس إدارة جديدة ومراكز دينية في نبته، وتبنت صفوة النوبيين عبادة الآلهة المصرية ونظام الكتابة الهيروغلوفية. وبهذه الطريقة تمت المحافظة على العديد من آثار الثقافة المصرية القديمة لعدة قرون بينما تراجعت قوة مصر تدريجياً.
بحلول عام 800 قبل الميلاد تقسمت مصر إلى دويلات متحاربة وفي عام 747 قبل الميلاد قام الملك الكوشي بعانخي (بيا) بالزحف نحو الشمال من عاصمة مملكته في نبته وقام بتوحيد مصر. قام الحكام الكوشيين بحكم كل من بلاد النوبيين ومصر حتي غزو الجيش الآشوري في عام 667 قبل الميلاد وهرب الملك النوبي إلى نبتة وتمت هزيمته تماماً في عام 664 قبل الميلاد.
في عام 656 قبل الميلاد، قام بسماتيك الأول، مؤسس الأسرة السادسة والعشرين (أسرة سايات) (Saite) بتوحيد مصر. وفي عام 591 قبل الميلاد قام خلفه بسماتيك الثاني بغزو مملكة كوش وتدمير وحرق نبته. قام ملوك كوش بنقل عاصمتهم إلى مروي (Meroë) حيث استمروا في بناء المعابد للآلهة النوبية والمصرية. كان هؤلاء الملوك يدفنون في أضرحة داخل الإهرامات. قام ملوك مروي بتطوير خط جديد وبدأوا في كتابة اللغة المروية التى لم تكتشف أسرارها حتى الآن.
احتل الأسكندر الأكبر مصر في عام 332 قبل الميلاد وكانت فترة حكمه قصيرة وأصبحت مصر مملكة مرة أخرى تحت حكم البطالمة (306 – 30 قبل الميلاد). كان البطالمة متحدرين من أصول إغريقية وكان يشار إلي سكان جنوب مصر في السجلات الرسمية بـ” الأثيوبيين” (Aethiopian)، وهي تعني باللغة الأغريقية “ذوي الوجوه المحروقة”. هذا الاسم الذى نعتهم به أول أعظم المؤرخين “هيرودوتس” (Herodotus) استمر طوال فترة حكم الرومان الذين سيطروا على مصر في عام 30 قبل الميلاد.
ازدهرت مروي خلال فترة حكم البطالمة. لم تكن العلاقات الأولية مع الرومان جيدة وطبقا لما أورده الرحالة استرابو (Strabo) – 63 قبل الميلاد 24م:
“قام الأثيوبيون في عام 24 قبل الميلاد بالهجوم على طيبة وقلعة الكتائب الثلاثة في أسوان وبهجوم مباغت استولوا على أسوان والفانتين وفيلة وأسروا السكان وأسقطوا تمثال قيصر” 7.
في عام 23م قام الحاكم الروماني في مصر بترونيوس (Petronius):
“باجبارهم أولاً للهروب إلى بلشيس (Pselchis) وهي مدينة أثيوبية وأرسل سفراءه للمطالبة بارجاع ما أخذه الأثيوبيون وابداء أسباب مبادرتهم بالحرب؟”.
لم يستجب الأثيوبيون له. ولذلك قام بترونيوس في عام 22م بمهاجمتهم في بلشيس. وبهزيمة الأثيوبيين هناك تقدم الحاكم الروماني باتجاه بريمنيس (Premnis) وقام بالسيطرة على المدينة وتقدم باتجاه عاصمة الأثيوبيين نبته التى قام بتدميرها. بعد العديد من الأعمال العدوانية توصل الأثيوبيون والرومان إلى اتفاق سلام وازدهرت التجارة بينهم لعدة قرون.
قبل الرجوع مرة أخرى للنوبة أود أن أركز مرة أخرى إلى أنه اينما ذكرت بلاد النوبيين يجب أن نتذكر بأنه لا توجد هناك مصادر تاريخية منذ القدم كانت تستخدم هذا الإسم. وبالنسبة للنوبة فالأمر قصة مختلفة.
2 – النوبة يدخلون التاريخ
كان ايراستوثينز (Erastothenes) – 276 الى 194 قبل الميلاد – هو أول مصدر معروف ذكر قبيلة تسمي “النوبة (Nubae). نحن لم نحصل على النص الأصلي لكن استرابو كان يتحدث عن معرفة ايراستوثينز عندما قال:
“[…] المناطق الواقعة في الجانب الأيسر من مجري نهر النيل، في “ليبيا”، يسكنها النوبة (Nubae) وهي قبيلة كبيرة يمتد تواجدها ابتداء من مروي إلى منحنى النهر وهي لا تخضع لسلطان الأثيوبيين وهي مقسمة لعدة ممالك مستقلة” 8.
بمسير ايراستوثينز بموازة مجرى النيل فهو يعني أن النوبة كانوا يعيشون بين مروي ودنقلا … من المهم التوضيح بأنه كان يميز بشكل جلي بين الأثيوبيين والنوبة.
لقد ذكرت من قبل كتاب الجغرافيا (Geographica) لكلاديوس بطليموس بأنه قام في حوالي عام 150 قبل الميلاد بتحديد مكان سكنى النوبة في جنوب مصر. وبخلاف ما يفترضه العديد من الناس فقد حدد مكان تواجدهم شرق نهر النيل. ويقول بطليموس أن النوبة يسكنون في أقصى غرب ميناء زيلع (Avalitae)، والفكرة هنا: أن بطليموس في هذه الفقرة يتحدث بشكل عام عن أناس يعيشون شرق النيل، وهو يحدد موقع زيلع في الساحل الأفريقي لخليج عدن. في حقيقة الأمر، ذكر بطليموس عدة قبائل تعيش بين بلاد النوبة (Nubae) ونهر النيل.
على أية حال، لم يعد ملوك مروي يهتمون كثيراً ببلاد النوبيين السفلي وكذلك لم يهتم الرومان بها: يروي بروكوبيوس (Procopius) المقيم في سيزاريا (Caesarea) (500- 565 م) بأن الإمبراطور دقلديانوس (Diocletian) (245- 312 م) قرر سحب القوات الرومانية من بلاد النوبيين السفلي. قام شعبين من شعوب الجنوب بازعاجه وهم: البلميين (Blemmyae) (البجا) في الجنوب الشرقي والنوباتيين (Nobatae) في الجنوب الغربي في مكان يسمي بريمنيس (Premnis).
“[…] لذلك فقد أقنع بروكوبيوس هؤلاء البرابرة (النوباتيين) للانتقال من موقع سكناهم والاقامة على ضفاف نهر النيل […] وبهذه الطريقة اعتقد بروكوبيوس بأن النوباتيين على الأقل لن يهاجموا البلاد الواقعة حول بلشيس بعد ذلك وبأنهم سيمتلكون الأراضى الممنوحة لهم باعتبارها أراضي خاصة بهم ومن المحتمل ان يهزموا البلميين والقبائل البربرية الأخرى”.
ونظراً لأن هذا التوجيه أسر النوباتيين فقد قاموا بتنفيذ الإنتقال بشكل سريع حسب توجيه دقلديانوس وقاموا بالسيطرة على جميع المدن الرومانية والأراضي على جانبي نهر النيل الواقعة جنوب الفانتين.
من الواضح أن النوباتيين ليسوا برعايا لمملكة مروي. في ذلك الوقت وفي حوالي عام 300 م تراجعت قوة مملكة مروي تدريجياً وضعفت نتيجة لتقدم بعض الشعوب من الشرق والغرب على حد سواء 9.
من الشرق أتت اكسوم وهذه مملكة قديمة فيما يعرف بأثيوبيا الحالية (الحبشة) وصلت قمة قوتها خلال حكم ملكها المسيحي عيزانا (Ezana) 330 – 356م. وفي نقش وجد في مروي أعلن عيزانا:
“أنا انتصرت ميدانياً على النوبة عندما ثار شعب النوبة (Noba) وهاجموا بعنف المانجورتو (Mangurto): الخاسا (Hasa) والباريا (Barya) وعندما قام النوبة السود بشن الحرب على النوبة الحمر. أنا حاربت على نهر تكازي (عطبرة) في مخاضة كيمالكي (Kemalke). فهربوا واتبعت الهاربين الفارين لمدة ثلاثة وعشرين يوماً وقمت بقتل البعض وأسر البعض الآخر وغنمت الغنائم وأحرقت مدنهم واستوليت على قمحهم ونحاسهم وحديدهم ولحمهم المجفف والتصاوير التى كانت في معابدهم وحرقت مخزونهم من القمح والقطن وقفز الأعداء الفارين في نهر سيدا (النيل الأزرق). ووصلت كوش (Kasu) وقمت بقتلهم وأسرت الأسري في ملتقي نهرى النيل الأزرق وعطبرة. وأرسلت قواتي إلى النيل الأزرق لمحاربة مدنهم: علوة (Alwa) ودارو (Daro) وقامت قواتي بقتلهم وأسر الأسرى وألقوهم في الماء ورجعت قواتي سالمة ومنتصرة. كما أرسلت قواتي باتجاه النيل الأزرق لمحاربة أهل المدن المشيدة بالقش والقصب الخاصة بالنوبة (Noba) والنجوس (Negues) ومحاربة أهل المدن المشيدة بالطوب واللبن الخاصة بالكوشيين التى استولى عليها النوبة وهي تابيتو (Tabito) وفيرتوتي (Fertoti) ووصلت قواتي إلى منطقة النوبة الحمر ورجعت سالمة ومنتصرة بعد أن قامت بأسر الأسرى وقتل الأعداء والاستيلاء على الغنائم” 10.
رغم التقدم الذى حققه علماء الآثار وعلماء اللسانيات في كشف المسألة الغامضة والمعقدة التى اكتنفت انهيار مملكة مروي، ما زال من المستحيل توضيح ما حدث بالفعل. من الظاهر أن النوبة السود هم من ثاروا، وهاجموا الشعوب المجاورة بما في ذلك النوبة الحمر وقاموا بالاستيلاء على بعض مدن مملكة كوش وبنفس القدر تم تدمير مدن مملكة كوش ولم ينج النوبة الحمر كذلك من هجمات جيوش اكسوم.
في خلال القرون القليلة التالية ظهرت ثلاثة ممالك مسيحية من حطام مملكة كوش. المملكة الأولي هي نبته (Nobatia) في بلاد النوبيين السفلي، وهناك شك بأن نبتة تم تأسيسها بواسطة النوباتيين (Nobatae) الذين أشار اليهم بروكوبيوس. المملكة الثانية وهي المقرة (Makuria) الكائنة بين الشلال الثالث ومنطقة ما تقع بين الشلالين الخامس والسادس والمعروفة كذلك باسم عاصمتها دنقلا التى ربما تطورت من الجزء المتبقي من مملكة كوش الذى استولى عليه النوبة السود. والمملكة الثالثة هي مملكة علوة (Alodia) التى تقع جنوب المقرة وربما كانت تمثل الجزء المتبقي من مملكة كوش. تحول ملوك هذا الممالك إلى النصرانية بواسطة المبشرين من مختلف الطوائف المسيحية.
تم ضم مملكة نبتة إلى مملكة المقرة في حوالى القرن السابع الميلادي ومن المحتمل قبل فتح المسلمين لمصر الذى بدأ في عام 639م. تقدم المسلمون باتجاه الجنوب وتم ايقافهم بجيش ملك المقرة الذى ابرموا معه الاتفاقية المعروفة باتفاقية البقط التى حافظ عليها الطرفان لفترة طويلة. وقد انهارت مملكة المقرة في القرن الرابع عشر الميلادي ومن ثم اعقبتها مملكة علوة التى استولت عليها قوات سلطنة الفونج الوليدة والقادمة من الجنوب.
لقد تم تلخيص مسألة أصل النوبة بواسطة العالم دي. أيه. ويلسبى (D. A. Welsby)، واستنتج العالم ويلسبي بعد مراجعة جميع المصادر المتاحة والمراجع الآثارية:
“في المصادر التاريخية لدينا مجموعة من الأسماء التى قد تشير إلى مجموعة معينة من الناس. من بين هذه الأسماء النوبة والنوباديين والأنوباديين والنوبة الحمر (Nubae, Nobades, Nobates, Annoubades, Noba, Nouba and Red Noba). إن دلالة هذه الأسماء غير واضحة وقد تكون أسماء مختلفة استخدمتها بشكل غير مضبوط مصادرنا: الأغريقية والرومانية والأكسومية والبيزنطية والعرب، لنفس المجموعة من الناس أو للإشارة إلى مجموعات فرعية أو للإشارة لمجموعات مختلفة من الناس. بكل تأكيد فإنه بالنظر للجانب الآثاري من الصعب علينا تمييز المجموعات الحضارية المختلفة لمضاهاة كل اسم، وفي نفس الوقت لا توجد حضارة معينة تغطي كل المنطقة التى سكنها هؤلاء الناس. إنهم أولئك الناس أو الشعوب التى انصهرت في الممالك النوبية الثلاثة التى ظهرت في القرن السادس الميلادي.
لقد تم الإفتراض بأن النوبيين تسللوا تدريجيا لمملكة كوش بموافقة أو بدون موافقة الحكام الكوشيين وأنه بضعف السلطة المركزية الكوشية تمكنوا من الاستيلاء على مراكز السلطة وإزاحة الطبقة الحاكمة الكوشية ومن المظاهر الأخرى لإنتشار شهرتهم هو الظهور المفاجئ لأعمال الخزف التقليدية (traditional hand-made ceramics) المصنوعة يدوياً بواسطتهم، من جانب، واندثار أعمال الفخار (the finer Kushite pottery) الكوشية المتميزة وكذلك انهيار الدولة الكوشية وإندثار مؤسساتها الدينية والفنون والمعمار الكوشي والأدب في اللغة المروية من جانب آخر.
تضمن أحد النقوش الجدارية المكتوب باللغة الأغريقية في أحد جدران معبد ايزيس في فيلة في حوالي عام 537م النص التالي: “أنا، ثيودوسيوس (Theodosios)، النوبي” بما يقدم الدليل بأن الأسم المستخدم بواسطة النوبيين يصف انتماءهم العرقي 11.
3 – النوبيون على ضفاف النيل والنوبة في جبال النوبة
طبعاً من المثير أن نرسم خطاً من النيل باتجاه الجنوب الشرقي! ألا يكون من المستغرب نسبة النوبة لأسلاف سبقوا قدوم العرب؟ حسناً. جاء النوبة إلى ممالك النيل بعد زمن الفراعنة، لذلك ينبغي علينا أن ننسي كوش وحكم مصر! لكن هناك ثلاثة ممالك قديمة استمر حكمها تقريباً من عام 4000 الى 1600 قبل الميلاد. هل يكون ذلك سيئاً؟ ربما قد يكون!
حسناً، دعونا نبدأ: بالنسبة لمعظم قبائل النوبة لا توجد هناك علاقة مع النوبيين في ضفاف النيل. سواء بالمكتشفات الآثارية أو علاقة اللغة واللسانيات. قبائل النوبة الوحيدة التى يمكن ربطها بالنوبيين في ضفاف النيل هم قبائل النوبة الذين يتحدثون بلغات النوبيين. لأجل فهم المزيد من العلاقة بين المجموعتين علينا النظر في تصنيفات اللغات واللسانيات.
الفكرة الأساسية من وراء تصنيفات اللغات واللسانيات هو أن الناس الذين يتحدثون نفس اللغة يمكن أن يتفرقوا بعيداً وبعد ذلك تتطور اللغة بشكل مختلف في المجموعتين. هذا يؤدي بعد مرور مئات الأعوام إلى خلق لغتين مختلفتين. ينظر علماء اللغات واللسانيات إلى المفردات والقواعد والجوانب البنيوية لمختلف اللغات لأجل تصنيفها حسب إنتسابها وإرتباطها باللغات الأخرى. يستطيع علماء اللغات واللسانيات بمساعدة قوائم مفردات نمطية تحديد مستوى التقارب بين لغتين مرتبطتين أو متحدرتين من أصل واحد.
أقر الباحثون في القرن التاسع عشر بالفعل بالإرتباط والإنتساب اللغوي بين النوبيين في ضفاف النيل وبعض قبائل النوبة المقيمة في جبال النوبة وبعض المجموعات القبلية في دارفور 12. فهم جميعاً يتحدثون لغات النوبيين المصنفة بالفرع السوداني الشرقي (Eastern Sudanic) لعائلة اللغة النيلية/افريقيا جنوب الصحراء (Nilo-Saharan). لمدة طويلة كان السؤال المحير هو: هل جاء نوبة الجبال من النيل؟ أم هل جاء النوبيين الموجودين على ضفاف النيل من الغرب؟
بالرغم من فتح العرب لمصر وما استتبع ذلك من أسلمة، فقد احتفظ السكان على ضفاف النيل في بلاد النوبيين السفلي بلغتهم الأصلية المعروفة باللغة النوبية بالنسبة لعلماء اللغات واللسانيات. وبالارتباط الوثيق بلغة النوبيين هناك لغة الدناقلة التى يتحدثها السكان الموجودين على ضفاف النيل حول دنقلا في الوقت الحالي في السودان. من المحتمل أن تكون لغة النوبيين ولغة الدناقلة قد انفصلتا عن بعضهما البعض قبل حوالي 1100 عام – بزيادة أو نقصان قرن. لغة النوبيين ولغة الدناقلة وخاصة لغة النوبيين تعتبر من بقايا لغة النوبيين القدامي التى كان يتحدث بها السكان في الممالك المسيحية: نبته، ودنقلا والمقرة.
كل من لغة النوبيين ولغة الدناقلة لها ارتباط بلغات بعض قبائل نوبة جبال النوبة وبعض قبائل دارفور. إن القبائل التى تتحدث لغة النوبيين في جبال النوبة تشمل: قبيلة الدلنج والكدرو والغلفان ووالي والكارجو وهبيلا ودبيري وبعض قبائل الجبال الغربية مثل الطباق وأبو جنوك 13. بالنظر للإنتشار والتوزيع الجغرافي لهذه القبائل يمكنك أن تتصور أن بعضاً من هذه القبائل جاء من الشمال الشرقي والبعض الآخر دخل جبال النوبة من ناحية الكدرو وبعضها انتقل ناحية الغرب حول جبال النيمنق.
هذا ينسجم تماماً مع الأحداث التى جرت في القرن الثالث عشر الميلادي. بعد عدة قرون من الاستقرار تم طرد قبائل البدو العربية من جنوب مصر باتجاه الجنوب بواسطة المماليك 14 وكانت هذه القبائل البدوية العربية قد بدأت غزو مملكة المقرة. وفي الشرق كان البجا يهاجمون مصر وقرر المماليك أنه إذا لم تقم مملكة المقرة بمراقبة تحركات البجا فقد حان الوقت ليأخذوا الأمور بأنفسهم. عم المنطقة عدم الإستقرار ويمكننا أن نتصور أن الناس بدأوا يفرون من مملكة المقرة باتجاه الجنوب حتى وجدوا الملاذ في جبال النوبة. أليس هذا الإفتراض معقولاً؟
حسنأً – دعونا نزيد القصة الطويلة طولاً: دليل علم اللغات واللسانيات يخالف ذلك. إلى جانب لغة النوبيين ولغة الدناقلة ولغة بعض نوبة الجبال الذين يتحدثون اللغة النوبية هناك مجموعتان أخريتان تتحدثان اللغة النوبية: البرقد والميدوب، الموجودين في أقصي الغرب والمنتشرين في دارفور (تم استئصال الميدوب في الوقت الراهن). بجمع البيانات عن مختلف اللغات النوبية، استنتج العالم جيه. اتش. جرينبيرج (J.H. Greenberg): “بالإفتراض بأنه حدث افتراق بين لغة نوبة الجبال الذين يتحدثون اللغة النوبية ولغة النوبيين على ضفاف النيل قبل ما يزيد عن 2,500 عام من الآن – قد يكون افتراضاً غير صحيح” 15.
بالطبع لا يمكننا تجاهل رابطة إنتساب جميلة مثل هذه الرابطة بكل سهولة. لقد لاحظ العالم سي. هيرتزوج (C. Herzog) أن بعض قبال نوبة الجبال التي تتحدث اللغة النوبية لها مفرادت مسيحية لأيام الأسبوع والبعض الآخر استعار كلمات كذلك: على كل، فإن النوبة في كردفان جاءوا من النيل” 16. لكن العالم آر. ثلوال (R. Thelwall) لم ينبهر بهذا الإفتراض.
“نحن على ثقة تامة بأن النوبيين (ولاحقاً الدناقلة) جاءوا إلى النيل من مركز انتشار في كردفان- دارفور كانوا قد أقاموا فيه وسيطروا عليه لما يقارب 4,000 عام. ونحن نعلم أنه كان يوجد هناك من يتحدث اللغة النوبية على ضفاف النيل على الأقل قبل خمسة قرون أو أكثر من ذلك. وحقيقة أن لغة بعض قبائل نوبة الجبال تتضمن مفرادات لأيام الأسبوع ترجع لعصرالممالك النوبية المسيحية يشير إلى أن هذه اللغات كانت على اتصال على الأقل خلال حقبة الممالك النوبية المسيحية والتى من المحتمل أنها تغطي الفترة من عام 500م وحتى عام 1400م. لا يعني هذا بالضرورة أن قبائل نوبة الجبال التى تتحدث اللغة النوبية لم تقم بأكثر من الإنتقال من منطقة كردفان الوسطي إلى جبال النوبة خلال حقبة الهيمنة السياسية النوبية من أسوان وحتي كوستي (على الأقل). لكن بالنظر إلى موقع قبائل جبال النوبة التى تتحدث اللغة النوبية (جبل الدائر، والدلنج وكارجو وغيرها) على طول الجانب الشمالي الشرقي للجبال يبدو أنهم كانوا “وافدين” أقاموا وسط قبائل النوبة التى كانت متواجدة فعلاً: مجموعات النيما والتميان التي كانت متواجدة في الجبال قبلهم 17.
قد يبدو الأمر استنتاج صادم لبعض نوبة الجبال ولكن لا يوجد الآن عالم يجادل بأن النوبة في الجبال متحدرين من الممالك النوبية القديمة. دعونا الآن من مناقشة مسألة النوبيين فهناك المزيد الذى سنكتشفه.
ج – أصول نوبة الجبال
1 – ” لقد عشنا دوماً هنا”
إذن إذا لم يأتي نوبة الجبال من ضفاف النيل فمن أين جاءوا؟ هل أقول فقط أنه ليس لدى فكرة من أين جاء النوبة؟ لن يكون ذلك بعيداً من الحقيقة عندما صاغها العالم الدكتور اس. اف. نادل بهذا الشكل:
“نحن نعلم القليل عن التاريخ القديم لقبائل جبال النوبة […] يبدو دائماً كما لو أن أحداث التاريخ قد انقطعت تماماً بتجربة الدولة المهدية المتسلطة (1881-1898م) التى قطعت جميع الروابط مع التاريخ […] الماضي الأكثر قدما. في بعض القبائل فإن أحداث التحركات القديمة أو أماكن الإستيطان القديمة يتم تلخيصها بجملة واحدة: “لقد عشنا دوماً هنا”. بعض القبائل الأخرى لديها الكثير من الوقائع التاريخية المحددة والأحداث الأكثر اشراقاً التى يمكن دعمها بالأدلة الموضوعية […] لكنها لا تسلط الضوء على مسألة الموطن الأصلي لقبائل النوبة ولا تقدم أية معلومات فيما يتصل بزمان وكيفية صيرروة جبال النوبة موطناً لمجموعات سكانية كبيرة ومتنوعة 18.
بكل بساطة لا توجد هناك مصادر مكتوبة أو مكتشفات آثارية يمكن أن تسلط مزيداً من الضوء في كيفية أن التجوال والهجرة والترحال جمع قبائل النوبة المختلفة في موطنها الحالي. في الإستعراض التالي سنرى – بالنظر للمجموعات التى وصلت مؤخراً (خلال الألفية أو الألفيتين الأخيرتين) – أننا لدينا فكرة على الأقل فيما يتعلق من أين هاجروا ولكن لزمن أبعد من ذلك: لا شئ.
2 – تصنيف لغات نوبة الجبال
الأبحاث الآثارية المنتظمة ربما تسلط مزيداً من الضوء على أصل قبائل النوبة ولكن يجب علينا في الوقت الراهن التركيز على مكتشفات علم اللغات واللسانيات. إن علم اللغات واللسانيات مجال معقد جداً وللأمانة هو غير جذاب ولكن على كل حال هو كل ما لدينا. لذلك نحن في المقام الأول سنبحث في تصنيف لغات نوبة الجبال المختلفة ومن ثم نتناول مسألة مَن جاء أولاً للجبال ومتي؟
يمكن تصنيف لغات نوبة الجبال إلى عائلتين أو ربما ثلاثة عائلات لغوية: عائلة اللغات النيلية/أفريقيا جنوب الصحراء (Nilo-Saharan) وعائلة اللغات الكردفانية (Kordofanian).
أ – عائلة اللغات الكردفانية: تشمل أربعة مجموعات تسكن في المناطق الجنوبية والشرقية من جبال النوبة: هيبان، تلودي، رشاد وكتالا. تعتبر اللغات الكردفانية فرعاً من عائلة لغات النيجر/الكونغو والتى تشمل جميع لغات البانتو وبشكل عام معظم اللغات التى يتحدث بها سكان أفريقيا جنوب الصحراء. الشئ الوحيد هو أن اللغات الكردفانية لا تشبه أي من لغات النيجر/الكونغو، وهي تشمل مجموعة لغات مرتبطة بها فقط ومحصورة جغرافياً ومنعزلة كذلك. بعبارة أخرى، ليس لدينا دليل في كيفية وصول قبائل النوبة التى تتحدث اللغات الكردفانية إلى جبال النوبة.
ب – عائلة لغات كادوقلي: وهي لغة القبائل التى تسكن جنوب شرق والمنطقة القريبة من مدينة كادقلي. وقد تم تصنيفها سابقاً ضمن عائلة اللغات الكردفانية ولكن في الوقت الحالي تم اعتبارها جزء من عائلة اللغات النيلية/أفريقيا جنوب الصحراء. وهذه عائلة أخرى كبرى: لغة الدينكا ولغة النوير هي من عائلة اللغات النيلية/ أفريقيا جنوب الصحراء وكذلك العديد من لغات قبائل تشاد والكونغو والعديد من اللغات المتحدث بها في نيجيريا.
ج – لغات بقية قبائل النوبة: تم تصنيفها كجزء من مجموعة رئيسية فرعية لعائلة اللغات النيلية/ أفريقيا جنوب الصحراء والمسماة اللغات السودانية الشرقية. وهذه اللغات تشمل لغة قبائل الداجو والتيمن والنيمنق. تتواجد قبائل النوبة التى تتحدث مجموعة اللغات السودانية الشرقية في المناطق الشمالية الغربية من جبال النوبة.
3 – إستيطان قبائل النوبة في الجبال بحسب التصنيف اللغوي:
كما رأينا سابقاً في مسألة المتحدثين باللغة النوبية أن التغيرات والتحولات في اللغات ذات الإرتباط والانتساب يمكن أن توضح لنا شيئاً فيما يتصل بزمان إنفصال وافتراق المتحدثين بتلك اللغات في الزمن القديم لتمضى كل مجموعة في طريقها. للأسف هذا ليس الأمر بالضبط كما أوضح لى العالم روبن ثلوال (Robin Thellwall):
“إعادة البناء اللغوي تعتمد بحد أدني على البعد الزماني للإنفصال اللغوي ويتم تفسيرها بإطار زمني تخميني وموضوعي (تاريخ اللغات). هذا الإطار الزمني يكون في شكل نموذج (model) مؤقت ونسبي يتم اختباره بمضاهاة الدلائل الأخرى (الدلائل الآثارية والعادات والأعراف والتقاليد والموروثات الشفاهية وفصائل الدم وتاريخ الطقس والمناخ والمصطلحات الزراعية ومصطلحات تربية الحيوان …الخ). هذا النموذج لم يطبق بالنسبة للغات قبائل النوبة التى تتحدث باللغة النوبية” 19.
على أية حال، فيما يتصل بـ”إستطيان قبائل النوبة بحسب التصنيف اللغوي” فقد قام العالمان آر. ثلوال (R. Thelwall) وتي. سي. شادبيرج (T. C. Schadeberg) 20 بتحليل جميع المعلومات المتاحة في لغات النوبة وتوصلا للافتراضات التالية بخصوص التاريخ النسبي لاستيطان قبائل النوبة في جبال النوبة حسب التصنيف اللغوي:
1. القبائل التى تتحدث اللغات الكردفانية جاءوا قبل جميع القبائل الأخرى.
2. مجموعة النيمق والتيمن والقبائل التى تتحدث لغة كادوقلي جاءوا بعدهم.
3. القبائل المتحدثة بلغة الداجو في الشات وليقوري جاءوا بعدهم.
4. قبائل النوبة التى تتحدث اللغة النوبية من المحتمل أنهم جاءوا في الفترة بين القرن الخامس والرابع عشر ميلادي.
5. القبائل المتحدثة بلغة الداجو والمقيمين حول مدينة لقاوة الذين استوطنوا هناك مؤخراً نسبياً.
4 – عائلة اللغات الكردفانية:
هيبان وكاتلا ورشاد وتلودي هي الأسماء الحالية لمختلف مجموعات اللغات الكردفانية التى تغطي النصف الشرقي من جبال النوبة وجزء كبير من وسط الجبال. في نطاق هذه المجموعة اللغوية ازداد الإختلاف بشكل كبير بينها مقارنة مع مجموعات لغات النوبة الأخرى. طبقاً لما أورده روبن ثلوال فإن: “هذه العائلة لديها تاريخ يمتد على الأقل 6,000 عام” 21. هذا يعني أنه ينبغي عليك أن ترجع 6,000 عام في الزمان لتجد قبائل النوبة المتحدثة باللغات الكردفانية الذين كانوا يتحدثون نفس اللغة. تم تصنيف عائلة اللغات الكردفانية مع عائلة لغات النيجر/الكونغو، وإن أقرب مجموعة سكان تتحدث لغات النيجر/الكونغو توجد في الحدود بين السودان وجنوب تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطي وفي جمهورية الكونغو. إن العلاقة بين عائلة اللغات الكردفانية وبقية عائلة لغات النيجر/الكونغو غير واضحة. فيما يلى التقسيمات الفرعية الحالية لعائلة اللغات الكردفانية:
أ – لغة هيبان ويتم التحدث بها في منطقة كبيرة مركزها الجغرافي مدينة هيبان. ويمكن تقسيمها إلى قسم شرقي يضم قبيلة كاو وقبيلة ورني في الجنوب الشرقي وقسم مركزي يضم قبيلة الكواليب وقبيلة لارو وقبيلة هيبان وقبيلة أتورو وقبيلة الشواي وقبيلة اللوقول وقسم غربي يضم قبيلة المورو وقبيلة التيرا. بالنسبة لهذه القبائل لا تحتفظ الذاكرة الجمعية لها بمعلومات تاريخية كافية حول أصولها. ونحن نعرف أن قبيلة كاو التى اشتهرت من خلال صور المصورة ليني رايفنشتال (Leni Riefenstahl)، كانت تعيش في موقعها الحالي لما يقارب 200 عام على الأقل طبقاً لما أورده العالم جيه. سي. فاريز (J. C. Faris) الذى قال:
“توثق العادات والأعراف والتقاليد والمورثات الشفهية أنهم جاءوا لهذا المكان قبل هجرات العرب الأولى إلى هذه المنطقة (حوالي 1800، راجع كنيسون (Cunnison) 1966-3)، وتشير المخلفات السطحية للمساكن والأنساب والانفصال اللغوي من عائلة لغة الكواليب/المورو إلى مدة زمنية أكبر” 22.
ولكن ماذا يعني هذا؟ قد يكون ذلك قبل 500 عام أو 2,000 عام … نحن لا ندري.
لدى قبيلة تيرا معرفة بالمكان الذى جاءوا منه وموطنهم الأصلى الذى جاءوا منه يقع في جبال النوبة وأن الإطار الزمني فيما يتعلق بمجيئهم محدود:
“طبقاً لمورثاتهم: جاءت قبيلة تيرا […] من مكان يسمي ريلة يقال بأنه يقع بين شيبون وكادقلي […] وتركوه لأسباب مجهولة للاقامة في جبل تومبورو الكائن في سلسلة جبال مورو. هذا الإدعاء تم تأكيده بواسطة قبيلة المورو التى ما تزال تتذكر بأن قبيلة تيرا كانت تقيم في جبل تومبورو […] عندما استوطن المورو لأول مرة […] في تلك المنطقة. عندما تم طرد قبيلة تيرا بواسطة العرب من جبل تومبورو، هاجرت مجموعة قليلة من قبيلة تيرا نحو الشرق لتستوطن في منطقة تيرا الليمون وهاجرت بقية قبيلة تيرا لمنطقة تيرا الخدار وهذه الهجرة الأخيرة شملت ثلاث أجيال مضت […] عندما وصل آباء وأجداد الجيل الحالي في منطقة تيرا وجدوا هناك بالفعل ثلاثة بطون من قبيلة تيرا كانت تعيش وتتحدث بلغة المهاجرين الجدد ويتمتعون بنفس الثقافة” 23.
فيما يتعلق بقبيلة تيرا، من المستحسن ذكر القصة التى رواها العالم اس. سي. دون (S. C. Dunn)، الذى كان يقوم بأبحاث متصلة بممارسات غسل الذهب في جبال النوبة والذى كتب بأن الذهب يوجد بشكل أساسي في تيرا مندى مع وجود بعض الرواسب بكميات صغيرة في منطقة دونقور وأتورو. وقد ذهب العالم دون كذلك إلى منطقة شيبون التى كانت تُعتقد بشكل عام بأنها الموقع الذى يستخرج منه الذهب.
“[في جبل شاوي] وصف لي الشيخ ناصر وابنه وبعض كبار السن […] بشكل تقريبي موقع حُفر الذهب في شيبون […] وتم تزويدى بشيخ من النوبة كان يعرف ويعمل في منطقة شيبون ليكون مرشداً لي ومن ثم غادرت إلى منطقة شيبون. خلال ستة ساعات من التسلق في مجموعة جبال صغيرة […] تم إرشادى لحفرة صغيرة في جانب الجبل يتم منها استخراج بعض الصلصال الأبيض الناعم وتم إرشادي إلى بركة مياه أمطار قديمة وكذلك تم إرشادي لمواقع قرى قديمة وبعض التلال المكونة من ركام الجبال. ومن ثم قلت: في اعتقادي لم يكن هناك أبداً ذهب أو غسل ذهب في منطقة شيبون، وقال رجل الشرطة الذى كان يرافقني هذا بالضبط ما قاله الشوابنة له سراً أول من أمس. [لم يخبرني أحد بذلك بسبب] أنهم يعتقدون بأنني سوف أزعل” 24.
صارت شيبون السوق الرئيسي الذى يتم فيه بيع الذهب المستخرج من تيرا مندى.
لقبيلة المورو معرفة محدودة بتاريخهم:
كان الموطن القديم لقبيلة المورو هو جبل ليبو في سلسلة الجبال الغربية (لمنطقة المورو). وبازدياد تعدادها انقسمت القبيلة […] إلى مجموعة ظلت في ليبو ومجموعة أخرى هاجرت إلى الطرف الشمالى من سلسلة الجبال […] وهاجرت المجموعة الثالثة إلى أم دورين. في ذلك الوقت كانت المنطقة الشرقية من سلسلة الجبال خالية من السكان. قبل ثلاثة أو أربعة أجيال مضت بدأ المورو في الاستيطان هناك […]. هذه الهجرة اقتضاها تزايد عدد افراد القبيلة والبحث عن أرض جديدة محمية بشكل افضل من المهاجمين العرب 25.
لدى الكواليب تقاليد ومورثات تقول بأن:
“كواليب الشمال عاشوا في الأصل في منطقة كرتالة إلى جانب قبيلة تسمي نيمو. أدى ضغط التدفقات العربية إلى هجرة قبيلة نيمو إلى جبل الداير وبعض مجموعات قبيلة الكواليب إلى موطنها الحالي” 26.
كتب سايمون هارجين (Simon Harragin) في كتابه (2003 Land Study) أن:
“هناك دليل تارخي بأن قبيلة الكواليب كانت تقيم في السهول التى في أقصى غرب موطنهم الحالي (Sagar, 1922: 138) 27. بالاشتراك مع النيمنق قام الكواليب باستيطان المنطقة التى حول الدلنج قبل قبيلة الغلفان وشكلت قبيلة الكدرو حاجزاً بينهم […]. على أية حال، يستند الدليل التاريخي على رواية شفهية” 28.
ب – لغة كاتلا: وتشمل كل من لغة قبيلة كاتلا وقبيلة تيما ويتم التحدث بها في الجبال التى تقع جنوب غرب الدلنج وأنا لم أجد أية مصادر مرتبطة بتحديد أصلهم.
ج – لغة رشاد: يمكن تقسيمها إلى ثلاثة لغات: لغة تقلي ويتحدث بها في جبال تقلي وجبال رشاد ومدينة رشاد، و لغة تاقوي ويتحدث بها في تاقوي وموريب وتونمالي ولغة تنقال ويتحدث بها كذلك في جبال تقلي.
نوبة مملكة تقلي هم الوحيدون الذين لديهم تاريخ موثق يرجع إلى ما قبل القرن التاسع عشر. وهذا التاريخ لا يقدم أي لمحات أو إشارات فيما يتصل بأصولهم. والروايات التى تحكي عن تأسيس المملكة تتحدث عن وافد حكيم جاء إلى تقلي وبدأ بتكوين سلالة – وهذه رواية شائعة في المورثات السودانية 29. في الفصل الثاني سأرجع مجدداً لمملكة تقلي.
د – لغة تلودي: وهي مجموعة لغات توجد بشكل أساسي في الجزء الجنوبي من الجبال. يمكن تقسمها الى لغة اللافوفا في وسط سلسلة جبال الليري وبعض الجبال المجاورة ولغة منطقة تلودي الكبرى التى يمكن تقسيمها إلى أربعة مجموعات: لغة تلودي ويتم التحدث بها في مدينة تلودي وفي جبل تلودي، ولغة الليري ويتحدث بها في سلسلة جبال الليري الجنوبية، ولغة المساكين مع الدجيك والنجيل كلغتين منفصلتين ويتحدث بها في جبال المساكين وفي بُرام والريكة واللوكة وأخيراً لغة التوشو ويمكن تقسمها إلى لغة الاشيرون و لغة الليمون و لغة التوشو.
أولى قبائل النوبة التى اشتهرت بسبب كتاب فريد قامت بتأليفة السيدة ليني رايفنشتال (Leni Riefenstahl) هي قبيلة المساكين القصار كما أسمتهم. أقامت السيدة رايفنشتال مع قبيلة المساكين في عدة مناسبات ولعدة أسابيع أو عدة شهور ولكن يبدو أنها لم تستفسر عن أصولهم. بالنسبة لها قبيلة المساكين: (Menschen wie von einem anderen Stern) “أناس جاءوا من كوكب آخر”. وبالطبع وبشعور حقيقي “نحن لا نعرف من أين جاءت قبيلة المساكين مثلما إننا لانعرف كذلك من أين جاء النوبة من مجموعة تلودي”.
5 – لغة النيمنق والتيمن وكادوقلي:
هذه المجموعة المكونة من ثلاثة لغات هي مجموعة فريدة وهي تشبه مجموعة اللغات الكردفانية في حقيقة أنه يتم التحدث بها فقط في جبال النوبة. بالحكم على التنوع اللغوي الداخلي الكبير في نطاق كل مجموعة ربما تواجدت قبيلة النيمنق والتيمن وكادقلي في جبال النوبة لاكثر من 2000 عام 30. ويبدوا أنهم جاءوا إلى جبال النوبة في ظروف صعبة وبتحركات مجموعات كبيرة لا يوجد بينها اتصال. وبحسب كلمات ثلوال (Thellwal) وشادبيرج (Schadeberg):
“هذه المجموعات الثلاثة تتميز بتوزيع كثيف على نطاق جبال النوبة حيث تتواجد مجموعة لغة كادوقلي في الأطراف الجنوبية الغربية للجبال وتتواجد مجموعة لغات التيمن في الغرب بينما تتواجد مجموعة لغات النيمنق في الشمال وهذا يشير إلى موطن خارجي وهجرة من هذه الاتجاهات. وبافتراض أن التنوع الداخلي المتساوي ينسجم مع استيطان في إطار زمني متسق يمكننا أن نقول أن معطيات هذا الإطار الزمني التى كانت سائدة في جبال النوبة أدت إلى تشتت السكان وتقليل التواصل بين المجموعات وحيث أنه من المحتمل أن هذه المعطيات انبثقت من خارج منطقة الاستيطان يمكننا التوقع بأن الهجرة إلى جبال النوبة والتنوع حدثا في زمان قريب 31.
لا يوجد هناك شئ فريد يمكن أن نقوله فيما يتعلق بأصل كل مجموعة ولكن على أية حال دعونا نتناول كل مجموعة على حده:
أ – لغة النيمنق: وتتحدث بها القبائل التى تعيش في جبال النيمنق السبعة: سالارا وتندية وكرمتي ونتل وفاسو وكلارا وكاكارا. كما تتحدث بها كذلك القبائل المتواجدة في جبال المندال وسوبي. وتتحدث بها كذلك قبائل الأفيتي البعيدة نسبيا والتى تسكن في جبل الدائر. يسمي النيمنق أنفسهم “شعب الأما ” أو شعب الجبال السبعة (ama mede kolat). ولا يعرف إلا القليل عن أصلهم ولكن أورد العالم أس. أف. نادل بأن القبيلة:
“هاجرت من منطقة (في الغرب) فيما وراء “تيما وأبو جنوك” والتى تسمي كوجايا” (Kugya). وعند العالم آر. سي. استيفنسن كوجا (Kwuja) أو كويجا (Kwija) والتى يمكن أن تكون كوبجا (Kubja) 32. وطبقاً لما أورده استيفنسن أن النيمنق:
“يقولون أنهم استوطنوا أول مرة في الجبال الشرقية من سلسلة جبال النيمنق في منطقة الأضية: منطقة نتيل وكرمتي وفاسو التى وجدوها غير مسكونة ومؤخراً هاجروا بإتجاه الغرب إلى تندية وسالارا. وفي سالارا إدعوا بأنهم وجدوا قبيلة [كونيت] (إحدى قبائل الجبال التى تتحدث اللغة النوبية) وطردوهم باتجاه الشمال بعد صراع عنيف” 33.
الطريقة التى تحيط بها قبائل النوبة التى تتحدث اللغة النوبية بقبيلة النيمينق تجعل هذا السيناريو غير معقول. ويقول العالم استيفنسن أنه من المحتمل أن قبيلة النيمنق استوطنت منطقة كبيرة، تمتد حتى الدلنج إلى حين وصول قبائل النوبة التى تتحدث اللغة النوبية.
ب – لغة التيمن: وتتحدث بها القبائل التى تعيش في جبال التيمن (شمال جلود) وقبيلة كيجا وقبيلة تيسي اللتان تسكنان في كيجا جيرو (غرب دبري) وتيسي أم طنب (شمال شرق كادوقلي) على التوالي. ليس هناك ما يمكن قوله عن قبيلة التيمن سوى أنه:
“يدعى سكان كيجا جيرو أنهم هاجروا من جبال التيمن في “زمن سحيق”، وإن هذه الإدعاء يدعمه موروث قبيلة التيمن الذى يقول أن كل من قبيلة كيجا جيرو وتيسي أم طنب هاجروا في زمن المجاعة” 34.
ج – لغة كادوقلي: كاسم عام هو لا يشمل مجموعة كبيرة من اللغات ذات العلاقة والمصنفة ضمن هذه المجموعة. في العادة تذكر كادوقلي مع كاتشا وميري، لأنها مرتبطة بشكل وثيق حيث يمكن اعتبارها لهجات وليس لغات مستقلة. وهناك العديد من لغات قبائل النوبة تم تصنيفها مع لغة كادوقلي/ميري/كاتشا وهي لغات توليشي وكانجا وكيجا وكورونقو وتومتم. إنها لغات مرتبطة ببعضها البعض بشكل واضح وبلغة كادوقلي/ميري/كاتشا ولم يتم تحديد إنتسابها الفعلي ويصفها آر. سي. استيفنسن بلغة مجموعة كادوقلي/الكونغو:
[“المنطقة التى تغطيها هذه المجموعة كبيرة جداً: وهي تمتد على طول الجنوب الغربي، وحدودها تقع في توليشي في الغرب و كوروندي في الجنوب الشرقي]. وأهم سلاسلها الجبلية هي جبال ميري وجبال كادوقلي وجبال كورونقو وقد تم تسمية المجموعة على اثنين منها 35. في الأبحاث والمطبوعات الحديثة تمت الإشارة لهذه المجموعة بمجموعة لغات كادو، وساستخدم هذا المصطلح لسهولة المرجع. وتشمل اللغات السائدة في المنطقة من الشمال الغربي وحتي الجنوب الشرقي اللغات التالية:
لغة توليشي: ويتحدث بها حول جبل توليشي ولاقاوة وكمادانق ودار الكبيرة.
لغة كيجا: ويتحدث بها في جبل دميك (شمال ميري): امبونق ولوبونق وتومورو.
لغة ميري: ويتحدث بها في ميري بار وميري جوه ولوبا وغيرها، وجميعها تقع غرب كادوقلي.
لغة كادوقلي: ويتحدث بها في مدينة كادوقلي والقرى المحيطة بها.
لغة كاتشا: ويتحدث بها في قرى كاتشا وتونا وكافينا ودبكايا (دونقا) وبلانيا وفاروك. وهي على مسافة قريبة من جنوب كادوقلي وجنوب شرق جبال ميري.
لغة كانجا: ويتحدث بها في أبو سنون و جيرورو/كورسي وكانجا وكوفا ليما وكرونقو عبدالله.
لغة كرونقو: ويتحدث بها في المناطق الجنوبية في تبانيا وتروجي ودار وانقولو وفي داماقوتو وديمادراقو وديمودونقو وفي فاما وتيس وكوا.
لغة تومتم: ويتحدث بها في جبل الليري: في كاروندي وتالاسا وتومتم.
لا يوجد هناك الكثير الذى يمكن قوله عن أصول القبائل التى تتحدث أحدى لغات كادو: لا أحد يعرف من أين جاءوا. الارتباط والانتساب اللغوي والثقافي بين مختلف القبائل واضح بشكل تام. يقول العالم جي. باومان (G. Baumann)، الذى قضى 18 شهراً بين قبيلة ميري وهو يجري أبحاثه:
” تشكل قبيلة ميري وحدة ثقافية ولغوية كبرى مثل مجموعة كادوقلي/كرونجو. […]. أكدت لي رحلاتي الخاصة في منطقة كادوقلي/كرونقو انطباع متكرر عن موروث ثقافي عام لايشمل فقط الإرتباط اللغوي بل يشمل المؤسسات والعادات والمفاهيم والأحاسيس المشتركة. صحيح أن أي مجتمع من مجتمعات مجموعة كادوقلي/كرونقو مضى في طريقه بشكل خاص في عمليات تغيير خلال السنوات الأخيرة، لكن التنوع الثقافي الأخير لم يستطع حتى الآن حجب أو إلغاء الموروث الثقافي للمجموعات المتجاورة” 36.
عادة ما يتم الاعتراف بالعلاقات بين القبائل نفسها كما توجد هناك أساطير عن الأصل لكن فيما يتصل فقط بالتحركات على نطاق جبال النوبة. أورد العالم الدكتور اس. أف. نادل على سبيل المثال أن قبيلة الكورنقو:
“تدعي أن لها ارتباط ثقافي ولغوي مع […] قبيلة تومتم في جبل تلودي وقبيلة ديري في جبل الليري وثلاثة مجموعات صغيرة في الغرب: تيش وفاما وشات صافية […] لقد تأكدتُ من صحة ذلك في تلودي وتيش وفاما. لكن قبيلة الشات، بحسب ما إكتشفت، لديهم لغة مختلفة كما أنهم جميعاً من مجموعة عرقية مختلفة. وتزعم قبيلة الكورنقو أن هذا الإرث الثقافي يرجع للأصل المشترك للمجموعات المشتتة الآن بشكل كبير. وطبقا لموروث قبيلة الكورونقو فإن جبل تابولي وهو سلسلة جبلية تقع شرق كورونقو وغير المسكون حالياً كان الموطن القديم لهذه المجموعات المختلفة 37.
تدعى قبيلة توليشي، باعتقاد راسخ، بأنهم عاشوا على “الدوام” في جبالهم، غير متأثرين بالهجرات […]. وإن قبيلة توليشي تدرك تماماً إرتباطها بقبيلة كامدانق وقبيلة تروجي ولكنه ليس لها موروث عن أصلها أو الهجرات السابقة التى قد تفسر العلاقة القبلية. لكنه لديهم موروث فيما يتصل بقبيلة ميري (وكذلك جبل داميك وكيجا) حيث يزعمون بأنه لديهم لغة عامة أو متشابهة بشكل كبير وبطون قبلية مشتركة. [لقد عاشوا معاً جميعاً في وقت من الأوقات ولكنهم افترقوا بعد نزاع]. ويمكن أن نضيف أن قبيلة ميري تقاسم القبيلتين أعراف وموروث يوضح العلاقة القديمة معهما 38.
تم تأكيد ذلك بواسطة العالم جي. باومان الذى أورد:
“بأنه دائماً يتم استدعاء العلاقة الإسطورية مع توليشي […]: “سابقاً عاشت قبيلة توليشي هنا على قمة جبل يسمي أقيول. [لقد قاموا بعمل شئ خاطئ]. لذلك فهم هاجروا لموطنهم الحالي” 39.
وهذا كل ما يتصل بلغات النوبة التى يتحدث بها النيمنق والتيمن وكادوقلي.
6 – قبائل نوبة الجبال التى تتحدث اللغة النوبية:
كما تم مناقشة هذا الأمر مطولاً فيما سبق، فإنه من المحتمل أن قبائل نوبة الجبال التى تتحدث اللغة النوبية جاءت إلى جبال النوبة قبل عام 1400م. وتم تصنيف مختلف لغات هذه القبائل على النحو التالي:
لغة الغلفان والكدرو: يتم تصنيف هاتين اللغتين كمجموعة واحدة. ويتم التحدث بلغة الغلفان في منطقة غلفان الكُرجل وغلفان المورونج، ويتم التحدث بلغة الكدرو في مناطق جبال الكدرو والكرورو والكافير وكرتالا والدباتنة وكادقلي.
لغة قبيلة الدلنج: يتحدث بها في مدينة الدلنج والقرى المحيطة بها.
لغة قبيلة جبل الدائر: يتحدث بها في الأجزاء الغربية والجنوبية من جبل الدائر.
لغة قبيلة الكارجو: يتحدث بها في جبل الكارجو ودلمان وكذلك في منطقة أبو جنوك والطباق.
لغة قبيلة والى: يتحدث بها في منطقة جبال والي.
لم يذكر العالمان ثلوال وشادنبيرج الكثير فيما يتعلق بالضبط بكيفية وزمان هجرة قبائل نوبة الجبال التى تتحدث اللغة النوبية إلى الجنوب:
سواء حدثت الهجرة بسبب ضغوط تدفقات القبائل البدوية العربية، كما أورد آركل 40، أو حدث في تاريخ مبكر فالأمر غير واضح. التشابه النسبي للهجات قبائل جبال النوبة التى تتحدث اللغة النوبية لا ينبئ بوجود مجتمعات منعزلة تتحدث اللغة النوبية في هذه الجبال لعدة ألفيات (ألاف السنين) 41.
كما أورد آر. سي. استيفنسن من المحتمل أن الأمر كان تدريجياً:
“جاءت لغة النوبيين إلى شمال جبال النوبة بالتحركات القبلية المتسارعة بتدفقات القبائل العربية خلال القرون القليلة الماضية. في زمان الرحالة والمستكشف الألماني فيلهم روبل (Wilhelm Peter Eduard Simon Rüppell) – عشرينيات القرن الثامن عشر – كان يتم التحدث بهذه اللغة في السهول الواقعة جنوب الأبيض” 42.
أورد العالم الدكتور اس. اف. نادل أكثر الشروحات تفصيلاً لكيفية مجئ لغة النوبيين لجبال النوبة:
“لقد احتفظت قبيلة الوركا أو قبيلة الدلنج بموروث واضح جداً فيما يتصل بأصلهم وماضيهم القديم. هذا الموروث يوضح أن القبيلة كانت تعيش في منطقة عبد الباقي في منطقة الغديات تحت حكم سلاطين تلك المملكة. يقال أن أصل الغديات كان من الفونج وهم من ناحية عرقية لهم علاقة بالوركا. أجبرت هجمات بدو العرب اللاحقة الأخيرين للهجرة. في أول الأمر هاجروا إلى منطقة بوتي (الآن تسمي السنجكاية) ومن ثم إلى شرمة أو جبل التكوما (على بعد عشرة أميال شرق الدلنج). يقال أن الغديات في موطنهم القديم أصبحوا مثل العرب بينما أصبح الوركا “نوبة”. على اية حال، ظلت الرابطة القديمة باقية في الجانب السياسي، وما زالت قبيلة الدلنج تابعة لسلاطين منطقة عبد الباقي وما زالت تقر بسيادتهم الرمزية. تورد شجرة نسب زعماء قبيلة الدلنج أن عشرة من زعماءهم أقاموا بالفعل في الدلنج. لم تذكر علاقتهم ولكننا يمكن أن نفترض بأنها استمرت لفترة لا تقل أو من المحتمل أن تزيد عن 100عام.
تعرف قبيلة الدلنج روابطها الثقافية واللغوية مع قبيلة الكدرو وقبيلة الغلفان […] إن العرف والموروث الأكثر قبولاً يقول: أن قبيلة الكدرو كان تعيش مع قبيلة الوركا في منطقة الغديات ولكنهم افترقوا لاحقاً وأن مجموعة قبائل الغلفان تنحدر من الفونج ولكن موطنهم الأصلي غير معروف، وأن مجموعة صغيرة ومنعزلة لها ثقافة ولغة تشبه ثقافة ولغة قبيلة الدلنج تعيش الآن في جبل الطباق في غرب كردفان شاركت قبيلة الوركا في موطنهم القديم بجبل التكونا ولكنهم بعد ذلك هاجروا إلى موطنهم الحالي 43.
7 – القبائل التى تتحدث لغة الداجو:
جاءت القبائل التى تتحدث لغة الداجو إلى جبال النوبة من الغرب من مملكة الداجو التى لا نعرف عنها إلا القليل. استقرت مملكة الداجو ربما قبل عام 1200م في جبل مرة وهي سلسلة جبلية ترويها الأمطار في نطاق منطقة جافة. سيطر الداجو على المنطقة التى تقع بين جبل مرة والأطراف الغربية لجبال النوبة. لقد تم اجلاء قبيلة الداجو بواسطة التنجور في نهاية القرن الرابع عشر. تم تشتيت قبيلة الداجو بواسطة قبيلة التنجور ونجدهم الآن في جيوب (مناطق) معزولة على نطاق المنطقة الممتدة من تشاد وحتى السودان في أقاليم كردفان ودارفور ووداى.
لاتبدو الأمور من الناحية اللغوية معقدة: وباتباع تصنيف العالم آر. سي. استيفنسن 44 نستطيع التمييز بين الداجوالغربيين والداجو الشرقييين.
تعيش جميع قبائل الداجو التى تتحدث لغة الداجو الشرقيين في جبال النوبة. وهما قبيلة الشات في جبال الشات، التى تقع جنوب غرب كادوقلي (شات دمام وشات صافية وشات تبلدية)، واللقوري والصبوري في الجبال التى تقع شمال شرق مدينة كادوقلي.
قبائل الداجو التى تتحدث لغة الداجو الغربيين أكثر تشتتاً. ففي تشاد نجد قبيلة المونقو في دار الداجو وقبيلة سيلا في دار سيلا. وفي السودان نجد قبيلة نيالا حول مدينة نيالا في إقليم دارفور وقبيلة بيقو (اندثرت) في جنوب دارفور وقبيلة نيالجولجول في دولة جنوب السودان عند نهر سوبو. ومن ضمن قبائل الداجو التى تنتمي للداجو الغربيين قبائل الداجو التى تعيش قرب لقاوة وهذا يرجعنا لجبال النوبة.
بالنظر للمعطيات اللغوية فإن العالم روبن ثلوال مقتنع بأن لغات الداجو الشرقيين انفصلت عن اللغات الأخرى من زمن طويل ربما قبل أكثر من 2,000. لقد كانت قبائل الشات والليقوري متواجدة في جبال النوبة قبل فترة زمنية أطول من تواجدهم في لقاوة وبسبب الاختلاف اللغوى الكبير بين الشات والليقوري من المحتمل أن هجرتهم لجبال النوبة سبقت وصول ليس فقط قبائل الداجو التى تعيش في لقاوة بل كذلك وصول قبائل النوبة التى تتحدث اللغة النوبية في هذه المنطقة 45.
لذلك بالنظر للجانب اللغوي تبدو الأمور واضحة. أما بالنظر للجانب التأريخي فإن الأمور تبدو أكثر ضبابية. لا يوجد شك أنه قبل 250 سنة مضت كان يوجد هناك قبيلتين اثنتين: قبيلة الداجو وقبيلة الشات، تعيشان في منطقة المجلد غرب جبال النوبة. يقول المستر كيه. دي. دي. هندرسون (K. D. D. Henderson)، وهو أحد أوائل مديري المديريات (الولايات) البريطانيين المعينيين لمديرية غرب كردفان: “أن قبيلة الداجو وقبيلة الشات وصلتا هناك قادمتين من دارفور حوالى عام 1710م 46. وطبقاً لما أورده أيان كنسون (Ian Cunnison)، فقد تم إجلاء وطرد القبيلتين بعيدا بواسطة قبيلة المسيرية:
“عندما وصل (المسيرية الحمر) موطنهم الحالي وجدوا قبيلتين اثنتين وثنيتين: قبيلة الشات وقبيلة الداجو في المجلد (دينقا). ولذلك، قام المسيرية الحمر باجلاء وطرد القبيلتين من المنطقة. هربت قبيلة الشات بعيداً للجنوب حيث التقت بقبيلة دينكا نوك وتم طردهم بعيداً للغرب […]. وهربت قبيلة الداجو (للشرق) واستوطنوا بين قبائل النوبة 47.
يقول هندرسون إن المسيرية البقارة جاءوا إلى المجلد في غضون العقد الممتد من عام 1765 إلى 1775م 48، لذلك نحن لدينا مؤشر جيد جداً فيما يتصل بمجئ قبيلة الداجو إلى لاقاوة. لكن ماذا عن قبيلة الشات؟ لقد ذهبوا إلى الجنوب حتي التقوا بدينكا نوك وتم طردهم باتجاه الغرب!!!
رجاء، لا تجعل الاسم يشوش عليك، ليس هؤلاء بقبيلة الشات الموجودة في جبال النوبة. توضح موسوعة “الأنثروبولجيا الثقافية: لغات العالم”:
“تطلق قبيلة الشات على نفسها اسم “كانيق”. الشات اسم اطلقته القبائل الناطقة باللغة العربية على سكان الجبال، وهو يعني المشتتين ويطلق على مختلف الجماعات.هناك لهجتين متميزتين من لغة الشات وهى لهجة شات ثوري (Thuri) في مجموعة اللاو (Lwo) ولهجة شات موندو (Mundu) 49. تعيش المجموعتان الأخيرتان في دولة جنوب السودان وهذا يظهر بعض المنطق لكنه لا يفسر ما أورده واتكيس لويد (Watkiss Lloyd) أول مدير لمديرية (ولاية) كردفان:
“يقول السكان المحليين من قبيلة شات الصافية وشات الدمان بأنهم كانوا في السابق يحتلون جميع دار المسيرية الحمر وقد تم تأكيد ذلك بواسطة عرب المسيرية الحمر الذين يقولون أنه ما زالت هناك مستوطنات صغيرة لنفس القبيلة في مكان يسمي شات وهو على بعد أميال قليلة من حدودنا” 50.
يجب علينا أن نفترض بأن مدير المديرية تلقى معلوماته من الجهة (السكان المحليين) الخطأ. وماذا نفعل برواية العالم آر. سي. استيفنسن فيما يتصل بلهجة الداجو والشات بحسب ما استقاها من معلومات مدير المديرية كيه. دي. دي. هندرسون؟ ففي روايته أن الداجو والشات هاجروا إلى الشرق معاً ووصلوا إلى المجلد حوالى عام 1710م وتحركوا ببطء وتمهل باتجاه المنطقة التى تقع غرب لقاوة في العقود التالية. من هناك واصل البعض منهم المسير إلى الليقوري والصبوري بينما الآخرون (الشات) استوطنوا جنوب كادوقلي 51. استيفنسن عالم لغويات مرموق ومتميز ولكنه على أية حال لم يدرك أن الاختلاف بين الداجو والشات كبير جداً ليجئوا الى جبال النوبة معاً.
وهذا يوصلني الآن إلى نهاية البحث عن أصول النوبة. يمكن أن يقال إن النتائج عظيمة، أليس كذلك؟ (لكن الصراع بطولي). في الفصل القادم سأركز على سرد مزيد من الأحداث المهمة التى جرت في الفترة قبل المهدية.
الحواشي والمراجع
1. قام المؤلف باجراء المقابلة مع الراحل الأستاذ يوسف كوة في لندن – 12/13 فبراير 2001م
2. A.C. Stevenson: The Nuba People of Kordofan Province, 1984, pp. 3.
3. A.H. Keane already dismissed it in 1885: Ethnology of Egyptian Sudan; The Journal of the Anthropological Institute of Great Britain and Ireland, Vol. 14 (1885), pp. 101.
4. A. J. Arkell: A History of the Sudan to A.D. 1821, 1955.
5. S.F. Nadel: The Nuba, an anthropological study of the hill tribes in Kordofan, 1947, pp. 2.
6. Claudius Ptolemy: Geography IV, ch.7. The strangest thing is that he locates the Nubae east of the Nile while the
7. European maps invariably put Nubia to the west of the river.
8. Strabo: Geographica, book XVII;54
9. Strabo: Geographica, book XVII;2
10. Procopius: History of the Wars, c. 550 CE: Book I;19
11. Abbreviated text of the Ezana inscription
12. D. A. Welsby: The Medieval Kingdoms of Nubia, 2002.
A. H. Keane for example: opus cit.
13. R. C. Stevenson: The Nuba People of Kordofan Province, 1984
14. الدولة المملوكية أو السلطنة المملوكية أو دولة المماليك هي إحدى الدول الإسلامية التى قامت في مصر خلال أواخر العصر العباسي الثالث وامتدت حدودها لاحقاً لتشمل الشام والحجاز ودام ملكها منذ سقوط الدولية الأيوبية عام 648 هـ الموافق لعام 1250م إلى حين هزيمة المماليك بواسطة السلطان سليم في معركة الريدانية عام 923 الموافق 1517م.
15. J. H. Greenberg: The Languages of Africa, 1963; Int. journal of American linguistics, 29, 1, part 2.
16. R. Herzog: Die Nubier, I957.
17. R. Thelwall: Nuba Languages and History: Who is related to who in and outside of the Nuba Mountains and did they come from anywhere else?; Nuba Vision, Volume 1, Issue 3, February 2002.
18. S.F. Nadel: The Nuba, an anthropological study of the hill tribes in Kordofan, 1947, pp. 4-5.
19. R. Thelwall, private correspondence.
20. R. Thelwall and T. C. Schadeberg: The Linguistic Settlement of the Nuba Mountains; Sprache und Geschichte in Afrika 5 (1983) 219-231
21. R. Thelwall: Nuba Languages and History […]; Nuba Vision, Volume 1, Issue 3, February 2002.
22. .J. C. Faris: Nuba Personal Art, 1972, pp. 14.
23. S.F. Nadel: The Nuba, an anthropological study of the hill tribes in Kordofan, 1947, pp. 176-177.
24. S. C. Dunn: Native Gold Washings in the Nuba Mountains Province; Sudan Notes and Records, VoL IV. No. 3, October 1921, pp. 143-144.
25. S.F. Nadel: The Nuba, an anthropological study of the hill tribes in Kordofan, 1947, pp. 178
26. Idem, pp. 358.
27. J. W. Sagar: Notes on the History, Religion and Customs of the Nuba; Sudan Notes and records 5 (1922), pp. 137 – 156.
28. S. Harragin: Nuba Mountains Land and Natural Resources Study; Part I – Land Study, 2003.
29. J. J. Ewald: Experience and Speculation: History and Founding Stories in the Kingdom of Tagali, 1780- 1935; the International Journal of African Historical Studies, Vol 18, No. 2 (1985), pp.265-287.
30. R. Thelwall: Nuba Languages and History […]; Nuba Vision, Volume 1, Issue 3, February 2002.
31. R. Thelwall and T. C. Schadeberg: The Linguistic Settlement of the Nuba Mountains; Sprache und Geschichte in Afrika 5 (1983) 219-231
32. S.F. Nadel: The Nuba, an anthropological study of the hill tribes in Kordofan, 1947, pp. 362.
33. R. C. Stevenson: The Nuba People of Kordofan Province, 1984, pp. 85.
34. Idem, pp. 122.
35. R. C. Stevenson: A Survey of the Phonetics and Grammatical Structure of the Nuba Mountains Languages, with
36. Particular Reference to Otoro, Katcha and Nyimang; Africa und Übersee 40 (1956), pp. 103.
37. G. Baumann: National Integration and Local Integrity, the Miri of the Nuba Mountains in the Sudan, 1987, pp. 22-24.
38. S.F. Nadel: The Nuba, an anthropological study of the hill tribes in Kordofan, 1947, pp. 368.
39. Idem, pp. 319.
40. G. Baumann: opus cit., pp. 140
41. A. J. Arkell: A History of the Sudan from the Earliest Times to 1821, 1955.
42. R. Thelwall and T. C. Schadeberg: The Linguistic Settlement of the Nuba Mountains; Sprache und Geschichte in Afrika 5 (1983), pp. 219-231
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم