صورة (1):-
ترن .. ترن .. ترررنق .. صوت “البوري” الذي يرن على طولِ الشارع من عربة “البوكسي” المسرعة يلحُّ في الولوج إلى أذنه بلا إذن.. يزعجه صداه .. أغنيةٌ مبتذلةٌ تنطلقُ من داخله “يا لابتذال أغنيات المدينة المتسوّلة .. !”:- “كلا م الحب كلُّو قُلتوهُو بس كلامي أنا الما عرفتوهُ”. يتمتمُ في سخرية :- “بس كلامك ده يكون شنو لو ما كان كلام الحب!!”
يتبدّى الحبُّ للمُبتَذَلِين بشكلِ امرأةٍ فارغةَ الرّأس، بأردافٍ كبيرةٍ و جسدِ بغلٍ غبيّ “طويلة الشّعر قصيرة النّظر” .. “1”
صورة (2):-
الاشتهاءُ الوَجِل النّزق لفتاة السّابعة عشر البريئة الخَطِرة “وخطرُها يكمنُ في براءتها الآثمة ..!” يحتدمُ الاشتهاءُ الصّامتُ الآثمُ .. وهي واقفةً في انتظارِ عربةٍ تقلُّها .. الآخرون المُبتذلون “يُصفِّرون” ويتنهّدون ويخورون كثيرانٍ، كجواميس هائجةٍ في الدّاخل ..
يخجلُ من اشتهائه الآثمِ .. ينظُرُ لهل ببراءةِ رومانسيةِ الزّمن الماضي .. تصفو في عينيه .. تطفو في عينيهِ امرأةً سحريّةً .. موجةَ موسيقى وسماءَ قديمةَ بُدائيّةَ البراءة.
صورة (3) :-
لكنَّ الزمن الآثم يأتي من داخله. يُهاجمُهُ. “يتطوَّحُ” ما بينَ المدِّ الآتي من زمنٍ آثمِ يفرخُ في داخله ويغزوهُ من دنيا حصارِ “المبتذلين” وما بينَ صفاءٍ مخنوقٍ فاتَ زمانه. مسكينٌ ما عادت رأسٌ “تحلُمُ” تُجدي .. ما عادت رأسٌ لا تحملُ سوى أحلامٍ بيضاءٍ مندهشة وكونٍ من أفكارٍ زرقاءٍ أزهى من طيرِ “الجّنّةِ”، زرقاءٍ أزهى من كلِّ خيالاتِ الدَّرويشِ المُتوحّدِ في الخلوة، في زُرقةِ أعماقِ الشّعرِ المُتوهّجِ بالرُّؤيا، تُجدي. مسكينٌ ما عادت أفكارُكَ تُجدي في زمن “الإسفلت”، زمن الأبواق المنتفخة من فوقَ كروشٍ امتلأت بما يتقيّأهُ “السّوقُ الأسودُ”، زمنِ الأفكار الـ…. آسفْ، زمنِ اللاّ أفكار، زمانِ دماغٍ متسطّحْ: قطعةِ إسفنج، زمانٍ لا تجد فيه، إن فتّشتَ بينَ أضلُعِ القومِ، القلبَ– أو تجد قلباً مُشوّه “2”، زمانِ القلبِ–اللاّ قلب. كلماتٌ باردةٌ .. أحلامٌ باردةٌ شتائيّة ..
صورة (4):-
زمانُكَ عمقٌ وزمانُ الآخرينَ سطح السّطح. وفي صراعِ الزّمانين خُسارتك وربح الآخرين. زمانٌ يهتفُ في داخلِكْ بسُخريَةٍ مرّةٍ مأساويّة:- “كُن في صراعِ العالمِ مَعَكْ إلى جانبِ العالمِ دائماً” “3”.
ما عادت يا قيسَ صوفيّةُ عشقٍ قُدُسيٍّ تُجدي .. ما عادت يا غاندي بزمانِكَ أفكارٌ بيضاءَ بهيّةَ البراءة .. ما عادَ صفاءُ النّيّةِ يا غاندي يُجدي .. ما عادَ وفاؤُكَ يُجدي في زمنِ “الميكيافليّين” هذا .. زمانُكَ يا غاندي مات. واستيقظَ وجهُ زمانِ “الميكيافليِّين” الكالح .. استيقظَ وجهُ الوَحشِ العصريِّ “تابُوتاً يلبَسُ وجهَ الطِّفل” “4”. أحلامُ رقّةِ قلبِكَ الأبيضِ ما عادت تُجْدِي .. عادت سطوةُ زمنِ “الميكيافليّين” الكالح .. عادت سطوةُ زمن الميكيافليّين الكالح .. وحلّت لعنةُ عصرِ البشَرِ-الهوامِ بالزمن الغانديِّ الطّلعة. ما عادت، في القلبِ، نُوّارةُ عشقِك يا غاندي ويا قيسَ العشقِ المُتَصوّفْ تتفتّح .. ما عادت نُوّارةُ عشقِكْ تتفتّحْ .. بل ماتت نُوّارةُ عشقِكْ .. ماتت نُوّارةُ عشقِكْ ..
اغتالَ زمنٌ “يزيدِيَّ” الطّلعةِ وجهَكَ يا غاندي. التهمَ زمانُ القيمِ المبتذلةِ وجهَكَ يا قيس ..
صورة (5): تساؤُلات:-
هل يحيا غاندي بطلعةِ براءته الأُولى .. بوجهِ سلامٍ .. مطلعِ فجرٍ أوّلْ؟ سلامٌ .. لو يُبعَثُ حيّا .. سلامٌ يومٌ آتٍ يُبعَثُ من موتِهِ المُتعَمِّقِ في ذواتِ الآخرينَ حيَّا ..
هل يُبعَثُ قيسٌ حيّا .. ؟ في زمنٍ آتٍ، هل يُبعَثُ حيّا؟ هل يستيقِظُ فينا غاندي؟ هل تستيقِظُ فينا عُذريّةُ مطرِ العشقِ القيسِيِّ .. ؟
هل نُبعَثُ .. هل نحيا؟
هل نُبعَثُ .. هل نحيا؟
24/7/1980م.
إبراهيم جعفر.
حاشية:-
“1”. من عبارة لشوبنهاور:- “المرأةُ مخلوقٌ طويلُ الشّعر قصيرُ النّظر!” ..
“2”. من شعر مُحيي الدّين محمد علي– شاعر سوداني.
“3”. نصيحة يائسة ساخرة لكافكا.
“4”. من شعر أدونيس .. قصيدة: “مرآةُ القرن العشرين”.
khalifa618@yahoo.co.uk
///////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم