التحريف في الرسالة المحمدية: الإدمان مرض وليس جريمة أو حرام (1) .. بقلم: خالد أحمد

 

kh_ahmmed@hotmail.com

تسبب النظام البائد بإغلاقه لأبواب التوظيف للشباب وتركهم في حالة عطالة مبهمة وكذلك صعوبة الزواج والاستقرار وتكوين الأسرة وعيش حياة طبيعية، بالإضافة إلى الافتقاد لمناطق الترفيه والتعدي على الساحات، وكذلك ضخ مفهوم التحريم بكثافة حتى أصبحت الفنون واغلب ضروب قيم الثقافة السودانية وحتى طريقتهم في الحياة تدخل في دائرة المحرمات، كل ذلك جعل حتى من الذين يمارسون نوع من أنواع الفنون أو الرياضة مضطربين بين الحلال والحرام ولا تؤدي ممارستهم تلك لما يفترض ان يوازيها من إحساس بالإبداع والإضافة للمجتمع والإنسانية. وتسبب كل ذلك بوجود ظواهر سالبة في المجتمع ومنها ظاهرة الإدمان وهي في حالة انتشار بين الشباب ورأيناها بوضوح في فترة الاعتصام وتحديدا في منطقة كولمبيا، وهم شباب نعول عليهم كثيرا في بناء السودان الجديد ما بعد الثورة، لذلك يجب تشخيص هذه الظاهرة من كل جوانبها.
وبجانب النظام السابق وما اقترفه في حق المجتمع ككل وفي حق الشباب، هنالك جانب ذاتي فردي يقود إلى الإدمان وله عدة مسببات منها حب الاستطلاع أو الإحباط أو الحزن وغيرها. وكذلك هنالك عاملي المجتمع المباشر المتمثل في الأسرة والحي ورفقاء الدراسة أو العمل، وعامل المجتمع الكلي الذين لا ينظران إلى الأفعال الجيدة للفرد ويجعلونه يشعر بقيمته الإنسانية وإضافته للمجتمع ويدفعونه بشكل غير مباشر إلى ترك الأفعال الجيدة واتخاذ جوانب أخرى منها الإدمان.
فهنالك إذا الكثير من العوامل التي تؤدي إلى انحراف الفرد وتقوده إلى الإدمان، ولذلك قصر تلك الظاهرة على الفرد فقط واعتبارها قرار فردي يعتبر نوع من الهروب لدي النخب التي من المفترض ان تساعد المجتمع في إدراك ذاته والتكامل بين أفراده، وكذلك منح صك البراءة للمجتمع من إدراك مساهمته في انحراف أولئك الأفراد يضعف المساهمة القيمية التي يفترض ان يؤديها، فمعرفة المجتمع لقصوره ذلك يجعله يدرك كيف يتفادى قيادة أولئك الأفراد إلى الإدمان ويعمل على عودة الكثير منهم من خلال المسئولية الاجتماعية والتضامن بين المجتمع ككل. وبالتالي علينا معرفة ماهية الإدمان.
فالإدمان هو افتقاد لشعور محدد ولجوء إلى سلوك تعويضي يبعث على إحساس بديل عن الذي كان يفترض ان يأتي من خلال ممارسات إنسانية أخرى، فهو عبارة عن ممارسة إنسانية بديلة حلت مكان أخرى نتيجة للأسباب السابقة. اما ما جعل الإدمان يأخذ صفة الجريمة والتحريم هو اعتماد اغلب النخب السودانية على النقل من أفكار الغير وتنزيله على الثقافة السودانية.
فالنخب العلمانية والمدنية التي نقلت أفكار الآخر في الدولة والقانون استجابت لضغوط نخب الفكر العربي الإسلامي وأدخلت الإدمان في القانون وأصبح جريمة يعاقب عليها، فثنائية النخب الناقلة من الفكر العربي الإسلامي والفكر الغربي لجأت إلى الأفكار الجاهزة وحاولت من خلالها إدارة الدولة السودانية، دون ان تنظر إلى ماهية الثقافة السودانية وتحاول استيعابها وتعمل على إنشاء الدولة السودانية على أساسها. ونتج عن ذلك اصبح القانون السوداني عبارة عن خليط من الفكر العربي الإسلامي والفكر الغربي، وكذلك العقوبات عبارة عن مجموع من التشريع العربي الإسلامي والتشريع الغربي، وهو ما جعل المجتمع السوداني يبعد عن القانون ويرسخ في ذهنه بان وصول القضايا إلى المحاكم يزيد من تعقيدها وليس حلها، وأصبح اغلب المجتمع يحاول حل قضاياه بعيدا عن المحاكم لان ذلك القضاء لا يعبر عن الثقافة السودانية ولا يحمل قيمها وموروثاتها.
ففي مجال القانون والعقوبات لم تحاول تلك النخب ان تعمل فكرها من اجل إدراك فلسفة الجريمة والعقاب، فالجريمة في فلسفة التحولات الاجتماعية وفي الإرشاد الإلهي هي قصور في إدراك وممارسة الحياة، فهو إذا أي ذلك القصور ليس قائم بذاته ولكن نتاج لتشوه صورة الحياة في الذهن فقاد إلى تلك الممارسة أو الإدراك، وهو في الذهن وليس في الجين أي مكتسب ويمكن معالجته. ويتسبب ذلك القصور في ثنائية اما أذية الفرد لذاته وهو هنا يصبح مرض فالإنسان الطبيعي عندما ننظر للحياة ندرك انه يحاول المحافظة على حياته ولذلك عندما يحدث العكس يجب ان نبحث عن العلة في ذلك الشخص وما حوله، أو أذية الفرد للآخرين وهنا تصبح جريمة. اما فلسفة العقاب فتقوم على البحث في كيفية إدراك ذلك الفرد أو الجماعة التي مارست الجريمة ان تدرك تشوه صورة الحياة لديها وتحاول ان تعدلها حتى لا تعود إلى ذلك الفعل مرة أخرى.
ولا يمكننا ان ننهي المقال دون ان نوضح عجز الفكر العربي الإسلامي عن استيعاب الرسالة الإرشادية، باعتبار ان الفكر العربي الإسلامي يسيطر على الفضاء الفكري عند غالبية النخب السودانية، فيجب الرد على من قالوا ان الإدمان عبارة عن انتهاك لمحرمات إلهية ويجب عقابهم بالحد الإلهي، ولذلك سنوظف المقال القادم للرد عليهم.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً