السودان: البلد الذي كان بالأمس أكبر قطر في القارة الأفريقية، والذي كابد ظلم السنين عام بعد عام من جراء الاستعمار من أكثر من مستعمر، سواء كان مصري، تركي، تركي مصري، أم بريطاني مصري. ها هي الآن دول أخرى تأتي متلبسة لجلود الثعابين وبأشكال
مختلفة، جارة أو صديقة أو دويلات ولدت بالأمس، لتشد الأطواق على عنق السودان، وتمكر بالسودان وبأهله وتستنفد طاقاته وثرواته. لا يخفى على شعب السودان مكر هذه الدول التي تتلبس ثياب الجيرة والصداقة، وتتسلقنا بالخطرفات والقفشات، وخفة الظل والروح، لتتمكن من التحكم في أمورنا، ولتفتك بنا، إنسان وبلد كالوباء المميت. الدول التي تظن أنها قد وجدت ضالتها في السودان، البلد الذي كان ذنبه الأكبر، أنه يتحدث اللغة العربية (الغالبية)، ويدين بالدين الإسلامي (الغالبية) – بلد يرجع تاريخه إلى ما يفوق الخمسمائة وأثنين وسبعين عام قبل ميلاد السيد المسيح – الدول التي لا يهدأ لها بال، كلما رأت أن السودان صار بلد مميز، ولا يغمض لها جفن كلما رأت أن السودان أعاد شانه بين دول العالم، أو صار له شان بينها، بإنسانه النادر الطباع، وثرواته المتدفقة تحت الأرض ومن فوقها. ليس المجال هنا مجال للخوض في مثل هذه النقاط، التي لا تهمنا الآن كثيرا، ولكنا نقول لهذه الدول المجرمة في حق السودان: سلامه، أمنه، عيش أهله، مكانته العالمية، مستقبله وتطوره: الحد الأول الفاصل بيننا وبينكم هم شبابنا، بنات وأولاد – الجيل الراكب رأسه – فهو ولا عجب من سلالة الملك بعانخي، الذي تسلق قمة الهرم الفرعوني لأكثر من مائة وخمسين عام، ولم ينزل من قمته بسبب حصان. والحد الفاصل بيننا وبينكم هو تغير المناخ والإحتباس الحراري، فمن كانت له ناطحات سحاب فليأكلها، ومن كان له بترول فليشربه.
ما زال العالم يقف صفا واحدا، وينتبه متأهبا لسماع الكلمة الأخيرة للفريق البرهان، القائد الأعلى لجيش السودان “جمهورية السودان الديمقراطية”، فيما يخص مستقبل الدولة. وتعتبر الكلمة الأخيرة للفريق البرهان، كلمة مصيرية، ولا بد من أن التفكير في أمرها مليا قبل قولها. عليها يعتمد التحول الديمقراطي للبلاد ونجاحه. فهي الأساس للمواصلة في التحول الديمقراطي برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، والذي فوجيء بما حدث في البلاد، ورفض التعاون فيما يحدث، بل رفض المشاركة إلا بعد الإيفاء بشروط معروفة وبديهية. هذه الشروط التي تتفق عليها كل الدول التي تحظى بوجود نظام ديمقراطي سليم، تفهم معنى الديمقراطية، وتدرك فوائدها لبلدان العصر الحديث. الكلمة التي يمكن لها من أن تعيد السودان لمكانته بعد التضحية بآلاف المتظاهرين، والذين تتراوح أعمارهم “للحزن” في المتوسط ما بين الخامسة عشر والثلاثين من العمر، بل يقول بعض المراقبون أن بعض منهم قتل بطلق ناري، وهو لم يزل بعد في سن الطفولة. ولا ننسى هنا الصور المحزنة للنساء، وهن يضربن من قبل العسكر ضرب مبرح. الصور التي وقعت الآن في جرح لمنظمات مختلفة في الغرب، والتي تبرهن للعالم مرة أخرى: موقع المرأة وقيمتها في المجتمعات الأخرى – السودان كصورة مصغرة للحاصل – ويربط الأمر هنا مباشرة بالإسلام وبالعروبة، وبالأفريقانية، سواء كان هناك رابط أم لا. ويكون في النهاية الضحية هو السودان وسمعته، بسبب التهور في ضرب جنس ناعم، ليس له علاقة بسلاح أو تسلح. ولنا وقتها أن نطأطأ رؤوسنا في المحافل الدولية، عندما نسأل عن موقع المرأة في مجتمعاتنا، التي تتحدث العربية بطلاقة أو تدين بالدين الإسلامي السمح.
يجب أن تأتي الكلمة الأخيرة في الصميم، وهذا لأن كل الجهود التي يتم بذلها في أي اتجاه آخر، سوف لن تتلقى القبول، ولن تحظى بالنجاح، فهي الطريق المؤدي للفشل، طال الزمن أم قصر. الدليل على ذلك، هو أنه لا يمكن لدولة لوحدها، وفي موقع السودان، من الوقوف ضد كل الدول التي تنادي بالديمقراطية، وتناشد بجدية، أن يعود الدكتور عبد الله حمدوك لتسلم مهامه. هنا لا بد للفريق البرهان من أن يتجنب آراء، ومخططات وأمنيات عناصر النظام البائد، الذي لم يتمكن من النجاح، ولم يحظى بالقبول في المجتمع الدولي، على الرغم من تمتعه بسانحة الحكم لثلاثين عام. كما يجب على الفريق البرهان أن يتجنب في كلمته الأخيرة ثعالب سياسة، النظام البائد، والذين هم الآن يقفون صفوف، يتدثرون حب المواطن والولاء للوطن، من أجل تسلق السلم المؤدي لمنبر الحكم في السودان. هنا نقول، وإذا صح التشبيه: الدكتور عبد الله حمدوك هو الآن بمثابة الجراح الذي بدأ العملية الجراحية، ولا بد لنا من أن نتركه ليكملها، حتى تنجح العملية الجراحية. أي استبدال آخر سوف يكون محاولة مغامرة وتضييع زمن، وربما فشلت فشل لا يقارن، يمكن أن يرمي بالبلاد لمئة عام أخرى إلى الوراء، أو يؤدي لتفكيك السودان كليا، أمنية كثير من الدول المتربصة به، من أجل مقوماته الحياتية النادرة، في زمن تغيرات المناخ العالمي، ومحدودية الماء والكلأ والأرض والثروات.
التريس في قول الكلمة الأخيرة هو الدرب المؤدي إلى الأمن والسلام في الدولة. وهذا بعد قطع شوط طويل من مجهودات حكومة الفترة الانتقالية، برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك. ونناشد السيد الرئيس هنا أيضا بشيء من المرونة، لتسلم المهام عاجلا، ثم العمل من بعد على إحداث كل تغيير يراه لازم وممكن، سواء كان ذلك في طاقم حكومته، أو في المجلس التشريعي الذي تم تشكيله والإقرار فيه بالأمس، بغياب مشاركته. هنا يمكن للفريق البرهان رتق الفتق، وسد الفجوة التي أحدثت حتى الآن. يمكن حقن دماء الأبرياء المتظاهرين. الخطر الذي يحدق في هذا الموقع، هو أن المتظاهرين سوف لن يقبلوا بشخص آخر كبديل لرئيس الوزراء، والذي أعطاهم الأمل والأمان، وأعطوه القبول والثقة. كل العالم على علم بأن الشيء المميز لهذه الثورة هو سلميتها، تحرك المتظاهرون بتحكم في أنفسهم، وهم يعضون على أصابعهم صبرا، وإن كانوا يتفجرون في دواخلهم كالبراكين. يأتي الخطر المحدق إذا ما فقد هؤلاء المتظاهرون الأمل بعد ثلاثين عام من الصبر. هنا يمكن لنا أن نتصور، تحول سلمية المظاهرات إلى عدوانية لا يمكن وصفها. ومن بعدها سوف يزلزل المتظاهرون الأرض تحت أقدامهم، ويقتلعون الأشجار من الشوارع. ووقتها لا يهمهم، كم من دماء تسفك، أو قتيل يسقط. يضعون صوب أعينهم هدف واحد: العيش بكرامة أو الموت بكرامة، ووقتها نكون قد وضعنا حجر الأساس المتين، لنكون “حكومة وجيش” نبأ الأخبار، وحدث الساعة – الشيء الذي لا تحمده لنا الإنسانية، ولا يغفره لنا التاريخ – فلنا الآن الحرية في اختيار الكلمة ومضمونها.
نعود أخيرا لعنوان المقال “التحول الديمقراطي في السودان وأهميته – خارطة الطريق المؤدية إلى جائزة نوبل للسلام”. ربما كانت الكلمة الأخير والسديدة هنا هي مفتاح النجاح الأبدي للسودان. بعودة الحكومة المدنية لموقعها الأول، وبرئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، تكتمل الحلقة المفقودة للتحول الديمقراطي السليم والمتكامل في البلاد. يقول البعض بأن رئاسة الوزراء لا يمكن اتخنزالها في شخصية إنسان واحد. وتكون إجابة الشعب “يمكن اختزالها هنا في شخصية إنسان واحد وبحق”. ولننظر للأمر فقط من بعد زمني، وطول الشوط الذي قطعته الحكومة الانتقالية حتى الآن تحت رئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، مدعمة بالقبول الدولي، والأمل في تحقيق الانتقال الديمقراطي. بهذه القيادة الحكيمة يمكن لنا القول بأننا، وطن ومواطن على أسلم الطرق المعبدة لدخول دنيا الحكم الديمقراطي، وبعد تشوق كلفنا ثلاثين عام من العزلة الدولية. به يجد السودان نفسه على أسلم طريق، وبيده الخارطة المؤدية إلى جائزة نوبل للسلام. دولة النرويج كدولة فاعلة في الترويكا، تدري أهمية وصول صوت المتظاهرين بسلمية للعاصمة أوسلو، بل أيضا للعاصمة السويدية “أستوكهولم”. فإذا كانت هناك جائزة نوبل قادمة للسلام، فأحق بها السودان، إنسان وبلد وشباب. أحق بها كل من ثار في الشوارع بسلمية “بتحضر” من أجل الديمقراطية والسلام والعدالة – في ثورة لا مثيل لها، كان قوامها الشباب – ونكون بها قد قلنا الكلمة الأخيرة، التي يصطف العالم ويقف إنتباه لسماعها من الفريق البرهان، وبجانبه يظهر لنا الدكتور عبد الله حمدوك مطلا من جديد، ويقول لنا “نحن بخير وسلام، قيادة، وطن، مواطن ومستقبل”.
E-Mail: hassan_humeida@yahoo.de
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم