التداوي بالشعر: دراسة سودانية أنموذجية .. بقلم: بروفيسور عبد الرحيم محمد خبير*

 

الشعر هذه المفردة الجذابة التي تختزن في أحشائها لغة سحرية تأخذ بالألباب وتسمو بالنفس الإنسانية إلى آفاق رحيبة أو على حد تعبير أحد الأدباء العرب “إنه ملاذ الروح”. 

ويرى الأديب التونسي حازم القرطاجني (684-608م) أن ثمة أبعاد ثلاثة معنوية لابد من التوقف عندها تتعلق بالمتلقي وصلته بالشعر وتشمل البعد السايكولوجي ونظيره المعرفي فالأخلاقي. وسيقتصر الحديث هنا على الجانب السايكولوجي للشعر وإبراز جدواه في العلاج النفسي. وقد أشار العديد من الفلاسفة منذ عصر أرسطو إلى أن الجانب النفسي في الشعر يرجع للقوة الخيالية لدى الشاعر إذ تقوم هذه القوة بتحصيل المعاني الذهنية من الأشياء الماثلة في الواقع، وتكون هذه المعاني مطابقة لصورتها في الواقع، غير أن هذه المعاني تخرج من إطار القوة إلى الفعل بواسطة أداة هي اللفظ الذي ينقل الصورة إلى المتلقي. وما دام الشاعر يعمل على استثارة المتلقي، فإن المتلقي بالتأكيد يتجاوب مع هذه الإثارة ، إذ تقوم القوة النزوعية فيه باستثارة إنفعالات في نفسه، فتنبسط نفسه عن أمور ، ينفعل بها. وعلى هذا الأساس فإن المتلقي يتبع إنفعالاته وتخيلاته أكثر مما يتبع عقله أو علمه. وتساهم هذه العملية في تحديد سلوكه بسطاً أو قبضاً.
وكان العرب أول من اكتشف العلاج بالشعر قبل أن يكتشف العلاج بالموسيقى. وقيل أن مجنون ليلى (قيس بن الملوح) أول من تداوى بالشعر فهو القائل:
فما أشرف الإيقاع إلا صبابة *** ولا أنشد الأشعار إلا تداويا .
وقد إقترح الشاعر المصري المعروف فاروق شوشة ضرورة إستخدام نماذج من القصائد الشعرية في علاج المصابين بالمرض النفسي والعصبي مستمداً الفكرة من كتاب -باللغة الإنجليزية- موسوم بـ “العلاج بالشعر” عمل فيه أكثر من ثلاثين عالماً من المتخصصين في الأمراض النفسية والعصبية وعلم النفس والإجتماع يصف تجربة أجريت في معهد طبي بنيويورك. ويبدأ العلاج في مثل هذا النمط من جلسات الحوار بأن يسمع الحاضرون من المرضى أبياتاً شعرية تتميز بلغة واضحة وصور ومعانٍ يمكن الإحاطة بها. ومن ثم يبدأ الحضور بتعقيباته، فيرى أحدهم – على سبيل المثال- أن القصيدة تصور خفاشاً في الليل، ويرى آخرون أن القصيدة بمثابة بستان ملئ بأنواع شتى من الفاكهة، وتتحدث مجموعة أخرى عن سفينة على وشك الغرق في لجة البحر. وتتكرر الجلسات الشعرية والاستجابات، فيلاحظ المعالج أن هناك خيطاً من الصور يراه شخصاً بعينه، فيبدأ من هذا الربط والتحليل.. فالشعر هنا يلعب دوراً كاشفاً لسبر ما بداخل اللاشعور المختزن بالنسبة لهؤلاء المرضى. ومن ثم يتمكن المعالج من تحديد نوع التداوي الذي يصلح لعلاج المريض.
وتجدر الإشارة هنا إلى دراسة مهمة قام بها باحث علم النفس السوداني الراحل الزميل والصديق الدكتور تاج السر حسن أحمد عبد الباقي كجزء مكمل لموضوع أطروحته للدكتوراه الموسومة بـ “العلاج البديل: بحث تجريبي لأثر الآيات القرآنية والأبيات الشعرية والعقاقير الطبية على مرضى الإكتئاب وقياس لإتجاهات المعالجين الأكاديميين نحو العلاج بالقرآن الكريم” والتي أجراها بجامعة جوبا (2007م) تحت إشراف البروفيسور الزبير بشير طه.
وتم تطبيق هذه الدراسة على عينة مكونة من (18) مريضاً من مركز العلاج النفسي بالخرطوم ومن ثم طبق عليهم المقياس العادي للقلق والإكتئاب والذي على ضوئه استبعدت الحالات التي أظهرت نتائج القياس العياني عدم وجود أعراض لاضطراب الإكتئاب وعددها (6) مفحوصين. ومن ثم تصبح العينة الشاملة للدراسة (12) مريضاً . وأجرى على هذه المجموعة أسلوب العلاج عن طريق الاستماع لأبيات من الشعر.
ووضع الباحث فرضين ينص أحدهما على الآتي: (توجد فروق دالة في مستوى الإكتئاب بمقياس “بيك” للإكتئاب ومقياس “واكفيلد” للتقييم الذاتي للإكتئاب في التطبيق القبلي والبعدي في مجموعة العلاج بالشعر). ولدراسة هذا الفرض تم استخدام إختبار (ت) للمجموعتين المستقلتين لمعرفة الفروق بين التطبيقين . أما الفرض الآخر فنصه : (توجد فروق دالة في مقياس بيك للإكتئاب ومقياس واكفيلد للتقييم الذاتي للإكتئاب وسط مجموعة العلاج بالشعر تبعاً للنوع).وللتحقق من هذا الفرض إستخدم الباحث مقياس مان وتني(Mann-Whitney) للرتب لأن أعداد أفراد العينة هنا يقل عن (10) من المفحوصين ولذلك يفضل إستخدام إختبار رتبي.
وأظهرت نتائج البحث لمجموعة العلاج التي طبق عليها برنامج الإستماع لأبيات الشعر(الفرض الأول): أن هناك فروقاً دالة عند مستوى 0.01 بين أداء المكتئبين في التطبيق القبلي وأدائهم في التطبيق البعدي لصالح الأخير.أما نتيجة إختبار مجموعة العلاج بالشعر لمعرفة الفروق في التطبيق البعدي تبعاً للنوع(الفرض الثاني): فقد أبانت أنه لاتوجد فروق دالة بين المجموعتين. ويتضح من نتائج هذه الدراسة التحسن في درجات الإكتئاب بعد التعرض لخبرات البرنامج العلاجي، مما يشير إلى فاعلية برنامج الإستماع للشعر في تخفيف وإزالة حدة الأعراض الإكتئابية. وبذلك فإن الإستماع لأبيات الشعر يمثل خطوة أساسية نحو تحسين الأعراض الإكتئابية. ويلزم التنويه لغياب دراسات مشابهة في البيئة المحلية يمكن مقارنة نتائجها بالنتائج الحالية لهذه الدراسة السودانية الفريدة. وتعكس هذه النتيجة أهمية تقديم أساليب علاجية غير تقليدية. وتتسق ذات النتيجة مع دراسات سابقة خارج السودان من أبرزها الدراسة الرائدة لجاك ليدي (العلاج بالشعر 1971م) رئيس الإتحاد الوطني الأمريكي للعلاج بالشعر والتي تؤكد أن قراءة الشعر تعطي الإنتعاش للصحة النفسية للمريض. فالشعر يمكن أن يساعد المرضى الذين هم في حاجة إلى شجاعة أو الذين يشعرون بالضياع والإنسحاق والذين يعانون من الأرق ومن هم في حالة غضب أو إحباط أو يأس أو قلق أويشعرون بتقدم العمر.
وتجمع نتائج الدراسات السابقة في قوة تأثير الشعر على النفس الإنسانية من خلال الإيقاع (الوزن والقافية). فالكلمات المعبرة بعمق والتي تعمل بدورها على تحرير المشاعر المكبوتة والمكبوحة على نحو التنفيس الذي يحدث في حالة التعبير عن الأفكار الحبيسة. فالإيقاع واللحن في الكلمات يقدم دائرة واسعة ومتكاملة من الألحان خلال التركيبة والتوليفة الماهرة من الإيقاعات والوزن والقافية فيحدث الجناس والتجانس تأثيره داخل النفس البشرية. والشعر يوفر للفرد وسيلة للإفضاء والتنفيس العاطفي ، كما يهيئ له إمكانية مشاطرة الغير للعواطف العميقة في نفسه وهو الأمر الذي يأتي عن طريق تلمس الفرد للأبعاد الغائرة والواسعة في وعيه. ولله تعالى في خلقه شئون وهو المستعان.

khabirabdelrahim@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً