الترحيب بالغزاة: ما أشبه الليلة بالبارحة! .. بقلم: د. النور حمد
تكررت ذات التجربة، وعلى نحو أسوأ، في نهاية الحقبة المهدوية. فقد تحولت المهدوية في نهاياتها، إلى حالة من الفوضى والسلب، والنهب، والقهر، والعسف، والإذلال، الذي وقع، بصورة رئيسة على سكان النيل الأوسط والشمالي في السودان. وَلَغَتْ المهدية في دماء معظم القبائل السودانية الكبرى. قتلت المهدية، على يد المهدي، زعيم قبيلة الجوامعة، المنا إسماعيل، وقتلت في عهد الخليفة، زعيم الرزيقات مادبو، كما قتلت زعيمين من زعماء الكبابيش، هما التوم ود فضل الله، وصالح فضل الله. وواصلت المهدية مسلسل القتل والتنكيل، فقتلت زعماء الرفاعيين، وبددت شمل القبيلة، وقهرت الضباينة، وسجنت زعيهم ود زايد، وقهرت الشكرية، واضطرت أقسام من الشكرية والضباينة، إلى الفرار والاحتماء بالمرتفعات الإثيوبية. كما قتلت زعيم الجعليين، ودمرت ديارهم، وسبت نساءهم.
من شواهد ما يمكن أن يفعله الإذلال والعسف والضيم من نسف الحس الوطني ما أظهره شعر الشاعر المشهور الحردلو. فقد دفعت حالة الضيم والشعور بالضعة، والهوان التي لحقت بالشكرية من الخليفة عبد الله وجهاديته، بالحردلو، لأن يدعو الإنجليز، والإمبراطور الإثيوبي، لكي يخلصوا البلاد والعباد، من طغيان المهدوية وتجاوزاتها، التي فاتت الحدود، فقال مشيرا إلى قوات “الجهادية” المهدوية التي سامت الناس سوء العذاب:
مزيج الأحوال الضاغطة، إلى حدِّ سحق الأعصاب، وعمى السلطة الحاكمة، وعنجهيتها، وتبلُّد حسها، هو الذي يخلق حالة اليأس القصوى المدمرة. وهو ما يدفع بالشعوب إلى اللامبالاة بمصير البلاد؛ على قاعدة “عليَّ وعلى أعدائي”.
لا توجد تعليقات
