للحكم على أي اتفاق سياسي هو قراءة افكار وتوجهات موقعيه وذلك من خلالِ قراءة الكلمات المُستخدمة ودلالاتها ومن خلالها يُمكن معرفة مقصد الأطراف منها، بداية الملاحظ في إتفاق حمدوك-البرهان الإكثار من إستعمال مُسمى القائد العام للقوات
المسلحة سواء في مقدمة الاعلان حيث تم النص ..ترتب على ذلك اتخاذ اجراءات وقرارات بواسطة القائد العام للقوات المسلحة بتاريخ 25 اكتوبر 2021.. وكذلك في خاتمة الاتفاق بإلغاء قرار القائد العام للقوات المسلحة باعفاء رئيس مجلس الوزراء الانتقالي.. وتم تجنب أي إشارة إلى وصف قرارات وإجراءات البرهان بأنها صادرة من رئيس مجلس السيادة كما يدعي البرهان، وهذا إقرار بطريقة دبلوماسية بان ما حدث هو انقلاب وهو ما كان يطالب به حمدوك ضمن شروطه للعودة.
بات رئيس الوزراء عبد الله حمدوك تحت قفص الاتهام بخيانة الثورة السودانية وشرعنة الانقلاب، على إثر توقيعه على الاتفاق مع قائد الانقلاب العسكري الفريق أول عبد الفتاح البرهان.
ومن خلال قراءة نصوص الاتفاق السياسي، يبدو أن حمدوك قدم عربون اعتراف بالانقلاب العسكري وقدّم له المبررات الكافية، إذ لم يصفه بالانقلاب، بل مجرد إجراءات وقرارات اتخذها القائد العام للقوات المسلحة نتيجة الفشل لكل مبادرات احتواء الأزمة السياسية بين القوى السياسية، وأصبحت مهدداً لوحدة البلاد وأمن واستقرار البلاد”. وحسب تقديرات ردود الافعال عقب التوقيع لآراء الكثير من المتابعين للمشهد السوداني ، فإن ذلك يُعد التنازل الأول والأخطر، من رئيس الوزراء عبد الله حمدوك.
وما يؤخذ كذلك على حمدوك هو توقيعه بنفسه على الاتفاق دون الرجوع إلى تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، وهو التحالف الذي رشحه لمنصب رئيس الوزراء، ومضى في خطوة التقارب مع قائد الانقلاب رغم المواقف الرافضة للقوى والأحزاب الرئيسة في الحرية والتغيير والتي تجددت قبل وبعد التوقيع على الاتفاق السياسي.
كذلك جاء توقيع عبد الله حمدوك على الاتفاق السياسي مخالفاً لمطالب الشعب السوداني بعد الانقلاب الذي رفض ويرفض بشكل واضح التفاوض مع الانقلابيين أو الدخول معهم في شراكة أو منحهم شرعية جديدة بعد انقلابهم، وقد دفع الشعب السوداني ثمن رفض انقلاب البرهان حياة 40 شخصاً قتلتهم القوات الأمنية طوال الأربعة أسابيع الماضية، وعشرات الجرحى والمصابين.
والمؤسف حقاً لم يكسب حمدوك في اتفاقه مع الانقلاب سوى الحفاظ على نفسه في السُلطة رئيساً للوزراء، دون النظر إلى مصير أعضاء حكومته، ولا أعضاء المجلس السيادي الانتقالي الذين تم إعفاؤهم من مناصبهم وتعيين مدنيين بدلاً عنهم، كما لم يقرر اتفاق حمدوك مع البرهان في مصير قرارات أخرى اتخذها الأخير بعد الانقلاب؛ إعفاء سفراء ودبلوماسيين وموظفين بدرجات رفيعة سبق لحمدوك أن عيّنهم في الخدمة المدنية، بل منح مجلس السيادة الجديد بقيادة البرهان سلطة الإشراف على الأداء الحكومي.
وفي إشارة خجولة، تطرق اتفاق البرهان-حمدوك إلى التحقيق في حوادث القتل التي وقعت أثناء التظاهرات الرافضة للانقلاب وتقديم الجناة للمحاكمة، لكن لم يحدد النص أي أداة للتحقيق والمحاسبة على عكس ما تم الاتفاق عليه في وقت سابق بعد فض اعتصام محيط القيادة العامة بتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق.
مؤكد أن اتفاق حمدوك-البرهان لن يمثل فرصة لحقن دماء السودانيين، لأن الشارع العريض الرافض متمسك بمطالبه بالمدنية الكاملة للحكم ومحاكمة الانقلابيين وعدم الدخول معهم في شراكة جديدة، وأن تلك الرمزية سيفقدها بعد أن قال الشعب كلمته رفضاً للانقلاب
رئيس الوزراء تجاهل مطالب الشارع وانعزل نحو الاعتماد على الدعم الذي يجده من المجتمع الدولي، كما أن الانقلابيين حرصوا على وجوده في السلطة لمخاطبة المجتمع الدولي وتلافي العقوبات التي يمكن أن تواجه الانقلابيين في المستقبل.
خطوة حمدوك بعيدة تماماً من الواقع السياسي، ولا تتوافق حتى مع الخريطة الأميركية التي وُضعت للخروج من الأزمة، والتي اقترحت العودة الكاملة لحكومة حمدوك ورفع حالة الطوارئ، والالتزام بالوثيقة الدستورية وإطلاق سراح المعتقلين
لا يوجد وصف غير “الخيانة” للتعبير عما قام به حمدوك، فالرجل تنكر لكل شعارات وأهداف الثورة وانقلب عليها بالكامل واختار جزءاً من فريق الانقلاب وسيسقط معهم.
ضعف واهتزاز كاريزما رئيس الوزراء لم يكُن مستغرباً ولم يبدأ يوم التوقيع، بل منذ بداية توليه منصبه، حينما غض الطرف عن تغول العسكر على صلاحيات حكومته وتدخلهم في الشؤون التنفيذية وفي ملف السلام وملف التطبيع، وعدم استجابته في وقت سابق لصوت الشارع وتطلعاته وظل يبيع الكلام والوعود للناس.
الاتفاق يبدأ بعبارة(تاسيساً على قرارات القائد العام للجيش )يعنى اقراراً بقرارات ٢٥ اكتوبر واقراراً بالمجلس السيادي المعين بواسطة قائد الجيش الانقلابي، وسيتم تعديل الوثيقه الدستورية لمنحه مزيد من الصلاحيات!!.
مازال العسكر هم السُلطة وحمدوك مجرد كومبارس عندهم، والعسكر لا يقبلون الشراكة في الحكم، هذا تاريخ لم يتخلف مرة. من الغباء أن توقع ثلاث اتفاقيات تسوية للتوافق مع نفس الطرف وتنتظر نتيجة مختلفة!. لا يُمكن لأي اتفاق شرعنة الانقلاب ولكن العسكر لعبوها بتكتيك عالي جدا، فهم بهذا التوقيع إصطادوا عصفورين بحجر واحد، احراق كرت حمدوك في الداخل وشق صف الثوار ما بين مؤيد ومعارض. ولكنهم نسو أن من يُمثلون الشعب هم الآن بالشارع لا داخل القصر، والكلمة الأخيرة للشارع وليس لأطراف إتفاقية القصر، وأن أي اتفاق سياسي لا يخاطب جذور الأزمة ويحقق العدالة والمحاسبة فإن الشعب السوداني لن يكون طرفاً فيه.
أسوأ ما حوته صفقة حمدوك – البرهان هي أن المجلس السيادي هو المشرف على كل المرحله الانتقالية مما يعنى أن الانقلاب قائما ويُمكن للبرهان في أي لحظه إقالة حمدوك وتسييره والتحكم فيه كيفما يشاء. عجيب أمرك يا رجل! كيف توقع على تسوية لا تشمل ضرورة أجراء تعديلات لاصلاح الأجهزة الامنية، بدون ولاية وزارة المالية على المال العام، بدون خروج المؤسسات العسكرية من الاقتصاد، بدون استبعاد العسكر من الملفات السياسية والتنفيذية دستوريا، بدون مراجعة سلام جوبا، بدون عودة مجلسك السيادي، بدون نقل رئاسة مجلس السيادة للمدنيين، بدون أي إجراء ضد انقلاب 25 اكتوبر،بدون أي حاضنة سياسية وثورية،بدون أي نص يمكنك من تكوين حاضنة سياسية جديدة، وبدون أي ضمانات تحصنك ضد أي خروقات أو تقويض النظام الدستوري أو أي انقلاب آخر.
أن ما حدث بالامس هو اتفاق جاء، لتلبية رغبات الانقلابيين وهو إكمال للطبخة التي يقف خلفها بلا شك المجتمع والإقليمي وربما بمباركة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لإكمال ملفات التطبيع وتنفيذ سياسة البنك الدولي الاقتصادية وتنفيذ أجندات تلك القوى وتحقيق مصالحها.
الانقلابات العسكرية لا تجابه بالتسويات السياسية والتراضي،أعلى سقف مطلبي لأي انقلابيين هو ضمان حياتهم مقابل التسليم،لسنا ضد الحوار والتفاوض واعلاء المصلحة الوطنية،ولسنا ضد حقن الدماء لكن واضح جدا أن ما تم عليه لا علاقة بذلك،هذا اعتراف صريح بالانقلاب وللاسف لن يوقف الدماء.
ما حجم وابعاد المؤامرات على ثورة ديسمبر والسودان والتي يقف خلفها من يسمون أنفسهم بمجموعة الكيانات الوطنية. الآن الشارع السوداني وضع عبد الله حمدوك في مركب واحد مع البرهان وبقية الانقلابيين وسيسقطهم معاً، وسيثبت القراءة الخاطئة للغرب، ولدول الاقليم التي تعتقد أن عودة حمدوك فيها إنهاء للأزمة وتهدئة للشوارع.
البعض يرى المشهد من زاوية أن هذا تراجع تكتيكي للعسكر من اجل العودة والانقضاض على الثورة، والمؤكد هناك انقلاب اخر في الطريق هو انقلاب كيزاني كامل الدسم! انقلاب البرهان مجرد خطوة تمهيدية لذلك الانقلاب الذي لن يبق ولن يذر! وسيأتي متخفياً في ثياب الانحياز للثورة!.
معركتنا طويلة ومعقدة وتحتاج لتطوير نوعي في ادوات العمل الثوري ،نحتاج عودة إلى منصة التأسيس الانتقالي برؤى جديدة وخطط جديدة وسقوف تتجاوز البرهان وحمدوك والحرية والتغيير. نحتاج عودة إلى منصة التأسيس الانتقالي برؤى جديدة وخطط جديدة وسقوف تتجاوز البرهان وحمدوك والحرية والتغيير . بات حمدوك هو “برادعي” السودان وقد وضع رقبته ورقبة الثورة تحت رحمة عسكر مصر وعسكر السودان وأن غداً لناظره قريب.
عزيزي د. حمدوك .. أديناك الريد والحنان طلعت ما بتستاهلو
mido34067@gmail.com
///////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم