التفاقم الإئتماني.. حينما يصيب الإقتصاد بالشلل .. ترجمة: ناجي شريف بابكر
3 نوفمبر, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
46 زيارة
أعمال مترجمة
.
.
سياسة ضغط الأسقف الإئتمانية أو “العسف الإئتماني”، المتمثلة في عملية الإسترداد المواقت والقسري للقروض قد كان واحدا من العوامل الاساسية التي ساهمت في إحداث الأزمة الإقتصادية في 2008/2009 وما تبعها من التعافي المتباطئ للإقتصاد الأمريكي – راجع (Main and Sufi 2014) و (Main, Sufi and Verner 2015. الشكل رقم (1) أدناه يعطي تصورا للإرتفاع الحاد في إتساع أسقف الدين العام وسط المستهلكين في السنوات ما قبل بداية الأزمة في 2008، معقوبا بتراجع تلك الأسقف خلال عملية العسف الإئتماني التي أعقبت إندلاع الأزمة.
.
إن الضغط المتعاظم علي الأسقف الإئتمانية (shock freezing) قد أضر بالإقتصاد من خلال إجبار المقترضين بصفة متعسفة، علي أداء إلتزاماتهم الإئتمانية، في وقت يكون فيه المانحون أشد ما يكونون قتراً وحرصا بالمقارنة مع المقترضين (ربما كان ذلك هو الفارق النفسي الأزلي الذي يجعل من المقرضين/ المانحين مقرضين بينما المقترضون همو همو). عندما تسافر الأسقف الإئتمانية من أيدي القطاعات الأكثر إنفاقا عائدةً من جديد إلي خزائن المانحين الأشد قتراً، فإن ذلك يتسبب في تراجع الطلب الكلي.
.
خلال الأوقات العادية فإن البنك الفدرالي يكون بإمكانه التدخل بضخ جرعات نقدية لإعادة ترتيق الطلب الكلي وإسعافه من خلال تخفيض الفوائد علي القروض، لكن ذلك بدوره ربما كان مستحيلا إذا ما وصل البنك الفدرالي مسبقا بتخفيض فوائد القروض إلي حد الصفر، في ظاهرة يصطلح الإقتصاديون على تسميتها بظاهرة فخ السيولة (The Liquidity Trap)، هذا بالضبط هو ما حدث بالولايات المتحدة الأمريكية في ديسمبر 2008، والذي كان نتيجة له أن غرق الإقتصاد في إنكماش وتباطؤ عميقين – (eggertsson and Krugman, 2012, or Guerrieri and Lorenzon, 2011). فبالرغم من أن صُنّاع السياسة المالية هناك قد قاموا بتوظيف كل مواعين المنشطات النقدية والمالية، ولأنها كانت محدودة الأثر في مقابل التحدي الماثل، فقد كان علي الولايات المتحدة أن تمر بأوقات عصيبة حتي أكتمال التعافي الإقتصادي.
.
في ورقتنا هذي والمعنية بدراسة “فخ السيولة والعسف الإئتماني” (Korinek Simsek, 2016)، من منظورنا فإن الوقت الأمثل لتلافي الأزمات الناتجة عن العسف الإئتماني يتوجب أن يكون مبكرا، وأن الوسائل إلى ذلك يلزمها أن تكون وقائية، بحيث تتخذ المحاذير الكافية في اللحظات التي يأخذ فيها الدين العام في التعاظم والإنفراط، فلو أننا تمكنا من التحكم في ذلك التعاظم، فإنه يصبح بإمكاننا توقع نتائج أقل كارثية خلال لحظات العسف الإئتماني التي ستعقب ذلك، وبالتالي فإننا بذلك نقلل من مقدار الأضرار ومقدار التباطؤ الإقتصادي الوشيك.
.
يتمحور الجدل ههنا حول فكرة المؤثرات علي الطلب الكلي (Externalities)، فإن المقترضين الأفراد إذا ما تركوا أحرارا في خياراتهم، فإنهم سوف لن يضعون في الحسبان البعد الذي يتركه سلوكهم الإئتماني علي الأقدار الكلية للإقتصاد. تشابه الفكرة لحد كبير مسألة التلوث البيئي، حينما يبدو السلوك الفردي من الضآلة بحيث لا ينمو لوعي الأفراد خطورة مساهمة تصرفاتهم المعزولة في خلق أزمة بيئية طاحنة. إن المقترضين الأفراد إنما يأخذون في الحسبان فقط، التدابير اللازمة للتهيؤ للأوقات التي تحل فيها مواعيد الإسترداد للقروض المستحقة عليهم مستقبلا، لكنهم بالطبع غير معنيين بما يمكن أن يتركه سلوكهم الفردي المعزول المتناهي في الضآلة، علي دالة الطلب الكلي.
.
علي أية حال فإنه حينما يجبر، وفي وقت واحد، قطاع لا يستهان به من المقترضين علي الوفاء قسرا بإلتزاماتهم في مقابل إلحاح مانحيهم، فإن الصدمة علي الطلب الكلي تكون قاسية لا محالة. كما أن الوضع يكون من السوء أكثر من ذلك إذا ماكان القطاع النقدي في الدولة قد إصطك مسبقا عند عثرة “فخ السيولة” أو العائد الصفري علي القروض، بحيث يصبح البنك المركزي عاجزا تماما عن تحييد تلك الضغوط السلبية التي يسقطها العسف الإئتماني علي الطلب الكلي، وذلك لتعذر طرح قروض نقدية إنعاشية بثمن بخس. بل تتضاعف في نفس الوقت علي القطاع المالي والإقتصادي أعباء الكلفة الباهظة المترتبة على الدعم الإجتماعي والناجمة عن آثار الكارثة. إن حججا مشابهة قد تمت إثارتها في كتابات حديثة من قبل كتاب من أمثال (Farhi and Werning, 2012/2013, and Schmitt-Groheand Uribe 2016).
.
وكما هو الحال عند المقاربة بالتلوث البيئي، فإنه من المفضل أن يتم الدفع بتشريعات وقائية من أجل تخفيض تنامي الإقتراض، سواء كان ذلك من خلال تحديد أسقف إئتمانية أو من خلال الضريبة (بيغوفيان تاكس)، فإن من شأن ذلك أن يجبر الأفراد المقترضين، علي مراعاة معوقات الطلب الكلي في سلوكهم الإئتماني، وبالتالي تقدير المساقات القصوى لتصرفاتهم.
.
إن المقصد المرجو والحكمة الكلية من مثل هذه التشريعات الإحترازية هو الحد من الإنشطة النقدية التي ربما تسببت في تباطؤ الطلب الكلي، في حالة نشوء حالات عسف إئتماني في القادم من الأيام. علي سبيل المثال فإنه من الأفضل التحكم في التفاقم في الإقتراض وسط الفئات التي ستكون أكثر عرضة لصدمات العسف الإئتماني. كما أنه من الأفضل تشجيع التأمين ضد مخرجات موجات العسف الإئتماني الشاملة، كإلزامية التأمين في أسواق العقار، على سبيل المثال، للتحصن ضد موجات تراجع معدلات الأسعار العقارية التي طالما أرسلت الكثيرين من ملاك المنازل إلي العراء.
.
كما تتعرض الورقة كذلك لتقييس المؤثرات علي الطلب الكلي، الناتجة عن العسف الإئتماني. إن المؤثر الرئيس في دالة الطلب الكلي هو درجة القتر (Spending Thrift) لدي المقترضين بالمقارنة مع مانحيهم، وفي سياق أكاديمي أكثر، كيف يختلفان في معامل الإنفاق (Propensity to Spend). فإنه وفقاً ل (Jappelli and Pistaferri 2014 )، فإن المقترضين المنضوون تحت العشرة بالمائة الأكثر فقرا من المستهلكين، فإنهم يتفوقون بما يزيد عن 25 بالمائة في معامل الميل الإنفاقي في كل دولار يقبضونه، على أولئك الأثرياء الذين يفوقونهم دخلا. فحينما نتحسب للأثر المضاعف (the multiplier effect) للإنفاق الإضافي الذي يحدثه الإقتراض، فإن إعادة موضعة أي دولار من جيوب المقترضين لمانحيهم يفقد السوق مقدار 45 سنتا من الطلب الكلي.
.
فإذا ما أفترضنا أن الإقتصاد يتعرض لطروء أزمات متكررة معززة بموجات عسف إئتماني، مرةً كل ثلاثين عاما، فإن الإستدانة التي تحدثها القطاعات الأعلي إقتراضا في المستهلكين، تتسبب لاحقا، على الأرجح في خلق تراجع في الطلب الكلي بمعدل 1.5% (45%/30) عن كل دولار تم إقتراضه خلال العام الواحد. بالتالي فإن هذا الأثر يمكن مجابهته بما يعادل تحييده، أي بفرض 1.5% ضريبة علي القروض (بيغوفيان تاكس) علي التوسع الإئتماني أو ما يكفي لمعادلة ذلك من الأسقف الإئتمانية.
.
إن السياسة النقدية ربما كانت بديلا غير ملائم للسياسات الإحترازية. ففي جدل كان يدور حديثا، فقد تم مرارا طرح مقترحات بأن يتبني مشرعو السياسة النقدية إتجاهات لرفع كلفة القروض للجم التوسع الإئتماني. ففي ورقتنا تجدنا قد أولينا هذا المساق عناية خاصة. لكننا قد وجدنا أن سياسة سعر الفائدة أو كلفة القروض، هي في أحسن حالاتها بديلا غير ملائم للسياسات الإحترازية ، بل أكثر من ذلك أنها ربما قادت إلي توسع إئتماني. وقد كان المبرر لإستنتاجنا في غاية البساطة: فإن الحكمة التقليدية تتعلق بملاحظة أن تنامي معدل الفائدة على القروض، يقلل من الطلب عليها، هذا إذا ما بقيت كل المتغيرات الأخرى علي ماهي عليه.
.
إنما الحقيقة غير ذلك فإن المتغيرات الأخري لا تبقي علي حال واحد، فإن رفع تكلفة القروض ربما يساهم هو الآخر بقدر ما في التباطؤ، والذي سيؤثر سلبا علي دخول المقترضين، الشئ الذي يدفعهم علي طلب المزيد من القروض لمقابلة التراجع في دخولهم. فإذا ما توفرت السيولة للقروض، كما حدث خلال الأعوام الأولي من الألفية الثانية، فإن الأثر الحتمي لزيادة سعر الفائدة، سيتمخض هو الآخر عن تفاقم إئتماني. وربما فسر ذلك أن سياسة مضاعفة سعر الفائدة التي لجأ إليها البنك الفيدرالي منذ يونيو 2004 قد كانت غير ذات أثر علي تحجيم التوسع الإئتماني.
.
بل أنه حتي في الأوقات التي تصدق فيها الحكمة التقليدية في أن تنجح الزيادة في سعر الفائدة علي كبح جماح التفاقم الإئتماني، ستظل سياسة التلاعب بسعر الفائدة هي الأقل فعالية في مقابل السياسات الإحترازية الأخرى، إذ أن التحكم بفوائد القروض يؤثر علي المانحين والدائنين بنفس القدر، وأنه يخلق إنكماشا غير منتظر. هذا بينما نجد أن التشريعات الإحترازية تعمل على التخذيل من عملية الإقتراض، بحيث تبقي الأموال في معية المانحين، دون الحاجة لإجبار الإقتصاد للتباطؤ والإنكماش.
.
إن السياسات الإحترازية المقترحة تختلف جذريا عن السياسات المالية التقليدية، مما يجعل وصفها بالإحترازية صائبا، ففي العقود السابقات كان الهدف من التشريعات المالية هو تقليل حدود المخاطر وحماية المؤسسات المالية الخاصة من الإنهيار، تجنبا للخسائر التي ستنتج في أوساط المودعين وأصول مؤسسات التأمين. فإنه علي خلاف ذلك فإن منهج السياسات الإحترازية يهدف إلي ترقية التشريعات المالية من كونها تقتصر على التأكد من تعافي المصارف الخاصة، إلي كونها عماد للسياسة الهادفة لإستقرار الإقتصاد الكلي. إن لجم التفاقم الإئتماني لا يحمي المؤسسات المالية الخاصة لوحدها، بل أنه يقلل في نفس الوقت من إحتمالات أزمات التباطؤ الإقتصادي التي تضاعفها عمليات العسف الإئتماني التي ربما تطرأ مستقبلا. وبالتالي فإن من شأن ذلك أن يؤدي لتأمين الإقتصاد الكلي بصورة أشمل.
.
أعد الورقة:
1/ أنطون كورنيك
أستاذ مساعد في الإقتصاد، جامعة جون هوبكينز، بالتشارك مع:
ألب سيمزيك
2/ أستاذ الإقتصاد، بمعهد التكنولوجيا
http://nagibabiker.blogspot.com
nagibabiker@hotmail.com