شكلت المساعدات الإنسانية جنداً رئيسياً فى جميع الجولات التفاوضية التى جرت ما بين الحكومة والحركة الشعبية قطاع الشمال ، وشكلت عائقاً أمام الوصول الى سلام بين الطرفين ، إذ درجت الحركة الشعبية قطاع الشمال على طرح مقترحاتها بتوصيل المساعدات الإنسانية عبر الحدود الدولية ، فى الوقت الذى ترفض فيه الحكومة وتتمسك بدخول المساعدات من الداخل ، بإعتباره ناتجاً من منطلق الحفاظ على سيادة الدولة ، ولكن رفض الحركة الشعبية للمقترح الأمريكى لإيصال المساعدات الإنسانية يؤكد على أن الحركة لا تريد إحلال أى سلام بولاية جنوب كردفان (جبال النوبة) والنيل الأزرق ، ولكن يبدو أن إستمرارية رفض الحركة الشعبية لكل المقترحات المقدمة لإحلال السلام بالمنطقتين خلال أكثر من خمسة عشر جولات ، يؤكد بأن الحركة ما زالت مستمرة فى نهجها غير الموضوعى فى رفض أى مقترح لوقف الحرب وتحقيق السلام أو مساعدة المتضررين من المواطنين وخاصة بالمناطق التى تسيطر عليها ، ثم صياغة المبررات وكيل الإتهامات وحشد الإدعاءات لصرف الأنظار عن مواقفها المتعنتة فى رفض كل الخيارات المطروحة وتجديد إصرارها على إدخال المساعدات من الخارج مما يؤكد الشكوك حول نوايا الحركة فى إستخدام المساعدات الإنسانية لأغراض غير إنسانية.
خاصة بعد إقترحت واشنطون على الحكومة والحركة الشعبية بأن تنقل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية المساعدات الطبية والإنسانية للمدنيين إلى أى مطار سودانى داخلى ، بعد إخضاعها لمراقبة السلطات السودانية لتتأكد من محتوى الشحنة ، ومن ثم نقلها للمتضررين فى مناطق سيطرة الحركة الشعبية قطاع الشمال بجبال النوبة والنيل الأزرق ، فقبلت الحكومة المقترح لكن الحركة الشعبية رفضته وتمسكت بنقل 20% من المساعدات الإنسانية عبر مدينة أصوصا الإثيوبية على الحدود مع السودان ، مما حدى بالمبعوث الأميركى المنتهية ولايته إلى السودان وجنوب السودان دونالد بوث ، بأن يواصل إنتقاده للحركة الشعبية ، وإتهم قادتها بوضع طموحاتهم السياسية فوق مصلحة شعب منطقتى جبال النوبة والنيل الأزرق ، وقال خلال ندوة بمعهد السلام بواشنطن .. أن إستمرار رفض الحركة الشعبية للمقترح الأمريكي بإدخال المساعدات الإنسانية لجنوب كردفان والنيل الأزرق هو بمثابة النظر الى المصالح الذاتية على حساب مصلحة المواطنين ، مشيراً الى وجود متشددين داخل الحركة لا يريدون السلام وإنما يسعون لإطالة أمد الصراع ، وهذا يؤكد ما ذهبنا اليه فى كثير من مقالاتنا ولقاءاتنا ، كما أن هناك متشددين داخل الحكومة يتمسكون بأفكار خاطئة بأنه يمكن تحقيق نصر عسكرى.. وكذلك أن الثلاثى (عرمان .. الحلو .. عقار) أيضا يعتقدون أن من الصواب أن يواصلوا القتال مهما كانت التكلفة بالنسبة لشعبهم حتى يحصلوا على ما يريدون سياسياً.
ولكن بعد التصريحات النارية والصريحة للمبعوث الأمريكى ، والإنتقادات المتوالية والمتكررة لأبناء النوبة ومنسوبى الحركة الشعبية لعرمان وقادة الحركة الشعبية قطاع الشمال ، لقد جن جنونهم وأصابتهم حالة من الهستيريا ، لذلك نفت الحركة الشعبية رفضهم للمقترح الأمريكى لإدخال المساعدات الإنسانية الى المنطقتين ، فقال الأمين العام للحركة ياسر عرمان فى ختام إجتماعات نداء السودان بباريس أن الحركة طالبت بإدخال تعديلات على الإقتراح الأمريكى ولم ترفضه ، وأعلن أيضاً مالك عقار رئيس الحركة الشعبية إستعداد الحركة لمناقشة المبادرة الأميركية لتوصيل المساعدات الإنسانية للمنطقتين ، قائلا إن الحركة لم ترفض المبادرة ولكنها رفضت هيمنة الحكومة السودانية على العملية ، فتضارب التصريحين يؤكد صحة حديث المبعوث برفض قادة الحركة الشعبية للمقترح الأمريكى.
فلذلك نود أن نوضح للسادة القراء والمتابعين للشان الإنسانى فى جبال النوبة والنيل الأزرق بأن الحركة الشعبية لن توافق على أى مقترح لتوصيل المساعدات الإنسانية الى مواطنى المنطقتين ، ما لم يضمن لها وصول الإمداد اللوجستى الذى تحتاجه فى معركتها الطويلة مع الحكومة والهادف أصلاً الى إسقاطها ، وإيجاد البديل وفق رؤية الحركة الشعبية المتمثلة فى السودان الجديد ، وذلك بالتحالف مع أصدقائها القدامى فى دولة جنوب السودان ، والدليل على ذلك ما زالت الحركة الشعبية قطاع الشمال مرتبطة إرتباطا وثيقاً بدولة جنوب السودان عبر الفرقتين التاسعة والعاشرة مشاة ، ولا زالت دولة جنوب السودان رغم نفيها المستمر تدعم قطاع الشمال ومرتبات الجيش الشعبى بقطاع الشمال تصرف بعملة جنوب السودان.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم