الثقافة البصرية والشفاهية لثورة ديسمبر السودانية 2018-2021: الشعارات والهتافات والجداريات بوصفها أدوات مقاومة وبناء للهوية الثورية
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يتناول المقال الثقافة البصرية والشفاهية لثورة ديسمبر السودانية 2018–2021 بوصفها مجالاً مركزياً لفهم ديناميات الفعل الثوري وإنتاج الهوية السياسية في سياق انتقالي معقد. ينطلق العمل من فرضية أساسية مفادها أن الثورة السودانية لم تكن مجرد حدث سياسي تقليدي، بل كانت أيضاً تحولاً ثقافياً عميقاً أعاد تشكيل اللغة العامة، والفضاء الرمزي، وآليات التعبئة، وأنماط التفاعل بين الشارع والسلطة والفضاء الرقمي.
يُظهر التحليل أن الشعارات الثورية مثل “حرية، سلام، وعدالة” و”مدنية” و”تسقط بس” لعبت دوراً محورياً في بناء إجماع ثوري واسع، من خلال قدرتها على الاختزال والتكثيف الرمزي، لكنها في الوقت نفسه حملت درجات عالية من الغموض الدلالي الذي سمح بتعدد التفسيرات السياسية، وأنتج لاحقاً تناقضات في مرحلة الانتقال السياسي. كما تكشف الدراسة أن هذه الشعارات لم تكن مجرد أدوات خطابية، بل كانت مكونات تنظيمية ساهمت في توحيد الحشود وتوجيه الفعل الاحتجاجي.
كما يبرز المقال أهمية الهتافات والأهازيج والشعر الشفاهي بوصفها بنية أساسية في تشكيل الوعي الجمعي، حيث لعبت دوراً في خلق الإيقاع الجماعي للمواكب والاعتصامات، وتعزيز التضامن الاجتماعي، وربط التجربة السياسية بالذاكرة الثقافية المحلية. وقد ساهمت النساء والشباب بشكل خاص في إنتاج هذا الخطاب الشفاهي، بما في ذلك إعادة توظيف الأغاني القديمة وإنتاج أشكال جديدة من التعبير مثل الراب والموسيقى البديلة.
وفي البعد البصري، توثق الدراسة دور الجداريات والرسومات في تحويل الفضاء العام إلى مساحة مقاومة رمزية، حيث أصبحت الجدران أرشيفاً بصرياً للثورة، يوثق الشهداء، ويعيد إنتاج رموز الحرية والسلام. كما يوضح التحليل أن هذه الجداريات تعرضت لصراع مستمر مع السلطة، تمثل في محوها وإعادة رسمها، مما يعكس صراعاً أوسع على الذاكرة العامة.
أما في الفضاء الرقمي، فيبرز المقال الدور المركزي لمنصات مثل فيسبوك في تنظيم الاحتجاجات وتداول الصور والفيديوهات وبناء الخطاب الثوري، إضافة إلى دور الهاشتاقات والميمات في نشر الرسائل السياسية بسرعة. كما يوضح أن قطع الإنترنت والرقابة الرقمية لم يؤديا إلى توقف التعبئة، بل دفعا نحو ابتكار بدائل اتصال وشبكات أكثر مرونة، خاصة عبر الشتات السوداني.
يناقش المقال أيضاً البعد الجندري والثقافي للثورة، حيث لعبت “الكنداكات” دوراً رمزياً وواقعياً في إعادة تعريف حضور المرأة في المجال العام، وتحويل الجسد النسوي إلى رمز مقاومة، مع بروز خطاب نسوي ثوري مرتبط بالعدالة والمساواة والتغيير الاجتماعي. كما يظهر أن التنوع الإثني والثقافي كان جزءاً من الخطاب الثوري، رغم استمرار بعض التوترات المرتبطة بالهامش والمركز.
وفي تحليل الثورة المضادة، يوضح المقال أن الصراع لم يكن سياسياً فقط بل رمزياً أيضاً، حيث تم استهداف الشعارات والجداريات ومحاولة إعادة تشكيل الذاكرة الثورية عبر الإعلام الرسمي وخطاب الدولة، إضافة إلى محاولات إعادة تعريف معنى الثورة بعد انقلاب أكتوبر 2021. ومع ذلك، استمرت الرموز الثورية في التداول داخل الفضاء العام والرقمي، مما يدل على قوة الذاكرة الجمعية واستقلالها النسبي عن السلطة.
ويشير المقال إلى أن الثورة السودانية تتقاطع مع تجارب ثورات عربية وعالمية، لكنها تتميز بخصوصية واضحة تتمثل في مركزية الثقافة الشفاهية والبصرية في بنية الفعل الثوري، مقارنة بثورات أخرى اعتمدت بدرجة أكبر على التنظيم الحزبي أو النقابي.
أما على مستوى التحليل النقدي العام، فيخلص المقال إلى وجود فجوة بين كثافة الإنتاج الرمزي الثوري وضعف الترجمة المؤسسية والسياسية له، إضافة إلى تناقضات داخلية في الشعارات، ومركزية الخرطوم في إنتاج الرموز، وحدود الفضاء الرقمي في إحداث تغيير سياسي مباشر. كما يؤكد أن الفن الثوري، رغم قوته في التوثيق والتعبئة، قد يقع أحياناً في الرومانسية السياسية التي لا تعكس بالكامل تعقيد الواقع السياسي.
وفي النتائج العامة، يخلص المقال إلى أن الثقافة الثورية السودانية اتسمت بتكامل فريد بين الشفاهي والبصري والرقمي، وقدرة عالية على إنتاج هوية جمعية عابرة للانقسامات، مع بروز دور النساء والشباب، لكن في المقابل واجهت حدوداً في التحول إلى مشروع دولة مستقر. كما يؤكد أن استمرار الرموز بعد التراجع السياسي يعكس قوة الذاكرة الجمعية، ويبرز الحاجة إلى حفظ أرشيف ثوري شامل يوثق الإنتاج الثقافي للثورة بمختلف أشكاله.
النص الكامل للمقال
- المقدمة
مثّلت ثورة ديسمبر السودانية التي اندلعت في ديسمبر 2018 واحدة من أكثر الحركات الاحتجاجية كثافةً وتعقيداً في التاريخ السياسي السوداني الحديث، ليس فقط بسبب قدرتها على إسقاط نظام عمر البشير الذي حكم البلاد لثلاثة عقود، وإنما أيضاً بسبب ما أنتجته من ثقافة ثورية بصرية وشفاهية واسعة النطاق أعادت تشكيل المجال العام والهوية الوطنية وخطابات المقاومة السياسية والاجتماعية. فقد تحولت الشوارع والساحات ووسائط التواصل الاجتماعي إلى فضاءات رمزية كثيفة امتلأت بالشعارات والهتافات والجداريات والأغاني والأشعار والرسومات والكاريكاتيرات والوسائط الرقمية التي مارست أدواراً تتجاوز التعبير الاحتجاجي المباشر لتصبح أدوات لإنتاج المعنى السياسي وإعادة تعريف الأمة والسلطة والمواطنة والعدالة (Roksana, 2020).
تميّزت الثورة السودانية بقدرتها على دمج الثقافة الشفاهية السودانية التقليدية مع الأشكال البصرية والرقمية الحديثة، مما أدى إلى تشكل خطاب ثوري متداخل استخدم اللغة العامية، والإيقاع الجماعي، وفنون الشارع، والمنصات الرقمية بوصفها أدوات تعبئة وتنظيم وتوثيق ومقاومة. وقد لعبت هذه الثقافة الثورية دوراً مركزياً في توحيد قطاعات اجتماعية وإثنية ومناطقية مختلفة داخل السودان وخارجه، خاصة في ظل الانقسامات التاريخية التي كرستها الدولة السلطوية والحروب الأهلية الطويلة (de Waal, 2022).
لم تكن الشعارات الثورية مجرد تعبير لغوي عابر، بل شكّلت بنية خطابية اختزلت المطالب السياسية والاجتماعية والأخلاقية للحراك، مثل شعار “حرية، سلام، وعدالة” الذي أصبح بمثابة إطار أيديولوجي جامع للثورة. كما تحولت الجداريات والرسومات إلى أرشيف بصري يوثق لحظات النضال والشهداء والعنف السياسي والأمل الجماعي، بينما لعبت الهتافات والأهازيج والأغاني دوراً محورياً في بناء التضامن الجمعي والحفاظ على الزخم الثوري داخل المواكب والاعتصامات (Dickens, 2021).
تكمن أهمية دراسة الثقافة البصرية والشفاهية لثورة ديسمبر في أنها تكشف كيف استطاعت الجماهير السودانية إنتاج فضاء رمزي بديل ينازع الدولة احتكارها للمعنى والذاكرة والشرعية. كما تسمح هذه الدراسة بفهم العلاقة بين الفن والسياسة، وبين الخطاب الثوري وإعادة بناء الهوية الجمعية في المجتمعات الخارجة من الاستبداد والنزاعات الممتدة. إضافة إلى ذلك، تسهم هذه الدراسة في سد فجوة أكاديمية واضحة في الأدبيات المتعلقة بالسودان، والتي ركزت غالباً على الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية للحراك الثوري، مع إهمال نسبي للأبعاد الثقافية والسيميائية والاتصالية للثورة.
1.1 خلفية تاريخية عن ثورة ديسمبر 2018
جاءت ثورة ديسمبر في سياق تاريخي شديد التعقيد ارتبط بالأزمات البنيوية التي راكمها نظام الإنقاذ منذ استيلائه على السلطة عبر انقلاب عسكري عام 1989 بقيادة عمر البشير والجبهة الإسلامية القومية. فقد شهد السودان خلال العقود الثلاثة التالية تدهوراً اقتصادياً متسارعاً، وتوسّعاً في القمع السياسي، وتفككاً مؤسسياً، وتصاعداً للحروب الأهلية والنزاعات الإثنية، إضافة إلى عزلة دولية واسعة نتيجة الانتهاكات الحقوقية والحروب في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق (Flint & de Waal, 2008).
اعتمد النظام على مزيج من السلطوية الأمنية، والتعبئة الأيديولوجية الإسلامية، والزبائنية الاقتصادية، واستخدام العنف المنظم ضد المعارضين، مما أدى إلى إضعاف الأحزاب السياسية التقليدية والنقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني. ومع ذلك، ظل المجال الاحتجاجي السوداني حياً عبر موجات متكررة من المقاومة الشعبية، أبرزها احتجاجات سبتمبر 2013، والإضرابات المهنية والطلابية المتعددة (Gallab, 2018).
تفاقمت الأزمة الاقتصادية بصورة حادة بعد انفصال جنوب السودان عام 2011 وفقدان الخرطوم معظم عائدات النفط، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم والبطالة وانهيار الخدمات الأساسية. وفي ديسمبر 2018 اندلعت الاحتجاجات في مدينة عطبرة عقب رفع أسعار الخبز والوقود، قبل أن تنتشر بسرعة إلى مختلف المدن السودانية وتتحول من احتجاجات مطلبية إلى حركة ثورية تطالب بإسقاط النظام بالكامل (Young, 2019).
شكّل الإرث التاريخي للثورات السودانية السابقة، خاصة ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985، مرجعاً رمزياً مهماً للحراك الجديد، حيث أعادت الجماهير إنتاج شعارات وأغاني وأشكال احتجاجية مستمدة من الذاكرة الوطنية السودانية. غير أن ثورة ديسمبر تميزت أيضاً باستخدام واسع للوسائط الرقمية وفنون الشارع والهويات البصرية الحديثة، الأمر الذي منحها طابعاً ثقافياً مختلفاً عن سابقاتها (El-Battahani, 2020).
1.2 تطور الحراك الثوري من الاحتجاجات المطلبية إلى الثورة الشاملة
بدأت احتجاجات ديسمبر بوصفها استجابة مباشرة للأزمة المعيشية وارتفاع أسعار الخبز، إلا أنها سرعان ما تحولت إلى حركة سياسية شاملة بفعل التراكم التاريخي للغضب الاجتماعي وفشل النظام في احتواء الأزمة. لعبت الشبكات المهنية والشبابية، وعلى رأسها تجمع المهنيين السودانيين، دوراً حاسماً في نقل الحراك من الطابع العفوي المحلي إلى التعبئة الوطنية المنظمة (Badri, 2021).
ساعدت الشعارات والهتافات الموحدة على توسيع نطاق التعبئة وتجاوز الانقسامات الإثنية والجهوية. فقد انتقل الخطاب الاحتجاجي من المطالب الاقتصادية الجزئية إلى خطاب سياسي وأخلاقي شامل يركز على الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. كما أدى الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي إلى تسريع تداول الرموز الثورية وتوحيد أنماط التعبير بين المدن السودانية والشتات السوداني في الخارج (Ragaei, 2019).
أصبح اعتصام القيادة العامة في الخرطوم مركزاً رمزياً وثقافياً للثورة، حيث تشكل فضاء عام بديل احتضن الندوات السياسية والعروض الموسيقية والرسم الجداري والشعر والغناء الجماعي. وقد لعب هذا الفضاء دوراً محورياً في إعادة تخيل الدولة السودانية المستقبلية، حيث جرى التعبير عن تصورات جديدة للهوية الوطنية والمواطنة والعدالة الاجتماعية (Roksana, 2020).
بعد سقوط البشير في أبريل 2019، دخلت الثورة مرحلة انتقالية اتسمت بالصراع بين القوى المدنية والعسكرية حول طبيعة السلطة الانتقالية. وخلال هذه المرحلة استمرت الثقافة الثورية في لعب دور تعبوي ورقابي، خاصة بعد مجزرة فض الاعتصام في يونيو 2019، إذ تحولت الجداريات وصور الشهداء والهتافات إلى أدوات لحفظ الذاكرة الجماعية ومقاومة محاولات طمس الجرائم والانقلاب على أهداف الثورة (de Waal, 2022).
1.3 أهمية الثقافة البصرية والشفاهية في الحركات الثورية المعاصرة
أصبحت الثقافة البصرية والشفاهية عنصراً مركزياً في الحركات الاحتجاجية الحديثة نتيجة التحولات التي شهدها المجال الإعلامي والرقمي العالمي. فالثورات المعاصرة لا تُخاض فقط عبر التنظيم السياسي التقليدي، بل أيضاً عبر إنتاج الرموز والصور والخطابات والأداءات الجماعية التي تعيد تشكيل الإدراك الجماهيري والفضاء العام (Castells, 2015).
في السياقات السلطوية، تمثل الثقافة البصرية والشفاهية وسيلة فعالة لتجاوز الرقابة الرسمية، إذ تسمح الشعارات والرسومات والهتافات بنقل الرسائل السياسية بسرعة وبتكلفة منخفضة، كما تسهم في خلق شعور بالمشاركة والانتماء الجمعي. وقد أظهرت دراسات عديدة أن الأغاني الثورية وفنون الشارع تؤدي دوراً محورياً في الحفاظ على الزخم العاطفي للحركات الاجتماعية وتعزيز التضامن بين المشاركين (Eyerman & Jamison, 1998).
في الحالة السودانية، اكتسبت الثقافة الثورية أهمية مضاعفة بسبب الطبيعة الشفاهية القوية للمجتمع السوداني، حيث يحتل الشعر والغناء والهتاف مكانة مركزية في الحياة الاجتماعية والسياسية. كما أن ضعف الإعلام المستقل خلال حكم الإنقاذ جعل من الشارع ووسائط التواصل الاجتماعي فضاءين بديلين لإنتاج الخطاب السياسي وتداوله (Mohammad, 2020).
أسهمت الجداريات والرسومات في تحويل المدينة إلى نص بصري مفتوح، بينما أدت الفيديوهات والصور المتداولة على فيسبوك وتويتر وإنستغرام إلى تدويل القضية السودانية وإعادة بناء صورة الثورة عالمياً. وبذلك أصبحت الثقافة البصرية والشفاهية ليست مجرد أدوات تعبير، بل آليات لإنتاج السلطة الرمزية ومقاومة الهيمنة السياسية والثقافية.
1.4 إشكالية الدراسة
تتمثل الإشكالية الأساسية لهذه الدراسة في فهم الكيفية التي أسهمت بها الشعارات والهتافات والجداريات والأشكال البصرية والشفاهية الأخرى في بناء الهوية الثورية السودانية وإنتاج فضاء مقاوم خلال الفترة الممتدة من ديسمبر 2018 حتى انقلاب أكتوبر 2021. كما تسعى الدراسة إلى تحليل العلاقة بين الثقافة الثورية والتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها السودان خلال هذه المرحلة.
تنطلق الدراسة من ملاحظة وجود فجوة واضحة في الأدبيات المتعلقة بثورة ديسمبر، حيث ركزت غالبية الدراسات على التحولات السياسية والمؤسساتية والأمنية، بينما ظلت الثقافة الثورية وأبعادها السيميائية والاتصالية موضوعاً محدود التناول. كذلك تطرح الدراسة سؤالاً حول مدى قدرة الفن والخطاب الرمزي على إحداث تحول سياسي مستدام في سياقات الانتقال الهش والصراع على السلطة.
1.5 أسئلة الدراسة
- كيف أسهمت الشعارات والهتافات والجداريات في تشكيل الهوية الثورية السودانية؟
- ما الأدوار السياسية والاجتماعية والثقافية التي أدتها الثقافة البصرية والشفاهية خلال الثورة؟
- كيف أعادت الثورة السودانية إنتاج الرموز الوطنية والتاريخية؟
- ما العلاقة بين الفضاء الرقمي والثقافة الثورية في السودان؟
- كيف استخدمت السلطة والثورة المضادة أدوات رمزية مضادة لمواجهة الخطاب الثوري؟
- إلى أي مدى أسهمت الثقافة الثورية في استدامة الحراك بعد سقوط البشير؟
1.6 فرضيات الدراسة
تفترض الدراسة أن الثقافة البصرية والشفاهية لعبت دوراً مركزياً في نجاح الثورة السودانية من خلال إنتاج خطاب جماعي موحد وتعبئة الجماهير وبناء ذاكرة مقاومة مشتركة. كما تفترض أن الفضاء الرقمي ساعد في توسيع انتشار الرموز الثورية وتحويلها إلى أدوات عابرة للحدود الجغرافية. إضافة إلى ذلك، تفترض الدراسة أن الصراع السياسي خلال المرحلة الانتقالية كان أيضاً صراعاً على الرموز والمعاني والذاكرة العامة.
1.7 أهداف الدراسة
تهدف الدراسة إلى تحليل الثقافة البصرية والشفاهية لثورة ديسمبر بوصفها أداة مقاومة سياسية وبناء هوية جماعية. كما تسعى إلى توثيق وتحليل الشعارات والهتافات والجداريات والمواد الرقمية المرتبطة بالثورة، والكشف عن أبعادها السيميائية والسياسية والاجتماعية، إضافة إلى فهم علاقتها بالفضاء العام والتحولات السياسية في السودان.
1.8 أهمية الدراسة النظرية والسياسية والثقافية
تكتسب الدراسة أهميتها النظرية من مساهمتها في تطوير فهم العلاقة بين الثقافة والسياسة والحركات الاجتماعية في السياقات العربية والأفريقية. كما تقدم إسهاماً في دراسات الاتصال السياسي وفنون المقاومة والذاكرة الجمعية. أما سياسياً، فتساعد الدراسة في فهم الكيفية التي تستخدم بها الجماهير الرموز والفنون لبناء الشرعية ومقاومة السلطوية. ثقافياً، تسهم الدراسة في حفظ أرشيف الثورة السودانية بوصفه جزءاً من الذاكرة الوطنية.
1.9 حدود الدراسة الزمنية والمكانية
تركز الدراسة على الفترة الممتدة من اندلاع احتجاجات ديسمبر 2018 حتى انقلاب 25 أكتوبر 2021. وتشمل الدراسة الفضاءات الثورية داخل السودان، خاصة الخرطوم وعطبرة ومدني وبورتسودان ونيالا، إضافة إلى أنشطة السودانيين في المهجر والفضاءات الرقمية المرتبطة بالثورة.
1.10 منهجية الدراسة ومصادر البيانات
تعتمد الدراسة على المنهج النوعي متعدد الأدوات، بما يشمل تحليل الخطاب، والتحليل السيميائي، وتحليل المحتوى البصري والشفاهي. كما تعتمد على جمع البيانات من الجداريات والصور والفيديوهات والمنشورات الرقمية والأغاني والهتافات والبيانات السياسية والمواد الصحفية والأكاديمية المتعلقة بالثورة.
تشمل مصادر البيانات الدراسات الأكاديمية المحكمة، وأرشيفات وسائل الإعلام الدولية والمحلية، وصفحات لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين، والمحتوى المنشور على منصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى مشاريع التوثيق الفني للثورة السودانية.
1.11 الإطار النظري العام للدراسة
تعتمد الدراسة على مجموعة من المقاربات النظرية المتداخلة، تشمل نظريات الحركات الاجتماعية، ونظريات الاتصال السياسي، والسيميائيات، ودراسات الذاكرة الجمعية، والنظريات النقدية المتعلقة بالفضاء العام والثقافة المقاومة. كما تستفيد من أعمال بيير بورديو حول السلطة الرمزية، ويورغن هابرماس حول المجال العام، ومانويل كاستلز حول الشبكات والاتصال، وستيوارت هول حول التمثيل الثقافي والهوية.
الإطار النظري والمفاهيمي
2.1 مفهوم الثقافة الثورية
تشير الثقافة الثورية إلى مجموع الممارسات الرمزية والخطابية والفنية التي تنتجها الحركات الاحتجاجية بهدف إعادة تعريف الواقع السياسي والاجتماعي وبناء هوية جماعية مقاومة. وتشمل هذه الثقافة الشعارات والهتافات والأغاني والجداريات والرموز البصرية والطقوس الجماعية التي تسهم في خلق إحساس بالمشاركة والانتماء المشترك (Eyerman & Jamison, 1998).
في الثورة السودانية، اتخذت الثقافة الثورية طابعاً تفاعلياً مفتوحاً جمع بين التراث الشفاهي السوداني والوسائط الرقمية الحديثة. وقد أدى هذا التداخل إلى إنتاج خطاب ثوري ديناميكي قادر على الانتشار السريع والتكيف مع التحولات السياسية والميدانية.
2.2 نظريات الاتصال السياسي والحشد الجماهيري
ترى نظريات الاتصال السياسي أن الحركات الاجتماعية تعتمد على إنتاج الرسائل والخطابات القادرة على تعبئة الجماهير وإعادة تشكيل الإدراك العام. ويؤكد كاستلز أن الشبكات الرقمية أصبحت فضاءات مركزية للحشد وبناء القوة السياسية في العصر الحديث (Castells, 2015).
في السياق السوداني، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مهماً في نشر الشعارات والفيديوهات والصور وتنسيق المواكب، بينما وفرت الهتافات والجداريات أدوات اتصال ميدانية مباشرة داخل الشارع الثوري. كما أسهم التفاعل بين الإعلام الرقمي والشفاهي في تجاوز الرقابة الأمنية وإنتاج خطاب جماهيري واسع الانتشار.
2.3 نظريات الرموز والهوية الجمعية
تؤكد نظريات الهوية الجمعية أن الحركات الاجتماعية تحتاج إلى رموز وخطابات مشتركة تخلق شعوراً بالانتماء والوحدة بين المشاركين. وتعمل الشعارات والرموز على اختزال المطالب السياسية في صيغ قابلة للتداول والتكرار، مما يسهل عملية التعبئة الجماهيرية (Melucci, 1996).
في الثورة السودانية، لعبت رموز مثل “الكنداكة” وصور الشهداء وشعار “حرية، سلام، وعدالة” دوراً أساسياً في بناء هوية ثورية عابرة للانقسامات الجهوية والإثنية. كما ساعدت الجداريات والملصقات الرقمية في ترسيخ هذه الهوية داخل المجال العام.
2.4 الفن السياسي وفنون الشارع بوصفها مقاومة
يُنظر إلى فنون الشارع باعتبارها شكلاً من أشكال المقاومة الرمزية ضد السلطة، حيث تعيد الجماهير استخدام الفضاء الحضري للتعبير عن مطالبها السياسية والاجتماعية. وتمثل الجداريات والغرافيتي تحدياً لاحتكار الدولة للفضاء العام وللخطاب البصري الرسمي (Chaffee, 1993).
في السودان، تحولت الجدران إلى مساحات مفتوحة للتعبير الثوري، حيث امتلأت بصور الشهداء والشعارات السياسية ورسومات الحرية والسلام. وقد لعبت هذه الجداريات دوراً مزدوجاً بوصفها أدوات تعبئة وتوثيق وذاكرة جماعية في الوقت نفسه.
2.5 الذاكرة الجمعية والفضاء العام
يشير مفهوم الذاكرة الجمعية إلى الكيفية التي تبني بها المجتمعات سرديات مشتركة حول الماضي من خلال الرموز والطقوس والخطابات (Halbwachs, 1992). وفي السياقات الثورية، تصبح الذاكرة أداة مركزية لمقاومة النسيان والعنف السياسي.
مثّلت صور الشهداء والجداريات والأغاني الثورية في السودان أدوات لإنتاج ذاكرة جماعية مضادة للرواية الرسمية للدولة. كما أصبح اعتصام القيادة العامة فضاءً عاماً بديلاً تجسدت فيه تصورات جديدة للمواطنة والتضامن الوطني.
2.6 الوسائط الرقمية وإعادة إنتاج الخطاب الثوري
أدت الوسائط الرقمية دوراً محورياً في إعادة تشكيل الاتصال السياسي خلال الثورة السودانية، حيث سمحت بتداول الصور والفيديوهات والشعارات بصورة فورية وعابرة للحدود. كما أسهمت في إنتاج أرشيف رقمي واسع للحراك الثوري (Tufekci, 2017).
ساعدت المنصات الرقمية في تحويل الشعارات المحلية إلى رموز عالمية، كما وفرت فضاءً لتوثيق الانتهاكات ومقاومة الرقابة الرسمية. وقد لعب السودانيون في المهجر دوراً مهماً في إعادة تدوير الخطاب الثوري وتدويله عبر هذه الوسائط.
2.7 العلاقة بين الفن والسلطة في السياقات السلطوية
في الأنظمة السلطوية، تسعى الدولة إلى احتكار المجال الرمزي والتحكم في الفضاء العام والإنتاج الثقافي. لذلك يصبح الفن المعارض تهديداً مباشراً لشرعية السلطة لأنه يكشف تناقضاتها ويعيد تعريف الواقع السياسي (Scott, 1990).
في السودان، تعامل النظام السابق مع الجداريات والهتافات والأغاني الثورية بوصفها أدوات تحريض سياسي، فمارس الرقابة والقمع ضد الفنانين والناشطين. غير أن الثورة أعادت تحرير المجال البصري والشفاهي بصورة غير مسبوقة.
2.8 الشعر الشفاهي والهتاف الجماهيري كأدوات تعبئة
يحتل الشعر الشفاهي والهتاف مكانة مركزية في الثقافة السودانية، حيث ارتبطا تاريخياً بالمقاومة والحشد السياسي والاجتماعي. وخلال الثورة، أصبحت الهتافات الجماعية وسيلة لإنتاج الإيقاع المشترك والتضامن العاطفي داخل المواكب والاعتصامات (Dickens, 2021).
كما أدت الأغاني والأهازيج دوراً مهماً في الحفاظ على المعنويات وتخليد الشهداء وتحويل الحزن الجماعي إلى طاقة مقاومة. وقد ساعدت الطبيعة التكرارية والإيقاعية للهتافات في ترسيخ الشعارات الثورية داخل الوعي الجماهيري.
2.9 الجدارية باعتبارها نصاً سياسياً بصرياً
يمكن قراءة الجدارية بوصفها نصاً بصرياً يحمل دلالات سياسية وثقافية متعددة، حيث تستخدم الألوان والرموز والصور لإنتاج معانٍ تتجاوز اللغة المكتوبة. وتمثل الجداريات الثورية شكلاً من أشكال إعادة امتلاك المدينة والفضاء العام (Mirzoeff, 2011).
في الثورة السودانية، تحولت الجداريات إلى أرشيف بصري يوثق الشهداء والمواكب والأحلام الجماعية. كما استخدمت لإعادة كتابة التاريخ الوطني من منظور شعبي مضاد للرواية الرسمية.
2.10 التحليل السيميائي للشعارات الثورية
يعتمد التحليل السيميائي على دراسة العلامات والرموز ودلالاتها داخل السياقات الاجتماعية والسياسية. وتُعد الشعارات الثورية علامات مكثفة تختزل رؤى ومطالب وأيديولوجيات معقدة في صيغ لغوية قصيرة وقابلة للتداول (Barthes, 1977).
في الحالة السودانية، حملت الشعارات معاني متعددة تتعلق بالحرية والكرامة والعدالة والهوية الوطنية. كما استخدمت اللغة العامية والإيقاع والتكرار لإنتاج تأثير عاطفي وجماهيري واسع، الأمر الذي منح الخطاب الثوري قدرة كبيرة على الانتشار والتعبئة.
- السياق السياسي والاجتماعي لثورة ديسمبر
شكّلت ثورة ديسمبر السودانية نتاجاً لتراكم تاريخي طويل من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي عاشها السودان تحت حكم نظام الإنقاذ بين عامي 1989 و2019. ولم يكن الحراك الثوري مجرد انفجار غضب اقتصادي عابر، بل مثّل لحظة تاريخية تفاعلت فيها عوامل التهميش السياسي، والانهيار الاقتصادي، والقمع السلطوي، والحروب الأهلية، والتحولات الديموغرافية والثقافية، مع ظهور أجيال جديدة من الشباب والنساء والمهنيين الذين أعادوا تعريف معنى الفعل السياسي والمجال العام في السودان (de Waal, 2022).
تميّزت الثورة السودانية كذلك بخصوصية اجتماعية وثقافية واضحة، حيث ارتبطت بصورة وثيقة بتحولات الهوية الوطنية وإعادة بناء مفهوم المواطنة في دولة عانت طويلاً من الانقسامات الإثنية والجهوية. كما لعبت المدن الكبرى، خاصة الخرطوم وعطبرة ومدني، دوراً محورياً في تشكيل الفضاءات الاحتجاجية الجديدة التي امتزج فيها النشاط السياسي بالفن والموسيقى والهتاف والجداريات، مما منح الثورة طابعاً ثقافياً وجمالياً استثنائياً مقارنة بكثير من الحركات الاحتجاجية الأخرى في المنطقة العربية والأفريقية.
3.1 الأزمة الاقتصادية والاجتماعية قبل الثورة
شهد السودان خلال العقد الأخير من حكم البشير أزمة اقتصادية عميقة ارتبطت بفقدان عائدات النفط بعد انفصال جنوب السودان عام 2011، حيث خسر السودان ما يقارب ثلاثة أرباع موارده النفطية، الأمر الذي أدى إلى تدهور قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع الخدمات الأساسية، وتصاعد معدلات الفقر والبطالة (Young, 2019).
اعتمد النظام على سياسات اقتصادية ريعية وزبائنية عززت الفساد وعدم المساواة، بينما جرى تفكيك قطاعات التعليم والصحة والخدمات العامة تدريجياً لصالح شبكات الولاء السياسي والأمني. وقد انعكس ذلك بصورة واضحة على الطبقة الوسطى الحضرية التي تعرضت لتآكل اقتصادي واجتماعي واسع، خاصة بين الشباب والخريجين والمهنيين (Gallab, 2018).
أدى ارتفاع أسعار الخبز والوقود في ديسمبر 2018 إلى اندلاع الاحتجاجات الأولى في عطبرة، لكن سرعة انتشارها كشفت أن الأزمة لم تكن اقتصادية فحسب، بل كانت مرتبطة بانهيار الثقة الكامل في النظام السياسي. كما لعب الشعور بالإذلال الاجتماعي وغياب الأفق المستقبلي دوراً مهماً في تحويل الغضب الاقتصادي إلى ثورة سياسية شاملة (El-Battahani, 2020).
3.2 أثر الاستبداد الطويل على الوعي الجمعي
أسهمت ثلاثة عقود من الحكم السلطوي في تشكيل وعي جمعي قائم على الخوف والرقابة والانقسام الاجتماعي، حيث اعتمد النظام على الأجهزة الأمنية والقوانين الاستثنائية لقمع المعارضة وتقييد المجال العام. كما استخدمت السلطة الخطاب الديني والإعلام الرسمي لإعادة إنتاج شرعيتها ووصم المعارضين بوصفهم خونة أو عملاء أو مهددين للاستقرار الوطني (Flint & de Waal, 2008).
غير أن هذا القمع الطويل أنتج أيضاً ثقافة مقاومة تراكمية ظهرت في الجامعات والنقابات والأحياء الشعبية ووسائل التواصل الاجتماعي. ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية والسياسية، بدأت شرائح واسعة من المجتمع، خاصة الشباب، في تجاوز حاجز الخوف واستعادة المجال العام عبر الاحتجاجات والهتافات والشعارات الساخرة والرسومات المناهضة للنظام (Scott, 1990).
أدى الاستخدام الواسع للسخرية السياسية والكاريكاتير والهتافات الجماعية إلى تفكيك الهيبة الرمزية للنظام، حيث تحولت الشعارات الثورية إلى أدوات لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والجمهور. كما لعبت الثقافة البصرية دوراً مهماً في تقويض الخطاب الرسمي وإنتاج سردية بديلة عن الدولة والهوية الوطنية.
3.3 الحروب والهامش والهوية الوطنية
شكّلت الحروب الأهلية الممتدة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وجنوب السودان عنصراً مركزياً في تشكيل السياق السياسي والاجتماعي للثورة. فقد أدت هذه الحروب إلى تعميق الانقسامات الإثنية والجهوية وإنتاج شعور واسع بالتهميش لدى سكان الأطراف السودانية (de Waal, 2022).
خلال الثورة، برزت محاولة واعية لإعادة تعريف الهوية الوطنية السودانية بصورة أكثر شمولاً، حيث جرى التركيز على شعارات الوحدة والعدالة والسلام والمواطنة المتساوية. كما ظهرت رموز ثقافية ولغوية وموسيقية تعبّر عن التنوع السوداني، في محاولة لمواجهة الإرث الإقصائي للدولة المركزية (Mamdani, 2020).
لعبت الجداريات والأغاني والهتافات دوراً مهماً في دمج قضايا الهامش داخل الخطاب الثوري، خاصة عبر استحضار أسماء الضحايا والمناطق المتأثرة بالحروب، وربط العدالة الانتقالية بمشروع إعادة بناء الدولة الوطنية.
3.4 دور الشباب والنساء والطلاب
مثّل الشباب القوة الاجتماعية الأساسية للثورة السودانية، حيث قادوا المواكب، وأداروا الحملات الرقمية، وابتكروا الأشكال التعبيرية الجديدة للحراك. وقد ارتبط هذا الدور بالتحولات الديموغرافية، إذ يشكل الشباب غالبية السكان في السودان، بينما عانوا بصورة خاصة من البطالة والتهميش وانعدام الفرص (Badri, 2021).
لعبت النساء دوراً محورياً وغير مسبوق في الثورة، ليس فقط كمشاركات في الاحتجاجات، بل بوصفهن منتجات للخطاب الثوري ذاته. وأصبحت صورة “الكنداكة” رمزاً مركزياً للثورة، حيث جرى استدعاء الإرث التاريخي للملكات النوبيات لإعادة تعريف المرأة السودانية بوصفها فاعلاً سياسياً وثقافياً أساسياً (Mukhtar, 2019).
كما شكّلت الجامعات والمدارس فضاءات رئيسية للاحتجاج والتنظيم السياسي، حيث لعب الطلاب دوراً مهماً في نشر الشعارات والهتافات والرسومات الثورية، وربط الأحياء السكنية بالحراك الوطني العام.
3.5 التحولات في بنية الطبقة الوسطى السودانية
أدت السياسات الاقتصادية لنظام الإنقاذ إلى إعادة تشكيل الطبقة الوسطى السودانية بصورة جذرية. فقد تعرضت قطاعات واسعة من الموظفين والمهنيين والأكاديميين إلى التدهور الاقتصادي وفقدان الاستقرار الاجتماعي، بينما صعدت شبكات اقتصادية مرتبطة بالسلطة والأجهزة الأمنية (El-Battahani, 2020).
أدى هذا التحول إلى إنتاج شعور واسع بالاغتراب لدى الطبقة الوسطى الحضرية، خاصة بين الأجيال الشابة المتعلمة التي فقدت الثقة في إمكانيات الصعود الاجتماعي التقليدي. وقد انعكس ذلك في الخطاب الثوري الذي ركز بصورة متكررة على الكرامة والعدالة والحرية بوصفها مطالب أخلاقية واجتماعية وليست سياسية فقط.
كما لعب المهنيون والأطباء والمعلمون والمحامون والصحفيون دوراً مهماً في تنظيم الحراك وإنتاج خطابه السياسي والثقافي، مما منح الثورة طابعاً مدنياً واضحاً.
3.6 صعود لجان المقاومة
تُعد لجان المقاومة واحدة من أهم الظواهر التنظيمية التي أفرزتها الثورة السودانية. فقد تشكلت هذه اللجان بصورة محلية داخل الأحياء السكنية بهدف تنظيم المواكب وتأمين المتظاهرين وتنسيق العمل الميداني، لكنها سرعان ما تحولت إلى بنية سياسية واجتماعية وثقافية واسعة التأثير (Mutasim, 2022).
تميّزت لجان المقاومة بطابعها الأفقي واللامركزي، الأمر الذي منحها قدرة كبيرة على الاستمرار والتكيف رغم القمع الأمني. كما لعبت دوراً محورياً في إنتاج الشعارات والبيانات والهتافات والمواد البصرية التي شكّلت الخطاب الثوري الشعبي.
أسهمت هذه اللجان كذلك في تحويل الأحياء السكنية إلى فضاءات سياسية وثقافية نشطة، حيث جرى تنظيم الجداريات والندوات والعروض الفنية والأنشطة الجماعية المرتبطة بالثورة.
3.7 دور تجمع المهنيين السودانيين
لعب تجمع المهنيين السودانيين دوراً مركزياً في تحويل الاحتجاجات المتفرقة إلى حركة وطنية منظمة. فقد استطاع التجمع، الذي ضم شبكات من الأطباء والمعلمين والمهندسين والمحامين والصحفيين، أن يوفر قيادة مهنية ذات مصداقية للحراك الثوري (Badri, 2021).
أصدر التجمع بيانات المواكب والجداول الاحتجاجية، كما ساعد في توحيد الخطاب السياسي والشعارات المركزية للثورة. وقد شكّل استخدامه المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي نموذجاً جديداً للقيادة السياسية غير الحزبية في السودان.
إضافة إلى دوره التنظيمي، ساهم التجمع في إنتاج خطاب ثوري مدني ركز على قيم الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان، مما جعله أحد أهم الفاعلين الرمزيين خلال الثورة.
3.8 أثر وسائل التواصل الاجتماعي في التنظيم والتعبئة
أدت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في الثورة السودانية، حيث تحولت منصات مثل فيسبوك وتويتر وواتساب إلى أدوات رئيسية للتنظيم والتعبئة ونشر المعلومات. وقد سمحت هذه الوسائط بتجاوز القيود التي فرضها الإعلام الرسمي والأجهزة الأمنية (Tufekci, 2017).
ساعدت المنصات الرقمية في تداول الشعارات والصور والفيديوهات والهتافات بصورة لحظية، كما وفرت فضاءً لتوثيق الانتهاكات الأمنية وتنسيق المواكب والإضرابات. وأصبحت الصور والجداريات والملصقات الرقمية جزءاً أساسياً من الخطاب الثوري اليومي.
كما لعب السودانيون في المهجر دوراً مهماً في إعادة نشر المحتوى الثوري وتدويله، الأمر الذي ساعد في بناء تضامن دولي واسع مع الثورة السودانية.
3.9 الفضاءات الحضرية الجديدة للاحتجاج
أعادت الثورة السودانية تعريف استخدام المدينة والفضاء الحضري، حيث تحولت الشوارع والجسور والجدران والساحات العامة إلى مساحات سياسية وثقافية مفتوحة. وقد أدى ذلك إلى كسر احتكار الدولة للمجال العام وإعادة إنتاج المدينة بوصفها فضاءً للمشاركة الجماعية (Habermas, 1989).
ظهرت خلال الثورة أشكال جديدة من الاستخدام الرمزي للفضاء الحضري، مثل الجداريات، والمنصات الموسيقية، والعروض الشعرية، والمكتبات الثورية، والمعارض الفنية المفتوحة. كما لعبت الأحياء السكنية دوراً مهماً في بناء شبكات التضامن والمقاومة المحلية.
ساهم هذا التحول في جعل المدينة نفسها جزءاً من الخطاب الثوري، حيث أصبحت الجدران والشوارع تحمل ذاكرة الثورة ورموزها البصرية والشفاهية.
3.10 الاعتصام بوصفه فضاءً ثقافياً وسياسياً
شكّل اعتصام القيادة العامة في الخرطوم ذروة التجربة الثورية السودانية، حيث تحوّل إلى فضاء ثقافي وسياسي واجتماعي متكامل جمع بين الاحتجاج والفن والتنظيم الجماعي. وقد احتوى الاعتصام على منصات للغناء والشعر والرسم والندوات السياسية والمبادرات الثقافية، مما جعله نموذجاً مصغراً للمجتمع الذي حلم به الثوار (Roksana, 2020).
أصبحت الجداريات داخل الاعتصام أرشيفاً بصرياً مفتوحاً للثورة، بينما لعبت الأغاني والهتافات دوراً في تعزيز الإحساس بالتضامن والانتماء. كما ساعد الاعتصام في إعادة بناء العلاقات الاجتماعية بين فئات مختلفة من المجتمع السوداني، وتجاوز الانقسامات الإثنية والطبقية والجهوية.
بعد فض الاعتصام في يونيو 2019، تحوّل المكان نفسه إلى رمز للذاكرة الجماعية والمقاومة، حيث استمرت صور الشهداء والرسومات والشعارات في تمثيل الحضور الرمزي للثورة داخل المجال العام السوداني.
- الشعارات الثورية: البنية والدلالات
مثّلت الشعارات الثورية أحد أهم المكونات الرمزية لثورة ديسمبر السودانية، حيث أدت دوراً مركزياً في التعبئة الجماهيرية وبناء الهوية الجمعية وصياغة الخطاب السياسي للحراك. ولم تكن هذه الشعارات مجرد أدوات لغوية عابرة، بل شكلت بنى دلالية مكثفة اختزلت مطالب الثورة ورؤيتها الأخلاقية والسياسية في عبارات قصيرة سهلة التداول والتكرار (Barthes, 1977).
تميّزت الشعارات السودانية بقدرتها على الجمع بين البساطة والقوة التعبيرية، كما جمعت بين العامية السودانية والإيقاع الشفاهي والسخرية السياسية والرموز الوطنية. وقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مهماً في انتشار هذه الشعارات وتحويلها إلى جزء من الثقافة اليومية داخل السودان وخارجه.
4.1 نشأة الشعارات المركزية للثورة
ظهرت الشعارات الأولى للثورة في سياق الاحتجاجات الاقتصادية المرتبطة بالخبز والوقود، لكنها سرعان ما تطورت إلى شعارات سياسية تطالب بإسقاط النظام. وقد ساعدت الطبيعة الشفاهية للحراك السوداني في إنتاج شعارات قصيرة وقابلة للترديد الجماعي داخل المواكب والاعتصامات (Dickens, 2021).
استمدت بعض الشعارات جذورها من التاريخ السياسي السوداني ومن ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985، بينما ظهرت شعارات جديدة تعكس خصوصية اللحظة الثورية الراهنة. كما لعبت لجان المقاومة والنشطاء الرقميون دوراً مهماً في تداول الشعارات وتوحيدها على المستوى الوطني.
4.2 “تسقط بس” بوصفها شعاراً اختزالياً للثورة
يُعد شعار “تسقط بس” أكثر شعارات الثورة السودانية شهرة وتأثيراً، حيث اختزل بصورة مكثفة مطلب إسقاط النظام دون الدخول في تفاصيل أيديولوجية أو حزبية. وتميز الشعار ببنيته اللغوية البسيطة والإيقاعية، مما سهّل انتشاره وتحوله إلى رمز جامع للحراك الثوري (Ragaei, 2019).
يحمل الشعار بعداً نفسياً مهماً، إذ يعكس اليقين الجماعي بإمكانية سقوط النظام رغم عقود القمع الطويلة. كما أدى استخدام العامية السودانية إلى تعزيز القرب العاطفي بين الشعار والجماهير، وتحويله إلى تعبير يومي عن المقاومة والأمل.
4.3 “حرية سلام وعدالة” كبنية خطابية جامعة
شكّل شعار “حرية، سلام، وعدالة” الإطار القيمي والأيديولوجي الأوسع للثورة السودانية. ويتميز الشعار ببنيته الثلاثية التي تربط بين الحقوق السياسية والعدالة الاجتماعية وإنهاء الحروب، الأمر الذي جعله قادراً على استيعاب مطالب قوى اجتماعية ومناطقية متعددة (de Waal, 2022).
يحمل مفهوم الحرية دلالات تتعلق بإسقاط السلطوية والقمع، بينما يرتبط السلام بمعالجة الحروب والتهميش التاريخي، وتشير العدالة إلى العدالة الانتقالية وإعادة توزيع السلطة والثروة. وقد ساعد هذا التكوين الخطابي على بناء هوية ثورية عابرة للانقسامات التقليدية.
4.4 “الثورة خيار الشعب” وإعادة تعريف الشرعية
ظهر شعار “الثورة خيار الشعب” بوصفه رداً مباشراً على محاولات السلطة تصوير الحراك كفوضى أو مؤامرة خارجية. وقد أعاد الشعار تعريف مفهوم الشرعية السياسية باعتبارها نابعة من الإرادة الشعبية لا من القوة العسكرية أو الخطاب الأيديولوجي (Melucci, 1996).
أسهم هذا الشعار في ترسيخ فكرة السيادة الشعبية، كما عزز التصور الجماعي للثورة باعتبارها تعبيراً عن الإرادة الوطنية الشاملة. وقد جرى استخدامه بصورة واسعة في المواكب والبيانات والجداريات.
4.5 “مدنية” والصراع حول طبيعة الدولة
برز شعار “مدنية” بصورة قوية بعد سقوط البشير، خاصة خلال الصراع بين القوى المدنية والعسكرية حول السلطة الانتقالية. وتميز الشعار باختزاله للصراع السياسي في سؤال مركزي يتعلق بطبيعة الدولة ومصدر الشرعية السياسية (El-Battahani, 2020).
أصبح ترديد “مدنية” في المواكب والهتافات بمثابة إعلان جماعي لرفض الحكم العسكري والمطالبة بدولة ديمقراطية مدنية. كما حمل الشعار أبعاداً رمزية تتعلق بمواجهة الإرث الطويل للعسكر والإسلاميين في الحياة السياسية السودانية.
4.6 الشعارات المناهضة للعسكر والإسلاميين
أنتجت الثورة عدداً كبيراً من الشعارات المناهضة للمؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية المرتبطة بنظام الإنقاذ. وقد اتسمت هذه الشعارات بحدة لغوية وسخرية سياسية واضحة، حيث جرى تصوير النظام بوصفه مسؤولاً عن الفساد والحروب والقمع (Scott, 1990).
كما استخدمت الشعارات الساخرة لتقويض الهيبة الرمزية للسلطة، خاصة عبر الكاريكاتير والهتافات الجماعية. وقد شكّل هذا الاستخدام للسخرية أحد أهم أدوات المقاومة الثقافية في الثورة السودانية.
4.7 الشعارات الخاصة بالشهداء والعدالة الانتقالية
احتلت قضية الشهداء مكانة مركزية داخل الخطاب الثوري، حيث ظهرت شعارات عديدة تربط بين الثورة والعدالة والقصاص. وأسهمت هذه الشعارات في تحويل الضحايا إلى رموز أخلاقية ووطنية للمقاومة (Halbwachs, 1992).
كما لعبت صور الشهداء وأسماؤهم دوراً مهماً في بناء الذاكرة الجمعية للثورة، حيث تحولت الجدران ووسائل التواصل الاجتماعي إلى فضاءات لتخليدهم ومقاومة النسيان.
4.8 الشعارات المرتبطة بالنساء ودور الكنداكات
مثّلت المرأة السودانية أحد أهم الرموز الثقافية للثورة، وظهر ذلك بوضوح في الشعارات المرتبطة بالكنداكات والحرية والمشاركة النسوية. وقد أعادت هذه الشعارات تعريف دور المرأة داخل المجال العام والسياسي (Badri, 2021).
ارتبطت صورة الكنداكة بالقيادة والشجاعة والكرامة الوطنية، كما استخدمت الجداريات والهتافات لتأكيد مركزية النساء في الحراك الثوري ومواجهة الخطابات الذكورية المحافظة.
4.9 الشعارات الساخرة والكاريكاتورية
لعبت السخرية السياسية دوراً بارزاً في الثورة السودانية، حيث استخدمت الشعارات الساخرة والكاريكاتير لتفكيك خطاب السلطة وإضعاف هيبتها الرمزية. وقد تميزت هذه الشعارات بالذكاء اللغوي والتلاعب بالألفاظ واستخدام العامية السودانية بصورة إبداعية (Barthes, 1977).
ساعدت السخرية كذلك في تخفيف الخوف والتوتر داخل المواكب، وتحويل الاحتجاج إلى تجربة جماعية تحمل أبعاداً ثقافية وفنية إضافة إلى بعدها السياسي.
4.10 التحولات الزمنية للشعارات بين 2018 و2021
شهدت الشعارات الثورية تحولات واضحة مع تغير السياق السياسي بين 2018 و2021. ففي المرحلة الأولى ركزت الشعارات على إسقاط النظام، بينما انتقلت بعد سقوط البشير إلى قضايا الحكم المدني والعدالة الانتقالية والإصلاح المؤسسي (de Waal, 2022).
بعد انقلاب أكتوبر 2021، عادت الشعارات المناهضة للعسكر بصورة أكثر حدة، كما ظهرت شعارات تعكس الإحباط من تعثر المرحلة الانتقالية وفشل النخب السياسية في تحقيق أهداف الثورة.
4.11 المقارنة بين الشعارات الميدانية والرقمية
تميّزت الشعارات الميدانية بطابعها الإيقاعي والجماعي المرتبط بالهتاف المباشر داخل المواكب، بينما اتسمت الشعارات الرقمية بقدر أكبر من التنوع البصري والسخرية والاختصار. وقد لعبت المنصات الرقمية دوراً مهماً في تحويل الشعارات إلى صور وملصقات وميمات قابلة للتداول السريع (Tufekci, 2017).
كما أدى التفاعل بين الفضاءين الميداني والرقمي إلى تعزيز انتشار الخطاب الثوري وتوحيد رموزه على المستوى الوطني والعابر للحدود.
4.12 التفاعل بين العامية السودانية والفصحى والإنجليزية
استخدمت الثورة السودانية مزيجاً لغوياً متنوعاً جمع بين العامية السودانية والفصحى والإنجليزية. وقد ساعدت العامية في خلق قرب عاطفي وشعبي مع الجماهير، بينما استخدمت الفصحى في الشعارات ذات الطابع السياسي والأخلاقي العام، ولعبت الإنجليزية دوراً مهماً في مخاطبة الجمهور الدولي (Mohammad, 2020).
يعكس هذا التعدد اللغوي الطبيعة المركبة للهوية السودانية الحديثة، كما يعبر عن التداخل بين المحلي والعالمي داخل الخطاب الثوري.
4.13 الأبعاد العاطفية والنفسية للشعارات
لم تكن الشعارات الثورية مجرد أدوات سياسية، بل أدت أيضاً وظائف عاطفية ونفسية مهمة. فقد ساعد الترديد الجماعي للشعارات على خلق شعور بالقوة والانتماء والتضامن، كما ساهم في تجاوز الخوف الناتج عن القمع والعنف الأمني (Eyerman & Jamison, 1998).
كذلك لعبت الشعارات المرتبطة بالشهداء والعدالة دوراً في تحويل الحزن الجماعي إلى طاقة مقاومة واستمرار للحراك الثوري.
4.14 تحليل لغوي وسيميائي للشعارات
تكشف القراءة السيميائية للشعارات الثورية السودانية عن كثافة رمزية عالية تقوم على الاختزال والتكرار والإيقاع واستخدام اللغة اليومية. وقد ساعدت هذه الخصائص على جعل الشعارات قابلة للحفظ والتداول والانتشار السريع (Barthes, 1977).
كما حملت الشعارات دلالات تتجاوز معناها المباشر، حيث ارتبطت بقيم الحرية والكرامة والوطنية والمقاومة الجماعية. وأسهمت عملية تكرارها داخل المواكب والفضاءات الرقمية في تحويلها إلى علامات مركزية للهوية الثورية السودانية.
