الثورة المهدية: تحليل ودروس للحاضر (تحديات الانتقال (3)  .. بقلم: د. عصام الدين النور بلول 

د. عصام الدين النور بلول 
أخصائي جراحة المخ والأعصاب
الباحث المتفرغ  بالمركز الفدرالي لجراحة وأبحاث المخ والأعصاب
سانتبيترسبورج/ روسيا الاتحادية
تناولنا في المقال السابق الدولة السودانية : “عظمة التاريخ وفرصة للإصلاح والبناء” ، ملخصا تاريخيا شمل تاريخ السودان القديم ، حيث شمل الملخص تغطية مفصلة لمملكة كوش وما قبلها. ثم انتقلنا للمالك المسيحية للسودان . ومن بعدها انتقلنا الي الممالك المتزامنة والتي إرتبطت بالإسلام وهي مملكة سنار ودارفور وكردفان. ورأينا كيف انها تم إدماجها في الدولة السودانية التي تكونت نتيجة للغزو التركي المصري للسودان (1821-1885 م). وتوصلنا إلي خلاصة مهمة تتعلق بتلك الفترة وهي أن الدولة الحالية تكونت كناتج لاندماج ممالك جميعها ذات طابع إسلامي ؛ سنار و كردفان و دارفور. ولاحظنا أيضا ان الممالك الثلاث رغم انها كانت متباينة في عرقياتها وثقافاتها وموروثها ولكنها كانت متجانسة ومتعايشة الي حد ما في إطار المملكة الواحدة .  ولاحظنا تبايناً واضحاً بين المكونات والأعراف والتقاليد والثقافات والتاريخ بين هذه الممالك الثلاث فيما بينها. فمثلا رأينا أن المكونات التي جاءت من دولة سنار تختلف مع تلك التي تشكلت في مملكة دارفور. ولاحظنا خصوصية كردفان وتفردها عن الطرفين. ثم بينا كيف أخضع الاستعمار سنار وكردفان متزامنتين وذلك في العام 1821 م، وأنه لم يضم دارفور الا متاخرا في العام 1870م. أي أن المجموعات المنتمية لسنار وكردفان قد عاشتا لمدة نصف قرن تحت سلطة مركزية قوية في ظل الاستعمار بمعزل عن دارفور وهو ما جعل بينهما تاريخا مشتركا ومزج بينهما في الثقافات والعادات إضافة إلى ما كان موجود من روابط ثقافية وعرقية سبقت الاستعمار. ورأينا ان دارفور لم تعيش تحت الاستعمار التركي الا فترة 11 عاما إتسمت بعدم الاستقراربل وتمتعت فيها بحكم ذاتي تحت حكم النمساوي كارل سلاتين.
قبل أن نتناول تفاصيل الثورة المهدية لابد من شرح المشهد الدولي والإقليمي و الوطني والعوامل التاريخية التي مهدت لظهور الثورة المهدية. كما أيضا سنتطرق لشرح العوامل الشخصية لشخصية محمد أحمد المهدي وذلك ليس من باب العرض التاريخي ولكن لمحاولة إعادة التعرف على طبيعة التحدي الظرفي وطبيعة الشخصيات التي تناسب مثل تلك التحديات. فوصف أحداث التاريخ هنا ليس هو هدفنا بل بل هدفنا من ذلك هو التعرف علي سنن التاريخ. فالسنن ثابته والتحديات والازمنة متحركة وفي اتجاه واحد. حيث قال الله تعالي منبها : (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا)  . فالزمان متحرك والسنن ثابتة لا تتبدل، وما تناول التاريخ الا لاستنباط تلك السنن ومقاربتها بالواقع.
أنا أؤمن ايمانا قاطعا ويقينيا بأن المشكلة السودانية التي سبقت قيام الثورة المهدية بدأت كنتاج مباشر للثورة الصناعية في اوربا في القرن الثامن عشرولا تزال تلقي بظلالها حتي تاريخنا الحاضر، حيث بدأت تلك الثورة بصناعة المنسوجات. وكانت اوربا تبحث عن المواد الخام لتلك الصناعات وبغرض المنافسة لابد أن تكون تلك المواد الخام رخيصة حتي تتمكن من تقليل تكلفة الإنتاج. وبما ان الظروف المناخية الاوربية لا تسمح بزراعة القطن بدأت اوربا وعلي رأسها بريطانيا التفكير في توفير المواد الخام من بلدان اسيا وافريقيا وبأي ثمن. اقليميا كانت مصر وأجزاء كبير من العالم العربي وقتها تحت الخلافة العثمانية آنذاك ونلاحظ ان تركيا العثمانية قد عجزت عن مجاراة التطور الأوربي السريع في الانتقال للعصر الصناعي وبالتالي اصبحت كل أراضيها في عالمنا الإسلامي مطمعا للدول الاوربية.
كانت مصر هي أول المستهدفين بالنسبة للاستعمار الأوربي نسبة لموقعها الاستراتيجي لطرق التجارة وصلاحية أراضيها لزراعة القطن.  وترجمة للاطماع الاوربية ، فقد قام نابليون بونابرت بغزو مصر والاستيلاء عليها بالتحديد في 20 يوليو 1798 في حملة قادها بنفسه، وهي تعكس ما ذكرناه من الاحتياج للمواد الخام .، وسببا اخر لايقل أهمية وهو سبب  ثقافي وهو ان مصر ارتبطت في المخيلة الاوربية دائما بأنها هي المصدر الاولي لحضارتها في عصورها القديمة وهو أمر متجذر في الكتابات الاوربية للتاريخ[1]. وبالرغم من أن هذه السيطرة الفرنسية لم تستمر الا لمدة ثلاث سنوات فقط من 1798حتي1801م، إلا أنها شكلت أهم نقطة في تاريخ منطقتنا بل ولا تزال تؤثر في الاحداث الي يومنا هذا [2, 3]. حيث أشعلت نتائج الحملة المخاوف الاستراتيجية البريطانية في المنطقة وتحولت بعدها المنطقة الي ساحة من ساحات الأهداف الاستعمار البريطاني وسباق الدول الامبريالية.
كانت مصر تحت التاج التركي المباشر، وخدم محمد علي باشا ضابطا في الجيش التركي في مصر ، وفي يوليو 1802 تم تعيينه واليا علي مصر من قبل تركيا، بترتيب من الداخل المصري خاصة السلطة الدينية ، وبدعم من الانجليز أنفسهم وبموجب اتفاقيات تحت الطاولة بينه وبين الانجليز. وهو ما قد يفسر الدور الإنجليزي في كل تاريخ حكم محمد علي في مصر [3]وبعد سيطرة محمد علي باشا علي الحكم في مصر سرعان ما كون سلطة شبه مستقلة من تركيا، وفي العام 1821 م قام محمد علي باشا بتوسيع حكمه واحتلال السودان لتأمين المواد الخام لاوربا وهو أساس شرعية دعمه من القوي الاستعمارية الاوربية[3, 4]، وفي نفس الوقت الوفاء ببعض التزاماته المتنامية في تأسيس مصر الحديثة خاصة جيشها التوسعي المتنامي. وهو ما قد يفسر احتلاله لاحقا لمناطق كثيرة في جزيرة العرب[3].
ما أن استولي علي عرش مصر واليا من تركيا ، أرسل محمد علي جيشين الأول بقيادة إسماعيل ابنه والثاني بقيادة صهره محمد بك الدفتردار في 1821م. فالاول لاحتلال سنار والثاني لاحتلال كردفان. جاء لاحتلال السودان بعدة أغراض أهمها انه أراد ان يستعين بالسودانيين الشجعان في تقوية جيشه ليصبح قوة حديثة مثل الجيوش الاوربية حتي يستطيع ان يفي بالمهام الكبيرة التي أتفق مع القوة الكبرى لتحقيقها . وأيضا كانت هنالك معلومات كثيرة تتحدث عن الذهب من جبال بني شنقول التي كانت تتبع للسودان وقتها، وهنالك أيضا أراد ان يتتبع المماليك الفارين الي السودان بعد حادثة القلعة وذبح قياديهم. وأغفل المؤرخون ما أشار له المؤرخ الروسي سميرنوف ان واحدا من اقوي الأهداف لحملة محمد علي في السودان هو التوسع في زراعة القطن لرفد المصانع الإنجليزية بخام القطن[4] وهي نقطة استفرد بها هذا المؤرخ وتبدوا منطقية اذا ربطنا بينها وبين انها كانت اول ما نفذته بريطانيا بعد غزو السودان بعد سقوط الدولة المهدية خاصة  ما  ذكره الرحالة بونسيه الذي زار سنار سنة 1699 وتأكيده ان سنار قد عرفت القطن لسنوات طويله قبل الاستعمار ، وكذلك روى الرحالة بركار الذي زار شندي في سنة 1814 م، أن أهم صادرات سنار كان قماش الدمور المصنوع من القطن وأن مغازل ونسيج سنار وباجرمي هي التي كانت تزود القسم الأكبر من أفريقيا الشمالية بالملابس القطنية[5] .
بعد أن فرغ من استباب الحكم في السودان، شرع محمد علي بالدخول في مشروع قناة السويس في الفترة 1859 الي 1869 م ، هذا المشروع كان أول علاقة مصر الجديدة بالتعرف علي الاستدانة من البنوك الفرنسية وبشروط مجحفة جدا، مما إضطرها لبيع حصتها في شركة قناة السويس لتغطية كلفة اكمال المشروع وهو الباب الذي دخلت منه بريطانيا لحكم مصر بطريقة ذكية جدا وعلنية حيث اشتركت في تولي إدارة موارد مصر المالية لضمان سداد القروض. ومن هذا التاريخ دخلت بريطانيا شريكا لمصر الباشوية في كل شيء[3, 4] . ومن خلال إدارتها للمال تسللت أيضا للقرار السياسي ولكنها كانت تركز على السودان الذي فكرت بجديه لاحتلاله وانتزاعه من مصر. ويقول المؤرخ الروسي سميرنوف “ان بريطانيا كونت بعثتها العسكرية بقيادة صمويل بيكر لاكتشاف منابع النيل تحت غطاء العلم المصري” حيث كانت دائما تسعي للسيطرة على السودان ولكن لا تريد المواجهات مع الدول الاستعمارية الأخرى خاصة تركيا التي تجمعها بها بعض التحالفات[4]، ولتغطية التكاليف الباهظة رفعت مصر الخديوية الضرائب علي السودانيين بصورة كبيرة ، وبدأت حملات مصادرة الماشية من قبائل كثيرة في السودان ، خاصة قبائل كنانة في النيل الأبيض تحت غطاء الضرائب لسداد الديون الاوربية علي مصر. ويشير بعض المؤرخين الي ان بريطانيا كانت تتعمد اشعال النار في السودان لزيادة التمرد على مصر ولكنها احترقت هي بتلك النار لاحقا.[4]، كما تعللت بريطانيا بحيلة استعمارية أنسانية هي إيقاف تجارة الرقيق في السودان، وهو الباب الذي فتح تعيين اكثر رجالات الاستخبارات البريطانية في الحكم في السودان مثل بيكر وغيره.
نتيجة للضغوط الاقتصادية سرعان ما تبلورت في السودان  كل أسباب الثورة من عوامل موضوعية مهدت لقيام الثورة ، فكانت الفظائع التي بدأ بها محمد علي حملته في السودان لا تزال تسيطر علي مخيلة السودانيين، وكانت مناظر السلاسل التي يساق بها العبيد الي مصر الباشوية، وكانت الضرائب الباهظه والمصادرات التي تفوق مقدرة السوانيين، وكانت سيطرة وفساد رجال الدين الذين كانوا يدبجون الفتاوي لصالح التركية وعدم جواز الخروج علي الحاكم طالما انه مسلم. وكان الفساد الإداري لبعض البيوت والقبائل السودانية المنتفعة والمتحالفة مع الاتراك، وكان الفساد الأخلاقي المنتشر في الخرطوم التركية والتي كانت تعيش حالة عدم اتساق مع محيط بسيط متدين ومحافظ. تراكمت هذه الأسباب ولمدة ستون عاما حتي سادت الامة حالة من اليأس، ومن طبيعة الانسان وفي كل الأزمنة ان يلجأ للغيبيات عند ما تسوده حالة من الإحباط واليأس ، فيلجأ للاتجاه الغيبي  بكل حواسه [6] وبما أنه لا مكان لظهور الأنبياء بمعجزاتهم فقد كانت فكرة المهدية في حد ذاتها فكرة رائعة وبالتالي كان انتظار المهدي مسألة رائجه في المعتقدات الصوفية ليس في السودان الحالي بل في عموم بلاد السودان بمفهومه الواسع، أي في كل افريقيا جنوب الصحراء[7]. الا ان وجود أسباب الثورات وحده ليس كافيا مالم تظهر القيادة الملهمة التي تحرك تلك الأسباب لانتاج الثورة [8]
ولد محمد أحمد بن عبد الله في العام 1844م[7] و نشأ في شمال السودان في جزيرة لبب، القريبة من دنقلا وتعلم فيها العلوم الشرعية ثم ثم انتقل الي وسط السودان إلي الجزيرة والنيل الأبيض حيث أكمل تعليمه الديني . هذا الوضع مكنه من رؤية الأوضاع ومقارنتها بين مناطق واسعة وممتدة من أقصي الشمال إلي الوسط. ثم قبل أن يعلن ثورته أو دعوته قام بزيارات لمنطقة كردفان، ويتضح من هذه الزيارات انها كانت لدراسة والتعرف علي خصائصها البشرية والطبيعية وكيفية الاستفادة منها لاحقا في خطته لمواجهة الدولة التركية [9]. ورغم أنه لم يقم بزيارة شرق السودان ولا دارفور، إلا انه  قد تواصل مع بعض أهلها قبل ان يعلن أي شيء من خططه المستقبلية[7]. وهنا لابد أن اشيد  بالعقلية الفذه لهذا الرجل وهي دراسة أرض وميدان المعركة جيدا والاطلاع علي مصادر القوة والضعف بين مكونات البلاد المختلفة، وكأنه قام فيما يعرف في العلم الحديث بتحليل وضع (SWOT analysis) وهو ما يدلل علي عمق حنكته وقياديته ويترك تساؤلاً هاما في كيفية حصوله علي تلك المعارف التي قطعا لم تدرسها الخلاوي في النيل الأبيض او في الجزيرة ولم يعرف أن المهدي قد درس خارجهما[10, 11]
إتخذ محمد أحمد لاحقا الجزيرة أبا منطلقة للتعبد والزهد والتأمل قبل ان تكون للثورة ولا يعرف هذه الأجواء الا من عاش بين أجوائها ومناسبتها لهذه المهمة . وما أن بدأ يتحدث عن دعوته حتي بدأت وفود الرجال والنساء في النيل الأبيض تتوافد بغرض التبرك والتعليم الديني قبل ان تكون لللثورة والذي يعرف عن إنسان النيل الأبيض طبيعته المبسطة والمتدينة . ولا يعرف بالضبط كم مكث الرجل في الجزيرة أبا قبل ان يطلق دعوته، ولكن تكون له مريدون مثل كل ولي صالح في منطقة تسودها الامية والجهل والتصوف ولذلك أسبابه الموضوعية ، حيث لم يتم فتح السودان وضمه للدولة الإسلامية كما حدث في مصر مثلا او في بلاد الشام والعراق بل حتي في شمال افريقيا ، بل جاء التعليم بفعل الهجرات والتجارة والتي لم ترتبط بهجرة العلماء الا بصورة محدودة[12].
في 29 يونيو 1881 ، أعلن محمد أحمد المهدي دعوته المهدية، وهي باختصار إعلان الخروج علي ولاية الحكم التركي وتكفيره وإتخاذ السيف طريقا واحدا للتخلص منه. مثل هذا الإعلان الخطير إنفجارا في البركة الصوفية التقليدية المتسامحة مع كل الحكام.  وكما هو متوقع ، سرعان ما فتح عليه هذا الاعلان حمما من جحيم الشكيك والتجريم والتكذيب من الطبقة الدينية المرتبطة بالدولة التركية ممن يسمون بطائفة العلماء[13].  وبالرغم من تأثير هذه الحملات علي البعض من العوام، إلا أن القبائل في النيل الأبيض قابلته بحالة من النشوة ورغبة في الجهاد والنصر أو الموت في  شان الله[10].
ولم يتأخر الرد من  رؤوف باشا حاكم الخرطوم حيث أعد العدة لمهاجمته والقبض عليه وإحضاره للخرطوم لمحاكمته. أوكلت مهمة قيادة حملة القبض علي المهدي لابو السعود وتكونت من 200 جندي مسلح بالأسلحة النارية وذلك بعد أن وعدتهم إدارة رؤوف باشا ان أول من يقبض عليه ستتم ترقيته وإعطاءه جائزة مالية. حملت الباخرة القوة المسلحة وإتجهت جنوبا عبر النيل الأبيض الي الجزيرة أبا. وكانت عيون المهدي من قبائل النيل الأبيض تراقب اخبارها وتنقلها لحظة بلحظة للامام . توقفت ماكينات الباخرة في مرسي غير جيد بمحازاة الجزيرة أبا  في ليلة الثاني عشر من أغسطس 1881م. وفي تلك الليلة كان رجال المهدي الاشداء قد بايعوا المهدي علي الموت تماما مثلما فعل الصحابة في بدر وكان عددهم 313 رجلا بلا زيادة أو نقصان وهو تقريبا نفس عدد صحابة النبي في بدر. ولعل الليلة كانت من ليالي رمضان ايضا[9]. ما أن بدأ الفجر يلوح حتي نزل الجنود من باخرتهم وتسللوا متسابقين للقبض علي المهدي تحفزهم جائزة رؤوف باشا،  ولم ينزل أبو السعود بل ظل في الباخرة. وعلي الجانب الاخر ، انتظم رجال المهدي تحت ثلاث رايات بيضاء وسوداء وحمراء، كان الرجال مسلحين بالايمان والسيوف والعصي ، فتوزعوا علي جنبات الطريق مختفين بين الأشجار في انتظار إشارة القيادة ، وما ان توغل رجال أبو السعود حتي وجدوا الجحيم امامهم ، كانت نصف الساعة تقريبا فقط. وكانت 120 جثة ملقاه على ارض الجزيرة الصغيرة بين دهاليز اشجارها العاتية. وتم الاستحواذ كذلك على اول سلاح ناري متطور وهو 120 بندقية وبعض من الذخيرة. وماهي الا دقائق حتي علم أبو السعود بالخبر ففر هاربا متجا للخرطوم[10]. وطار الخبر في الارجاء وكان عند أهل السودان هذا تأكيد بان الرجل هو المهدي المنتظر وبدأت الشائعات تتوالد حول سيوف العشر وأتسعت مخيلة السودانيين الواسعة لنسج الاساطير حتي عمت كل بلاد السودان. ففي شرق السودان وصل الخبر الي عثمان دقنه، وسبق الخبر الي دارفور الي بلاد التعايشة حيث كان الخليفة يحمل رايته بجوار المهدي وحيدا من دارفور[10]. وفي الجزيرة سرعان ما بادر الاشراف في النيل الأزرق للهجرة، وفي النيل الأبيض بدأ الزحف نحو أبا لمبايعة المهدي وقتال الترك. أما في الخرطوم فكانت الصاعقة وفي القاهرة أيضا. ولعلها لندن وعواصم أخري.
وفورا بعد المعركة سرعان ما جمع المهدي رجاله فأشاروا اليه بالهجرة غربا تحديدا نحو كردفان ولعلها كانت من أفكار الخليفة الذي يعرف أن قبائل كردفان ستكون اكثر رغبة في الموت واكثر عددا وربما أراد أيضا ان يلحق به رجاله من دارفور وفرسانها. فكردفان هي قلب حزام البقارة الممتد من البحر الأحمر الي غرب السودان بل الي غرب افريقيا، وهو طريق التمازج بين قبائل افريقية اصيلة اشتهرت بالشجاعة وقبائل عربية بدوية مهاجرة مقاتلة بطبعها. وكم كان القرار صائبا وحكيما حيث اسماه عصمت زلفو العسكري المؤرخ انه افضل القرارات العسكرية من ناحية الفكر العسكري[9, 10].
وما أن تحرك المهدي ورجاله من الجزيرة أبا قاصدا كردفان، حتي تحرك قائد فشودة راشد بك بقوة الف ومائتين جندي للحاق بقوات المهدي والانتقام لرجال رؤوف باشا. ولكن هنا كانت أمراة سودانية ، شجاعة من كنانة كثيرا ما تجاهلها التاريخ السوداني الجامد حيث خبرت الجيش التركي المتحرك ولأنها لا تثق الا في نفسها قطعت المسافة جريا في يوم وليلتين حتي لحقت بالامام وسلمته تقريرها عن قوة راشد الهائلة وقيل انها توفيت شهيدة بسبب الاجهاد. فاعد المهدي طريقته المعتادة في المباغته وانتصر أيضا علي جيش الشلالي. ثم اعقب هذا الانتصار قرارات تنظيمية جعلت الخليفة عبد الله قائدا للامراء (قائد اركان) ، وقسمت الرايات حسب المناطق والقبائل والاثنيات فراية للخليفة يعقوب شقيق الخليفة الذي انضم للجيش ملتحقا بأخيه ، وراية لقبائل كنانة ودغيم ووالنيل الابيض، وراية لقبائل الشمال وباقي بقاع السودان تحت النجومي وهي تتبع امرة الخليفة شريف ثم  الخليفة عبد الله.[9] ثم اعقبتها حملة اخري تسمي حملة الشلالي أرسلتها الخرطوم كردة فعل علي هزيمة جيش أبو السعود وجيش راشد المذكورين وكان أيضا النصر حليف المهدي والخيبة للعدو.
وفي مصر وتحديدا في سبتمبر 1882 م وقعت مصر تحت الاحتلال البريطاني المباشر معركة التل الكبير ضد القائد المصري الوطني أحمد . وبالتالي كان لزاما عليها أن تتدخل عسكريا في السودان لايقاف الثورة المهدية التي كانت تتطور يوما بعد يوم كحركة وطنية للتحرر ومما ازعج بريطانيا والدول الاوربية هو توقيتها المتزامن مع حركة أحمد عرابي في مصر والتي قادها ببسالة أيضا لتخليص مصر من الأجانب الذين كانوا قد نهبوا خيرات بلاده وسطوا علي مقدراتها.  ولكن تلك الحركة المصرية لم يكتب لها التوفيق للأسف، بسبب سرعة تحرك البريطانيين للسيطرة علي مصر، وبسبب تكتيكي هو عدم قيام عرابي ورجالته باشراك الشعب المصري وتعبئته بخطورة الاستعمار كما حدث في السودان.  ولنا أن نتخيل لو أن الثورة العرابية قد نجحت في مصر كيف سيكون حال منطقتنا العربية اليوم؟ . أما في السودان فكانت الثورة المهدية تظهر تطورا عسكريا سريعا  وديناميكية في القيادة السياسية  بصورة عبقرية وغير مسبوقة.
 ومما يؤكد ان احد أسباب غزو بريطانيا لمصر هو الخوف من الثورة السودانية التي بينت خطورتها ومقدرتها الكبيرة عسكريا وسياسيا ، نجد أن أول ما قامت به بريطانيا لمواجهة الثورة المهدية هو تكوين جيش كبيرللقضاء علي الثورة السودانية وهو جيش وليام هكس الكولونيل الإنجليزي المتقاعد من الخدمة في الهند[7]. وقد تختلف المصادر حول عدد الجيش إذ تباينت تقديرات المهدي في خطابه لعثمان دقنه انه حوالي 30 الف مقاتل[9] وحسب نعوم شقير حوالي 8 الف[11]. المهم أن قيادة ذلك الجيش أوكلت لجنرال كبير في الجيش البريطاني هو هكس. تحرك ذلك الجيش الكبير للسودان من القاهرة في 7 فبراير 1883 م. وقد سبقت اخباره للسودان وهو نفس الوقت الذي عين فيه القائد العسكري الفيكتوري شارلز قوردون حاكما عاما للسودان. حاولت بريطانيا تصوير ذلك الجيش بأنه فوق الخيال ولا يمكن لقوي المهدي ان تقابله ولعل هذا التهويل ما جعل المهدويين يعدون له عدتهم بروح وحماسة أيضا فوق طاقته. لقد انتظر الأنصار بعد ان اطلق المهدي عليهم هذا الاسم في قدير المعركة الفاصلة بين الحق والباطل . هذا التهويل البريطاني الدعائي لقتل الروح المعنوية لدي الأنصار هو نفسه ما ايقظ محبة الموت لدي الأنصار  وهو ما كان سببا في أكبر هزيمة عسكرية تتلقاها بريطانيا العظمي في تاريخها كله. في يوم  7سبتمبر وصلت جيوش هكس مدينة الكوة وعبرت النيل الأبيض قاصدة كردفان لمواجهة مصيرها هناك ، ,وسلكت طريق الدويم، شات، الهجليجة، ام دبيكرات الاضية، الرهد.   ما أن غادرت شات حتي ظهر لها جنود المهدي لأول مرة وهم فرسان النيل الأبيض بقيادة أبو قرجه والذين تفننوا في مناوشة الجيش وعدم الاشتباك معه قط. لقد استمر هذا التكتيك الجنوني طيلة الرحلة الطويلة والشاقة. وفي نفس الوقت كان السكان يخلون قراهم ويدفنون الابار ويتوجهون امام الحمله كأنها زفة لعرس كبيروما أجمله من عرس هناك في شيكان. منع رجال أبو قرجه جيش هكس من من الراحة والنوم طيلة أيام رحلة الموت، كما منعهم كذلك من التزود بالماء بعد ان دفنت الابار.[9, 10].
في ظهر يوم 4 نوفمبر وصل الجيش الطرف الشرقي لغابة شيكان ومن خلال سماع دوي حوافر الخيل وأصواتها قرر الجنرال إقامة زريبة كبيرة وان تدق الموسيقي لإقامة حفلة ” لعلها تشابه تلك التي عزفت قبل غرق السفينة تايتنك” وذلك بغرض رفع الروح المعنوية لدي جنوده وهي التي تلاشت بسبب السهر والعطش ومناوشات أبو قرجة[10]. ولكن الجنرال لا يعلم ان الليل سيكون قصيرا جدا وفي الناحية الغربية للغابة كانت تبلدية كبيرة “لا تزال موجودة” تمثل القيادة حيث جلس الامام بعد ان كان يتلو آيات من الكتاب وراتبه الذي يزهد الناس في الدنيا حيث كانت  تلازمه قوات النجومي. وفرغ الخليفة قائد الاركان من تقسيم جيش حمدان أبو عنجه (الجهدية)  المزود بالأسلحة النارية ، الي صفين كل منهما بجانب الطريق الضيقة التي سيمر منها جيش هكس العظيم في غابة شيكان. وأغلق أبو قرجة طريق الرجوع الي الخلف وتبقي فقط ان يتحرك الجيش بضخامته في الصباح الباكر ليمضي في الطريق الضيق بين الغابة المنتهية عند التبلدية التي يجلس فيها المهدي بنفسه ورجال النجومي بسيوفهم التي خبروها وبرعوا فيها. وكما توقع الامام فقد كوَن الجنرال جيشة علي شكل مثلث متساوي الاضلاع يقف الجنرال شخصيا في رأس المثلث وعلي الضلعين كانت الأسلحة النارية مشرعة وكان المثلث يتسع كلما تقدم الجيش بقاعدة ضعيفة وعريضة في الخلف . كان هذا تشكيل الموت الذي أختاره هكس يسمي أحيانا بالمربع الانجليزي[9]. ومع بزوغ الفجر كان الجنرال يستعجل جيشه للخروج من الغابة في إنتظار ان تعمل أسلحته النارية. وكان على الطرف الاخر الامام لايريد له الخروج. وما ان خطى الجيش خطوته الاولي متقدما و هكس علي المقدمته ، حتي كبر الامام وأستل سيفه وتقدم  ومن خلفه رجال النجومي بسيوفهم واسلحتهم البيضاء فانقضوا مثل البرق الخاطف او مثل كوبرا جائعة فكان اول المجندلين هو هكس نفسه، وأمطر الخليفة وحمدان أبو عنجة ورجالهم باسلحتهم النارية جنبات المثلث بوابل من النيران، وتولي أبو قرجه أمر الهاربين للخلف بعد ان اخترق القاعدة الهشة. كانت ستين دقيقة فقط حتي انتهت المعركة. تجندل فيها كل الجيش الا مئة وخمسين جنديا اختفوا بين الجثث. ستون دقيقة اسكتت بريطانيا واسقطت قصر عابدين ، وافرحت الجيش الايرلندي ولعل باريس ابتهجت هي الأخرى .
 وما أن زاع خبر انتصار المهدي في شيكان الي دارفور حتي استسلمت لمادبو وفرسان الرزيقات دون مقاومة تذكر فجاء بحاكمها سلاطين يجره بالسلاسل أسيرا[9]. والاهم من هذا وذاك فقد اسكتت هذه الساعة الواحدة من السف المهدوي كل فتاوي علماء السوء الي الابد، بل اسكتت كل القبائل التي كانت تتردد في البيعة والانضمام للثورة . فلم يتبقي للامام وأنصاره الا التقدم لاستلام السلطة في الخرطوم ودخول قصر غوردون ، وإسماع صوت المهدويين الي القاهرة بل ولندن.
بعدها لم ينتظر المهدي في كردفان بل أعد الخطة للتحرك نحو الخرطوم، التي قلنا أنها سقطت بفعل خبر معركة شيكان قبل ان تدكها سيوف الخليفة والنجومي وحراب محمد ود نوباوي العريضة التي لم تخطء صدر غوردون . و حينما وصلت حوافر الخيل الي الخرطوم المحاصرة بواسطة الشيخ العبيد ود بدر من الجنوب وعثمان دقنه وهو يقطع عنها الامداد بعد ان اشعل شرق السودان برجاله من الهدندوة والبجا ، وكان رجالات الشيخ محمد الخير في بربر يراقبون الامداد القادم مصر عن طريق النيل ، ثم وصل حصارها ذروته بوصول خيل فرسان أبكار المهدية بقيادة أبو قرجه لتطبق عليها الحصار الفعلي خاصة من الجنوب  . وبعد أن عسكر المهدي في ابوسعد لفترة قصيرة، تقدم الخليفة ليعبر النهر من أبو سعد ليدخل الخرطوم وماهي الا ساعات حتي جاء الأنصار براس شارلس غوردون قبل ان تصل حملة إنقاذه بقيادة ويزلي التي تلقت الخبر كالصاعقة وهي قد تجاوزت المتمة بعد أن اشتبكت معها قوات الانصار فيها ولكن جاءتها إشارة قطع رأس غوردون في طريقها فرجعت خائبة الي القاهرة المضطربة ايضاً. فكان صباح  يوم 26 يناير 1885م هو اليوم الأول لتكوين أول دولة وطنية موحدة تجمع سنار وكردفان ودارفور تحت قيادة واحدة هي قيادة المهدي وبتمثيل لاغلب مكونات السودان الاثنية والجهوية. ومن الإشارات الضرورية ان المهدي رفض دخول القصر بل عبر الي أم درمان ليعلنها عاصمة قومية للبلاد.
جلس الامام في  بيت الحكم الزاهد المشيد من الطين في ام درمان  وكان عمره فقط 44 عاما، وكأنه يقرأ قوله تعالي : (اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)  فوصل مجده الشخصي ومجد بلادنا إلي كل بقاع الأرض. حتي كتبت عنه كبريات صحف العالم في ذلك الوقت ولا تزال الكثير من دوائر الغرب تدرس تلك الحقبة من تاريخنا وتدرس مكوناته الشخصية وهي تتخوف من تكرار تلك الشخصيات الأسطورية في بلادنا في أي لحظة. هذه الانتصارات وتكوين الدولة الوطنية السودانية لعله جاء كأكبر تحدي للقوي الامبريالية الكبرى خاصة بريطانيا، مما استدعاها لاعداد الخطة لإعادة استعمار السودان لموارده وأهميته لبريطانيا لا كما يتم تصويره بأنه جاء انتقاما لمقتل غوردون ، رغم اعترافنا بأهميتة الرجل المعنوية لبريطانيا وشعبها وللمجتمع المسيحي الغربي.
إن تناولنا لهذه المسيرة الأسطورية الهامة ليس بغرض التغني بأبطالنا رغم أنهم يستحقون تخليدا اكبر من كلماتي البسيطة ، ولكن لاستعراض أماكن القوة في هذه الامة واستنهاض همة اجيالها التي تحمل هذه الصفات جيلا بعد جيل. والشئ الثاني لتبصير أمتنا بخطورة الدعاوى الاستعمارية والحيل الماكرة التي لا تزال تستخدم حتي يومنا هذا. فرأينا كيف تم تصوير لص جاء ليستكشف خيرات بلادنا لبلاده ويستخدم فرية محاربة تجارة الرق الا تشابهها فرية حقوق الانسان بمفهومها الحديث؟؟؟. ورأينا كيف كان بيكر يستكشف منابع النيل الأبيض لا للكشف العلمي بل للسيطره عليه. وكذلك رأينا أن بلادنا ومواردها الطبيعية كانت ولا تزال دائما مغرية لكل طامع . ورأينا من هم أعدائنا في هذا الكوكب بصورة واضحة وجلية. وركزنا علي بعض القضايا التي يمكن أن يدخل منها الاستعمار وماهي الواجهات التي يمكن ان يدخل عبرها. ورأينا كيف يمكن ان يلعب الدين دورا حاسما في ابراز قوتنا وفي نفس الوقت كيف تم استخدامه في تثبيط همتنا ووأد ثورتنا في مهدها. وفي مقالنا القادم سنتناول كيف جاءت بريطانيا للاستيلاء علي بلادنا وماذا كانت أولوياتها وماذا حققت منها . وسنتعرف إن كانت تلك الاجندة والوسائل لا تزال تؤثر علي مستقبلنا.
المراجع والهامش
1. عبد الرحمن الرافعى, الثورة العرابية و الاحتلال الانجليزى1983: ktab INC.
2. عقباوي, الحملة الفرنسية على مصر و نتائجها (1798-1801), 2018, جامعة أحمد دراية-ادرار.
3. دكتور سعيد الغنام، أثر سياسات محمد علي باشا  التوسعية2004, الرباط ،المغرب: المكز الثقافي العربي.
4. سميرنوف سيرجي, دولة المهدية من وجهة نظر مؤرخ سوفييتي. 1 ed1994, لبنان: دار الجيل.
5. ويكيبيديا, ا.ا., الموسوعة الحرة ويكيبيديا, in الموسوعة الحرة ويكيبيديا (خزان سنار)2021.
6. Wade, A., Despair, resistance, hope: Response-based therapy with victims of violence, in Hope and despair in narrative and family therapy2007, Routledge. p. 77-88.
7. Daly, M.W., The road to Shaykan : letters of General William Hicks Pasha written during the Sennar and Kordofan Campaigns, 1883, in Durham Middle East Papers1983, DU: Durham.
8. شيخاوي واخرين, التفسير الحضاري للتاريخ عند أرنولد توينبي, 2017, كلية العلوم الانسانية والاجتماعية جامعة محمد بوضياف بالمسيلة.
9. عصمت, زلفو, كرري: تحليل عسكري لمعركة أم درمان. 1 ed1973: جامعة الخرطوم للنشر.
10. عبد المحمود أبوشامة, , من أبا الي تسلهاي1986, الخرطوم: جامعة الخرطوم-كلية الاداب.
11. نعوم شقير، تاريخ السودان, 1981, بيروت: دار الجيل.
12. محمد إبراهيم ابوسليم, بحوث في تاريخ السودان1992: دار الجيل بيروت.
13. عبد الله علي إبراهيم ا, الصراع بين المهدي والعلماء 1994: شعبة ابحاث السودان كلية الاداب جامعة الخرطوم.
isambaloul@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً