تتوفر الشروط..وتتهيأ الظروف لاحداث التغيير..عندها تكتمل عناصر الثورة لإزاحة النظام السياسي القائم الذي فقد مبررات وجوده واستنفذ مافي جعبته من افكار خلاقه.. وخلت كنانته من سهام المبادرات المبدعة..وفرغ جرابه من ايجاد مسارب وابتكار مسارات وطرق تنجيه وتجنب البلاد من الوقوع في براثن سيناريوهات وفخاخ يصعب الخروج منها..لكل ذلك العجز وانسداد الأفق فمن الطبيعي أن تقول سنن التاريخ وحركة الاجتماع السياسي وقوانينها كلمتها في نظام سياسي بهذا الوصف والتصنيف..وهذا ماحدث في السودان منذ١٩ ديسمبر٢٠١٨ وحتي سقوط نظام الإنقاذ في ١١ ابريل ٢٠١٩..ورب قائل إن الثورة ما كانت لها أن تؤتي أوكلها..لولا العامل الخارجي الذي كان حاضرا بقوة أثناء الحراك وعضدته شواهد كثر بعد نجاح الثورة وإزاحة النظام..لكننا نقول إن ضعف الداخل وتضعضه هو الذي يغري العامل الخارجي بالتغلغل والنفاذ بين ثنايا الاماكن الهشه والغضه في الجبهه الداخليه وينفذ من خلالها أجندته ومصالحه الخاصه..وهذه سنن تصيب كل الكيانات والتجمعات والهياكل..دولا كانت أو منظمات اوهيئات..إن كنت ضعيفا غافلا ساذجا لاتلومن الأقوياء..الذي يتسربون الي داخلك ويخلخلون صفك ويزلزلون بنيانك..بل لوم نفسك علي عدم سعيك لبناء جبهتك الداخليه وتقويتها وسد الثغرات فيها..وترميم الاماكن الرخوة فيها..وشد نسيجها..وتعضيد لحمتها..وذلك بإتباعك النهج القويم..في إدارة الشأن العام.. وادراكك ان الحكم ماهو الا رشدا في الممارسه والاداء وانه ليس مغنما وريعا مباحاللأقارب والاباعد..وانه مسئوليه عاليه القدر تجاه الناس ..كل الناس..لا انحياز فيها ولاميل لطائفه دون الأخري..ولا تفضيل فيها لزيد لنسبه اوحزبه اوقبيلته اوصداقته.. علي عبيد لخصومه ..أو مباينه حزبيه اوقبليه..هكذا تبني الامم..وتنهض الدول..وتعمر المجتمعات..ولاريب أن هذه المراقي العليا..لايتأتي الوصول إليها هكذا بضربة لازب..إنما تحتاج لعمل مضني وشاق. قاس.. يبدأ اولا ببث الوعي والإدراك في المجتمع بكل طبقاته..حتي في وسط النخب السياسيه والمفكرين وقاده الرأي العام.. الذين يوجهون بوصله واتجاهات المزاج العام..هؤلاء هم اخطر الطبقات..وأكثرها حاجه لنشر قيمه الوعي بينهم.. لظنهم الكاذب أنهم قد وصلوا لمرافئ بعيده من المعرفة..ومن هذا الباب هم وحدهم من يحددون مصالح الأمه ومن يقودون دفتها وفقا لرؤيتهم وخياراتهم ..يظنون في أنفسهم هذا الظن الواهم..واذا تحدث أحدهم ..لاصيبت اذناك بالصمم من هول ماتفوه به من ترهات..اغلب هؤلاء(ولا نقول كل حتي لانقع في محظور التعميم المخل) لايدرون أنهم لا يدرون ..وهم بهذا يقعون تحت بند المكابرون الذين لايعلمون أنهم لا يعلمون انهم يحتاجون للاستزاده من العلم والمعرفه..وعليهم أن يدركوا وهم النخبه المصطفاة..أنهم مسؤولون مسؤولية مضاعفة عن مصير هذه البلد..أما خروجا لمرافئ الامان ومن ثم الانطلاق نحو التقدم والاستقرار..أوالوقوع في مصيدة الاجنده الصغيرة والمواجد الخاصه ومن ثم ذهاب ريح البلد وهبوطها للقاع…تلك هي الامنيات وهذه هي النذر…اذن الي اين تقودنا حقائق الواقع..تقودنا للشواهد التاليه:
– حالة من الارتباك والالتباس تحيط بالمشهد..تعجز اعظم المحللين والمراقبين عن التنبوء بمايمكن أن يحدث ..في اليوم..أو الساعه القادمه دعك من المستقبل.
-غياب الرؤيه و العقل المركزي المخطط للسلطه الحاكمه.افرادا كانوا او جماعه..ذلك لتنافر مكونات(قحت) في الرؤي السياسيه للراهن السياسي ..وتباينها في المرجعيات الفكريه..لهذا كان طبيعيا أن تستفحل حاله الخصام هذه التي سوف تؤدي أو أودت بالفعل. للمفارقه(خروج تجمع المهنيين..والحزب الشيوعي..وتجميد حزب الامه لعضويته في المجلس المركزي ..ومن ثم تداعيات مما حدث مؤخرا في دار حزب الامه)
_افتقاد المشهد للقيادة الكارزميه..صاحبه الحضور الطاغي..والاختراقات المفصليه..والمبادرات الخلاقه التي تجمع علي امهات القضايا..وليس هذا سببه انعدام هذا النوع من القيادات..لكن لسوء التربيه السياسيه التي نشأ عليها جيل لايفرق بين الحرية في التعبير وابداء الرأي..وبين الاساءات والتجريح وبذئ القول..للأشخاص مهما كان المقام والعمروالمكانه..ولهذا يتجنب كثير من أهل الخبره والحكمة والدرايه والحنكة الخوض في قضايا الشآن العام حتي لايقلل من قدرهم وتسقط كرامتهم عندخاصتهم واقوامهم.. وأعتقد أن الحاكمين الآن يحصدون غرس أيديهم.
_ اكثر مجال يظهر فيه الارتباك هو مجال العلاقات الخارجيه..الذي يبدو أنه يفتقد للرؤيه الموحده و الهدف الناجز..بل تغلب عليه الانطباعية والأماني الساذجه..والعلاقات المسبقه والفواتير الواجبه السداد..وبعض من توهان فقدان البوصلة ..لهذا بعضنا مع الصين وروسيا وآخرين ضدها يريدون امريكا والغرب ..وبعضنا هواه اماراتي سعودي..والاخرين يريدون تركيا وقطر..وآخرين مع مصر ضداثيوبيا..والبعض هواهم عكس هذا هو الواقع.. والوفود تغدو وتروح والمحصله صفر كبير..وفي نهاية المطاف الجميع يتفرج علينا ونحن في متاهتنا هذه..نفس اخطاء النظام السابق في السياسه الخارجيه التي أودت به في النهايه.
_في مجال الاقتصاد نفس مايحدث في العلاقات الخارجيه..من مؤتمر أصدقاء..لمؤتمر شركاء ..لمؤتمر باريس ..لمؤتمر مزمع إقامته في واشنطن..تدور رحي الاقتصاد لتطحن الناس وتحيل حياتهم ضنكا وشظفا..دون بارقه أمل تعين علي الصبر والقدرة علي الاحتمال..لقد دفع ثمنا غاليا وبتكلفه اقتصاديه واجتماعية واخلاقيه باهظة الثمن.. حتي يتحسن الاقتصاد. ونخرج من عنق الزجاجه هذه..لكن الوعود والمطلوبات تتناسل وتتوالد ولاحد لها..ونوفي بالالتزامات..ولكن لاجديد الضنك يتزايد والفقر والعوز والمرض يفتك بالبلاد واهلها..وحمار الحاكمين مازال حائرا في عقبة الاقتصاد هذه…لقد ذكرنا في مقال سابق أن إصلاح علة الاقتصاد بالداخل وليس بالخارج..منهج التفكير لإصلاح الاقتصاد من البدايه كان خطأ فادحا ندفع ثمنه الآن ..الاستاذ الكبير والكاتب الصحفي المخضرم المختص في قضايا الاقتصاد السر سيد احمد كتب مقالا تعليقا علي مؤتمر باريس .اوصي فيه دكتور حمدوك بأن يتجه لتجربة وجدي محجوب في تنميه الصادرات إن أراد لاقتصادنا التعافي..فثمه دراسه هناك لتنميه الصادرات لها عده سنوات يمكن أن تحقق عائدا قدره عشره مليار دولار تغطي الفجوة البالغه اربعه مليار ويمكن أن يسهم الباقي في تحسين الموازنه العامه..ياليت دكتور حمدوك يستمع ويقرأ لمثل هذه الأصوات.
هذه هي بعض المحددات التي يمكن أن تعطي تصور كلي للمشهد المأزوم والمرتبك الحالي ..اعتقد اننا نحتاج لشيئين اساسين لابد من ادراكهما حتي نضع بعض أسس لممارسة الفعل السياسي بإيجابيه وفاعليه..أولهما هو الوعي..نحتاج لقيمة الوعي أن تصبغ فعلنا الحياتي بصبغتها..الوعي قيمه مركزيه تنداح علي كل المجتمع..نحتاج للسياسي الوعي..الذي يدرك واقعه الذي يتحرك فيه درايه وافره وعميقه بكل تفاصيله..ونريدكذلك الاقتصادي الواعي ..والطالب الواعي..والتاجر الواعي..والراعي والمزارع..وكل فصائل المجتمع ..عندما يصبح الوعي ملكة. للجميع..يضحي المجتمع واعيا بوظيفته الكليه وما عليه من واجبات وماله من حقوق ..وهذا يقودنا للقضيه الثانيه وهي قضيه الحريه..فالمجتمع الواعي لايتجرأ كائن من كان علي ان يغمض حقه في الحريه ولايصادرها منه ..وكذلك المجتمع الواعي بالحريه وماهيتها لايقايضها بأي ثمن حتي لوكان الثمن رفاهه الاقتصادي واستقراره الامني. ..علي الجانب الآخر يمارس المجتمع الواعي حريته بمسؤوليه لايتعدي أفراده بعضهم علي بعض بإسمها..
ولاتصادر طائفه منه حق أخري في اي من الانشطه التي تريد أن تقوم بها.. دينيه كانت أو ثقافيه السياسيه..المجتمع الواعي لايمارس التخريب بأسم الحريه..ولا التبطل والتسكع بإسم الحريه..الحريه قيمه مساعده ليس مطلوبه لذاتها..قيمتها تكمن في أنها تتيح للإنسان اخراج كل مكنوناته الإبداعية والقيميه وتفجير كل طاقته لفائدته هو ولفائده المجتمع..فالوعي(ضع تحت كلمه وعي ماشاء الله لك من الخطوط)..هو القيمه وزير المركزيه التي تدور حولها كل القيم التي تعلي من شأن الانسان.
ameinmusa@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم