الثوّار .. أدبهم وثقافتهم .. بقلم: خالد فضل

الثورة الشعبية السودانية المشتعلة الآن , تقدّم في كل حركة من تحركاتها ملمحا من ملامحها المتفرّدة , هي باختصار ثورة عصرية بكل معاني المعاصرة , لذلك تبدو ردود فعل الطغاة العتاة من سدنة التخلف , تشبه وضعيتهم الوضيعة , يبدو العجز بائنا في أفعال الأجهزة الأمنية , التي لم تستنكّف كون مهامها قد سلبتها منها مليشيا الظل ؛ بحسب تعبير علي عثمان , فبات اطلاق الذخيرة الحيّة والرصاص القاتل ضد شباب وشابات وصبية وصبايا في أعمار العشرينات وما دونها , حدثا مصاحبا لحملات الترويع والوحشية ضد هولاء المتظاهرين العُزّل , وتتم ممارسة ذات أساليب التخويف , وكسر أبواب البيوت , واشهار السلاح في وجوه أصحاب المنازل , ومطاردة الشباب في الحافلات والمواصلات العامة وتفتيش الهواتف النقّالة , وغيرها من ممارسات , تدلّ في جوهرها على حالة الرعب المستحكمة التي تسيّر أفعال منتسبي تلك المليشيات أو الأجهزة التي يغلب عليها طابع المليشيا , باعتبار أنّ ثقافة وأدب ثلاثين عاما من التسلّط والقهر والإستبداد لم تتجاوز أبدا عتبة القهر والقمع البدني والنفسي , والتعامل مع كل خصم وكأنّه عدو مبين , مع أنّ هولاء الخصوم كلّهم تقريبا ليسوا سوى مختلفين فقط , إذ من أدب الثوار أنّهم لا يحملون الحقد القديم , ومن سمات العصر عدم الركون للأحقاد وعقلية الثارات , حتى ذوي الشهداء الأماجد وفي غمرة الحرقة والفجيعة كانوا يعبرون في الواقع عن ثبات باهر وثقافة انسانية باذخة , وقد شاهدت مقطعا لأمّ أحد الشهداء وهي تسترجع تجربة والدها حكمدار الشرطة السابق وكيف كان يتعامل مع المواقف بحنكة وحزم وإلتزام بأخلاقيات الشرطة , هذه السيدة في غمرة حزنها تُدرك أنّ من إغتالوا ابنها إنّما مارسوا همجية لا تليق بمن يتولى مهمة حفظ الأمن وخدمة الشعب , وعلى ذلك قس , ففي كل يوم وحارة ومظاهرة وحشد شعبي ثائر , تشدو الحناجر بالأغنيات الرائعة والنشيد الثوري المموسق والهتاف بالشعارات اللطيفة العميقة المعاني , ومع كل زخة رصاص أو انفجار أنبوب بمبان , يتفرق المتظاهرون , ليعودوا من جديد بهتاف جديد جميل , مع إلتزام شامل بمبدأ سلمية التعبير ضد الحرامية ! هذه الصور المذهلة تربك فعلا منتسبي أجهزة القمع الذين تربوا مهنيا طيلة 30سنة على الرعونة والبطش واستخدام القوة المفرطة واستعلراض العضلات , الآن هم في مواجهة عصافير تشقشق بالهتاف , بنيّات وسيدات مليحات الملامح , صبية (شفوت) يسخرون من البوت , ويهتفون لزوم الغيظ ب (تسقط بس) , هذه ثورة خفيفة الظل , عميقة المعنى , شديدة الوطأة على ذوي النفوس الخربة من سدنة الإستبداد , الذين هم في غيّهم يعمهون , أحاديثهم تصبح مادة للتندر والفكاهة فور اطلاقها , وتعبيرهم البائس يصير مثار سخرية وتنكيت عبر وسائط التواصل , وأكاذيبهم تتحول مباشرة إلى دراما تخفف عن الثوار وطأة المطاردات الثقيلة .

هذه ثورة مختلفة بحق , في غضون ستة أسابيع متواصلة انتجت أدبا رفيعا , فكرته تقوم على المقاومة ولغته خفيفة سهلة بليغة مكتملة المغزى , الصور والتعليقات والفيديوهات المنتشرة عبر المواقع ومنصات التواصل والتي تجد طريقها إلى الفضائيات , مصحوبة بالتعليقات اللاذعة , كل هذا الإنتاج الثقافي والأدبي الضخم خلال شهر ونصف فقط من الزمان لو عكف عليه الأدباء والمبدعون سنينا لما خرجوا به هكذا طازجا عميقا حاضرا في التو والحين مطابقا للحال , وهذه قمة بلاغة الكلام , في المقابل لا يجد من هم في الوجه الخطأ من التاريخ ما ينافحون به عن الطغيان سوى كلام ميّت مقيت مكرر معاد وسمج يعبّر عن خواء معرفي وحضيض أخلاقي وفقر سياسي وفكري مدقع وسقم إنساني فظيع , أدبيات مثل قطع الرقاب أو تهويمات جوفاء مصحوبة بوعيد الكتائب , أو هترشة مضحكة تأخذ طريقها إلى رحاب الثوار فورا فينتجون منها مادة أدبية ساحرة , ثوار يوقعون الهتاف على تغريد النأي والمزمار , ومهندسات يخطن على اللافتات قليل الكلام عظيمه , وشباب ينقذ الشرطي الجلريح ويسعف من يطارده بالرصاص والغاز والهراوات , هذه يا صاح ثورة سودانية كبرى , سطرها هذا الجيل في دفتر عطائه الوطني والإنساني الثر , وليظل الطغاة فاغري أفواههم ببلاهة , يلوكون الحديث الفج السطحي عن طباعة العملة رب رب رب للسقف فتأمل !!!!!

wadfadul85@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً