باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 1 نوفمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
طلعت محمد الطيب
طلعت محمد الطيب عرض كل المقالات

الجبهة الجماهيرية العريضة بين ضرورة الوحدة وإشكالية الإقصاء السياسي

اخر تحديث: 1 نوفمبر, 2026 6:50 مساءً
شارك

قراءة نقدية في مشروع محمد مختار الخطيب

بديلاً لبرنامج الهبوط الناعم

مقدمة
في مقاله المعنون «المشروع البديل لبرنامج الهبوط الناعم… الجبهة العريضة هي الحل»، يطرح الأستاذ محمد مختار الخطيب، السكرتير السياسي للحزب الشيوعي السوداني، تصوراً سياسياً وتنظيمياً لبناء جبهة جماهيرية عريضة، تستهدف إحداث تغيير جذري في بنية الدولة السودانية، وإنهاء الحرب، واستعادة مسار الثورة، وتأسيس نظام ديمقراطي يستجيب لتطلعات الجماهير.
لا شك أن الدعوة إلى بناء جبهة جماهيرية واسعة في ظل الكارثة الوطنية التي يعيشها السودان تمثل ضرورة سياسية وتاريخية. فالحرب لم تعد مجرد صراع عسكري بين قوتين مسلحتين، وإنما أصبحت تعبيراً عن أزمة عميقة في بنية الدولة، وعن فشل تاريخي في تأسيس مشروع وطني يستوعب التعدد الاجتماعي والثقافي والسياسي للسودانيين.
غير أن أهمية الهدف لا تعفينا من مناقشة الوسائل والتصورات السياسية المطروحة لتحقيقه. فالسؤال ليس فقط كيف نبني جبهة جماهيرية عريضة، وإنما أيضاً: ما طبيعة هذه الجبهة؟ وما حدود التعدد داخلها؟ ومن يحدد برنامجها؟ وكيف تُدار الاختلافات بين مكوناتها؟ وما العلاقة بين أهداف التغيير الاستراتيجية والوسائل العملية لتحقيقها؟
إن قراءة مشروع الخطيب تفتح الباب أمام عدد من الأسئلة الفكرية والسياسية التي تتجاوز تقييم موقف الحزب الشيوعي من الحرب أو من القوى السياسية المختلفة، لتطال طبيعة المشروع البديل نفسه، ومدى اتساقه مع المبادئ الديمقراطية التي يطرحها باعتبارها أساساً لبناء الدولة والمجتمع.
أولاً: اختزال الأزمة في ثنائية المشروع الجذري والهبوط الناعم
يبدو أن المقال ينطلق من تقسيم سياسي أساسي بين مشروع التغيير الجذري، الذي يتبناه الحزب الشيوعي وقوى التغيير الجذري، وبين مشروع الهبوط الناعم الذي يُنظر إليه باعتباره امتداداً للمساومات السياسية التي أعادت إنتاج الأزمة السودانية.
لكن هذا التقسيم، على الرغم من استناده إلى تجارب سياسية حقيقية، يثير إشكالية تتعلق بمدى قدرته على استيعاب التعقيد الفعلي للمشهد السوداني.
فالقوى السياسية السودانية ليست كتلتين متجانستين، إحداهما ثورية وجذرية بالضرورة، والأخرى إصلاحية أو تسووية بالضرورة. فداخل كل تيار تباينات في الرؤية والمصالح والتجربة السياسية، كما أن المواقف من الحرب ومن مستقبل الدولة لا تتطابق بالضرورة مع التصنيفات الأيديولوجية والتنظيمية المسبقة.
ومن ثم فإن تحويل الخلاف حول طبيعة الانتقال السياسي إلى ثنائية مغلقة بين التغيير الجذري والهبوط الناعم قد يؤدي إلى تضييق المجال السياسي، بدلاً من توسيعه.
فالمطلوب ليس التخلي عن نقد التسويات التي أعادت إنتاج الأزمة، وإنما التمييز بين التسوية التي تعيد إنتاج بنية الاستبداد، والتوافق السياسي الذي تفرضه ضرورة بناء دولة ديمقراطية تستوعب التعدد والاختلاف.

ثانياً: الهبوط الناعم بين المفهوم السياسي والتوظيف الإقصائي
يستحق مفهوم «الهبوط الناعم» وقفة مستقلة، لأنه يحتل موقعاً مركزياً في بناء الحجة السياسية للمقال.
ظهر هذا المفهوم في سياق الصراع حول مستقبل نظام الإنقاذ، وارتبط بالمساعي الرامية إلى إدارة الانتقال من النظام القائم إلى صيغة سياسية جديدة عبر التفاوض والتسوية، دون تفكيك جذري لمراكز القوة الاقتصادية والعسكرية والأمنية التي تشكلت في ظل النظام السابق.
ومن هذه الزاوية، فإن نقد الهبوط الناعم له أساس سياسي مشروع؛ إذ إن الانتقال الذي يكتفي بتغيير الواجهات السياسية، مع الإبقاء على البنية العميقة للدولة ومراكز النفوذ ومصالحها الاقتصادية، لا يمثل تحولاً ديمقراطياً حقيقياً، وإنما قد يكون إعادة إنتاج للنظام القديم بأدوات جديدة.
لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول المفهوم من توصيف لنهج سياسي محدد إلى تصنيف شامل للقوى والأفراد، بحيث يصبح الاختلاف حول وسائل الانتقال أو طبيعة التسوية السياسية دليلاً كافياً على الانتماء إلى مشروع الهبوط الناعم.
فهناك فرق جوهري بين رفض التسويات التي تحافظ على بنية الاستبداد، وبين رفض مبدأ التوافق السياسي نفسه. كما أن التفاوض ليس بالضرورة تنازلاً عن أهداف الثورة، مثلما أن تبني خطاب التغيير الجذري لا يمثل في حد ذاته ضمانة لتحقيقه.
إن التغيير الجذري لا يُقاس بحدة الشعارات، وإنما بمدى قدرته على تفكيك البنية المنتجة للاستبداد، وإقامة مؤسسات ديمقراطية خاضعة للمساءلة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإخضاع المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية لسلطة الدولة المدنية.
ومن المهم هنا التمييز بين التسوية التي تعيد إنتاج النظام القديم، والتوافق الوطني الذي يفتح الطريق أمام تأسيس نظام جديد.
فإذا كان الهبوط الناعم يعني الإبقاء على بنية النظام السابق ومصالحها، فإن رفضه موقف مفهوم ومشروع. أما إذا اتسع المفهوم ليشمل كل من يختلف مع الحزب الشيوعي حول البرنامج المرحلي أو أدوات الانتقال أو طبيعة التحالفات، فإنه يفقد دقته التحليلية ويتحول إلى أداة سياسية للإقصاء.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل المطلوب بناء جبهة جماهيرية تستوعب كل القوى المستعدة للاتفاق على برنامج ديمقراطي لمواجهة الحرب والاستبداد، أم بناء جبهة تشترط مسبقاً تبني رؤية سياسية وأيديولوجية بعينها؟

ثالثاً: الجبهة العريضة وإشكالية الإقصاء السياسي
تتمثل إحدى أهم الإشكاليات في المشروع المطروح في العلاقة بين اتساع الجبهة وشروط الانضمام إليها.
فالجبهة الجماهيرية العريضة، بحكم طبيعتها، يفترض أن تكون إطاراً سياسياً يجمع قوى اجتماعية وسياسية ونقابية ومهنية وشبابية مختلفة، تتباين في مرجعياتها الفكرية ومواقفها من قضايا عديدة، لكنها تلتقي حول برنامج مشترك يحدد الحد الأدنى من الأهداف والمهام الوطنية.
ولا يمكن أن تتحقق هذه الصفة إذا تحولت الجبهة إلى إطار يضم فقط القوى التي تتبنى مسبقاً الرؤية الفكرية والسياسية للحزب الداعي إليها.
إن وحدة القوى السياسية لا تعني تطابقها الفكري، كما أن الاتفاق على برنامج مرحلي لا يتطلب الاتفاق على المشروع الاجتماعي والاقتصادي النهائي لكل مكون من مكونات التحالف.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الاتفاق على الأهداف المشتركة، والاتفاق على مجمل التصورات الأيديولوجية.
فمن الممكن أن تتفق قوى ليبرالية ويسارية وقومية ومستقلة على إنهاء الحرب، وإقامة حكم مدني ديمقراطي، وتفكيك دولة الحزب الواحد، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية، وتحقيق العدالة الانتقالية، دون أن تتفق على طبيعة النظام الاقتصادي أو شكل الدولة الاجتماعي في المدى البعيد.
إن فرض الاتفاق على هذه القضايا مسبقاً من شأنه أن يحول الجبهة من تحالف وطني واسع إلى إطار أيديولوجي محدود.
والسؤال هنا: هل تستهدف الجبهة العريضة توحيد القوى المختلفة حول برنامج مشترك، أم توحيد القوى المتفقة سلفاً مع رؤية الحزب الشيوعي؟

رابعاً: اتفاق الحد الأدنى والمشروع المرحلي
يبدو أن المقال يتحفظ على اختزال أهداف التغيير الجذري في اتفاق الحد الأدنى، باعتبار أن ذلك قد يؤدي إلى التراجع عن الأهداف الاستراتيجية للثورة.
وهذا التحفظ مفهوم من زاوية الخوف من إعادة إنتاج التجارب الانتقالية السابقة، التي انتهت إلى تسويات لم تمس جوهر بنية السلطة.
لكن اتفاق الحد الأدنى لا يعني بالضرورة التخلي عن المشروع الاستراتيجي، وإنما يمثل آلية سياسية لتنظيم العمل المشترك بين قوى لا تتطابق في رؤاها النهائية.
والتاريخ السياسي يقدم نماذج عديدة لتحالفات جمعت قوى مختلفة فكرياً واجتماعياً حول مهام محددة، دون أن يشترط ذلك ذوبان مكوناتها في رؤية واحدة.
والتمييز بين البرنامج الاستراتيجي والبرنامج المرحلي ضروري في أي عمل سياسي جاد.
فالبرنامج الاستراتيجي يعبر عن التصور النهائي لطبيعة الدولة والمجتمع والاقتصاد، بينما يحدد البرنامج المرحلي المهام التي يمكن الاتفاق عليها في لحظة تاريخية معينة.
وفي الحالة السودانية الراهنة، فإن وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة الحكم المدني، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، تمثل مهاماً وطنية عاجلة لا ينبغي أن تتوقف على حسم الخلافات الفكرية حول مستقبل الاقتصاد أو طبيعة التحول الاجتماعي.
إن الاتفاق على الحد الأدنى ليس تنازلاً عن التغيير، بل قد يكون شرطاً ضرورياً لتوسيع قاعدته الاجتماعية والسياسية.

خامساً: احتكار تمثيل الثورة وإشكالية الشرعية السياسية
من القضايا التي تستحق النقاش أيضاً العلاقة بين القوى التي شاركت في الثورة وبين ادعاء تمثيل مشروعها السياسي.
فثورة ديسمبر لم تكن ملكاً لتنظيم سياسي بعينه، ولم تكن نتاجاً لبرنامج أيديولوجي واحد، وإنما كانت انفجاراً شعبياً واسعاً شاركت فيه قطاعات اجتماعية ومهنية وشبابية وسياسية متعددة.
لقد أنتجت الثورة طاقة جماهيرية تجاوزت الأطر التنظيمية التقليدية، وكان من أهم شعاراتها الحرية والسلام والعدالة.
ومن ثم فإن أي محاولة لحصر تمثيل الثورة في قوى محددة، أو اعتبار أن امتلاك التفسير الصحيح لشعاراتها يمنح صاحبه حق تحديد من ينتمي إليها ومن يُستبعد منها، تنطوي على إشكالية سياسية وديمقراطية.
فالشرعية الثورية لا تمنح أحداً حق الوصاية الدائمة على الجماهير.
كما أن المشاركة في الثورة لا تعني امتلاك تفويض مفتوح لتحديد مستقبل البلاد نيابة عن بقية السودانيين.
إن الثورة، في جوهرها، عملية تاريخية مفتوحة على التعدد والتفاعل والصراع الفكري والسياسي، ولا يمكن اختزالها في إرادة تنظيم أو تحالف بعينه.

سادساً: التناقض بين الديمقراطية المعلنة والممارسة التنظيمية
تتضمن أطروحة الجبهة العريضة تأكيداً على الديمقراطية باعتبارها أساساً لبناء الدولة الجديدة وإدارة الاختلاف السياسي.
غير أن هذا التأكيد يطرح سؤالاً مهماً يتعلق بعلاقة الحزب الشيوعي نفسه بالديمقراطية داخل بنيته التنظيمية، وتحديداً بمبدأ المركزية الديمقراطية.
فهذا المبدأ، بصيغته التنظيمية التقليدية، يقوم على مركزية القرار، وسيادة الهيئات العليا على الهيئات الدنيا، والتزام القاعدة بقرارات القيادة، إلى جانب ضوابط صارمة بشأن التكتل والانضباط التنظيمي، بما قد يحد من التواصل الأفقي بين العضوية ويجعل الحوار الداخلي محكوماً إلى حد كبير بقنوات القيادة والهيئات التنظيمية.
وقد تترتب على بعض تطبيقاته معاقبة الأعضاء بسبب التكتل، وإلزام العضو بالدفاع العلني عن موقف الحزب أو القيادة حتى عندما يكون مختلفاً معه في قناعته الشخصية.
وهنا لا يتعلق الأمر بحق الحزب في تنظيم صفوفه أو الالتزام بقرارات مؤسساته؛ فلكل تنظيم سياسي الحق في وضع قواعده الداخلية.
إنما يتعلق الأمر بالسؤال عن مدى اتساق هذه الممارسة مع الدعوة إلى بناء جبهة جماهيرية ديمقراطية تعددية.
فكيف يمكن الانتقال من تنظيم يقوم على مركزية القرار والانضباط الهرمي إلى تحالف واسع يفترض أن يقوم على الشراكة المتكافئة واحترام استقلالية مكوناته؟
وكيف يمكن بناء الثقة بين عضو الحزب والجماهير المنتمية إلى تنظيمات أخرى، إذا كان الاختلاف داخل الحزب نفسه محكوماً بقيود قد تحد من حرية التعبير والتنظيم؟
إن الديمقراطية ليست مجرد موقف سياسي نطالب به الدولة أو القوى الأخرى، وإنما هي ثقافة وممارسة يومية تبدأ من داخل التنظيمات التي تتبناها.
ويبدو أن عجز الحزب الشيوعي عن إنجاز الإصلاحات الديمقراطية المطلوبة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك المنظومة الاشتراكية قد ترك أثراً عميقاً على تجربته الفكرية والتنظيمية، وظلت أسئلة الديمقراطية الداخلية والعلاقة بين القيادة والقاعدة والحق في الاختلاف تلاحقه.
ولا يكفي أن تتفق مكونات الجبهة على الديمقراطية باعتبارها هدفاً نهائياً، بل ينبغي أن تتفق أيضاً على ممارستها داخل التحالف نفسه.
وهذا يقتضي وضع قواعد واضحة لاتخاذ القرار، واحترام استقلالية المكونات، وضمان حق الاختلاف، وإدارة الخلاف بالحوار، ومنع هيمنة أي تنظيم على بقية الأطراف.

سابعاً: المشروع الاقتصادي والتغيير الجذري
لا يكتمل الحديث عن التغيير الجذري دون مناقشة طبيعة المشروع الاقتصادي والاجتماعي الذي يستهدف إقامة الدولة الجديدة.
فمن الواضح أن الأزمة السودانية لا تنحصر في طبيعة النظام السياسي، وإنما ترتبط أيضاً ببنية اقتصادية تاريخية قامت على تركيز الثروة والسلطة، وتوسيع الفوارق الاجتماعية، وإخضاع موارد الدولة لمصالح شبكات النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي.
لكن الاتفاق على تشخيص هذه الأزمة لا يعني بالضرورة الاتفاق على وصفة اقتصادية واحدة لمعالجتها.
فالقوى السياسية والاجتماعية التي يمكن أن تشارك في الجبهة العريضة قد تختلف حول دور القطاع العام، وطبيعة الملكية، والاستثمار الخاص، والسياسات الضريبية، وعلاقة الدولة بالسوق.
وهذه الاختلافات لا ينبغي أن تكون سبباً لاستبعادها من التحالف، طالما أنها تقبل بقواعد الديمقراطية وبحق المواطنين في اختيار السياسات الاقتصادية عبر المؤسسات المنتخبة.
إن المطلوب في المرحلة الانتقالية هو الاتفاق على مبادئ اقتصادية واجتماعية أساسية، مثل العدالة في توزيع الموارد، ومحاربة الفساد، وإعادة توجيه الإنفاق العام نحو الخدمات الأساسية، وحماية الفئات الأكثر تضرراً من الحرب، وإخضاع الموارد والمؤسسات الاقتصادية لرقابة الدولة المدنية.
أما حسم طبيعة النموذج الاقتصادي والاجتماعي النهائي، فينبغي أن يظل مفتوحاً للنقاش السياسي والديمقراطي.

ثامناً: من الشعارات إلى شروط الواقع
إن نجاح أي مشروع سياسي لا يتوقف على سلامة أهدافه النظرية فحسب، وإنما يتطلب أيضاً امتلاك القدرة على تحويل تلك الأهداف إلى برنامج عملي قابل للتنفيذ.
والسودان اليوم يواجه واقعاً بالغ التعقيد: حرباً مدمرة، وانهياراً واسعاً لمؤسسات الدولة، ونزوحاً ولجوءاً بالملايين، وتدهوراً اقتصادياً واجتماعياً، وانقسامات جغرافية ومجتمعية عميقة.
في مثل هذا الواقع، لا يكفي طرح مشروع سياسي بديل، وإنما ينبغي تحديد القوى الاجتماعية القادرة على حمله، والآليات التنظيمية التي ستجمعها، والوسائل التي ستتيح لها الوصول إلى الجماهير المتضررة من الحرب.
كما ينبغي تحديد العلاقة بين القوى المدنية والمكونات الاجتماعية في الأقاليم المختلفة، وعدم التعامل مع الجماهير باعتبارها مجرد قاعدة تأييد لمشروع سياسي جاهز.
إن بناء جبهة جماهيرية حقيقية يتطلب عملية سياسية من أسفل إلى أعلى، تنطلق من النقابات والمبادرات المدنية ولجان المقاومة والتنظيمات المهنية والمجتمعية، وتتيح لهذه المكونات المشاركة الفعلية في صياغة البرنامج واتخاذ القرار.
فالجماهير لا تصبح شريكاً في التغيير بمجرد الدعوة إلى تمثيلها، وإنما من خلال امتلاكها القدرة على التأثير في القرار السياسي ومحاسبة القيادات التي تتحدث باسمها.

تاسعاً: الحل السلمي وميزان القوى وإشكالية الاتساق السياسي
يتمسك الأستاذ محمد مختار الخطيب بالحل السلمي باعتباره المدخل لإنهاء الحرب واستعادة مسار الانتقال الديمقراطي. وهو موقف يتسق، من حيث المبدأ، مع ضرورة وقف نزيف الدم السوداني وحماية المدنيين والحفاظ على ما تبقى من وحدة البلاد ومؤسساتها.
غير أن الإشكالية التي تستحق النقاش لا تتعلق بمبدأ الحل السلمي في حد ذاته، وإنما بمدى اتساق هذا الموقف مع الأهداف الاستراتيجية التي يطرحها الحزب الشيوعي، وفي مقدمتها وقف الحرب، والعودة إلى الحكم المدني، وهزيمة مشروع التمكين، وتفكيك بنية الرأسمالية الطفيلية الإسلاموية التي تشكلت في ظل نظام الإنقاذ.
فهذه ليست أهدافاً إجرائية يمكن تحقيقها بمجرد التوصل إلى اتفاق سياسي بين أطراف الحرب، وإنما هي أهداف تتطلب تغييراً فعلياً في موازين القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية، بما يسمح بتقليص نفوذ القوى المستفيدة من استمرار بنية النظام السابق، ويمنعها من إعادة إنتاج سلطتها من خلال تسوية جديدة.
وهنا تبرز نقطة أساسية: لا يمكن افتراض أن وقف الحرب والعودة إلى الحكم المدني وهزيمة التمكين يمكن أن تتحقق بمجرد الدعوة إلى التفاوض، دون الإجابة عن سؤال ميزان القوى الذي سيحكم العملية السياسية ونتائجها. فالتفاوض لا يجري في فراغ، وإنما بين أطراف تمتلك أدوات متفاوتة من القوة والنفوذ والقدرة على فرض شروطها.
ومن هذه الزاوية، تبدو هناك مساحة للتقاطع بين الطرح الذي يقدمه الخطيب وبعض مواقف تحالف «صمود»، من حيث الرهان على الحل السياسي السلمي، مع اختلاف المرجعيات والتصورات السياسية بين الطرفين. لكن الإشكالية في الحالتين، كما أراها، هي أن الدعوة إلى إنهاء الحرب والتوافق السياسي تظل ناقصة إذا لم تقترن بتصور واضح لكيفية تغيير ميزان القوى الذي أتاح لقوى النظام السابق الاحتفاظ بنفوذها الاقتصادي والسياسي والعسكري.
إنني لا أطرح هنا موقفاً رومانسياً حالماً، منفصلاً عن الواقع السوداني المؤلم، ولا أدعو إلى استمرار الحرب أو تمجيد العمل العسكري. وإنما أشير إلى أن الحديث عن تفكيك التمكين وهزيمة الرأسمالية الطفيلية الإسلاموية، في ظل حرب طاحنة، يتطلب مواجهة السؤال الصعب المتعلق بكيفية إضعاف مراكز القوة التي تحمي هذه المصالح، وإيجاد الشروط السياسية والاجتماعية التي تجعل التحول المدني الديمقراطي ممكناً.
وتزداد هذه الإشكالية وضوحاً عند استحضار تجربتين تاريخيتين في منتصف تسعينيات القرن الماضي، تتصلان بقوى سياسية أصبحت بعض مكوناتها وشخصياتها لاحقاً ضمن الطيف المدني الذي يلتقي اليوم في تحالف «صمود».
التجربة الأولى تتعلق بمحاولة الحزب الشيوعي السوداني تشكيل قوة «مجد» في إريتريا لمقاومة نظام الإنقاذ. وبصرف النظر عن محدودية تلك القوة وضعف إمكاناتها العسكرية، فإن مجرد تبني هذا الخيار في تلك المرحلة يمثل دلالة سياسية تستحق التوقف عندها؛ إذ يعكس أن الحزب لم يكن يتمسك دائماً بحصر مواجهة نظام الإنقاذ في الوسائل السلمية، بل سبق أن تعامل مع العمل المسلح باعتباره أحد الخيارات الممكنة في سياق مقاومة النظام.
أما التجربة الثانية فتتعلق بتأسيس قوات التحالف السودانية بقيادة العميد عبد العزيز خالد في إريتريا عام 1994، وهي القوة التي انخرطت لاحقاً في إطار التجمع الوطني الديمقراطي، وشاركت في العمل العسكري المعارض لنظام الإنقاذ. وقد ارتبطت هذه التجربة بشخصيات وقوى سياسية من الطيف الذي أصبح لبعض مكوناته حضور في تحالف «صمود» لاحقاً.
ولا تكمن أهمية استحضار التجربتين في المقارنة العسكرية بينهما، وإنما في طرح سؤال الاتساق السياسي والتاريخي: كيف كانت المقاومة المسلحة أحد الخيارات المطروحة لدى بعض هذه القوى في تسعينيات القرن الماضي، عندما كان نظام الإنقاذ في سنواته الأولى، بينما أصبح الحل السلمي اليوم هو الإطار الذي ينبغي أن تُقرأ من خلاله مواجهة بنية النظام ومصالحها؟
وهنا يبرز السؤال الذي أعتقد أنه يستحق إجابة سياسية وفكرية واضحة: ما الذي تغير في طبيعة نظام الإنقاذ حتى يصبح التمسك بالحل السلمي اليوم هو المدخل الوحيد المطروح لمواجهته؟ هل تغيرت طبيعة البنية السياسية والاقتصادية التي قام عليها النظام؟ وهل تخلت القوى المرتبطة بالتمكين عن مصالحها ومراكز نفوذها؟ أم أن الذي تغير هو تقدير هذه القوى لوسائل المواجهة وشروطها في ضوء التجارب السابقة والتحولات التي شهدها السودان؟
إن استدعاء تجربة «مجد» وتجربة قوات التحالف السودانية ليس دعوة إلى تكرارهما، ولا مطالبة للحزب الشيوعي أو القوى المدنية بتبني الخيار العسكري، وإنما هو مطالبة بالاتساق النظري والسياسي، وبشرح التحولات التي طرأت على رؤيتها لطبيعة الصراع وأدوات مقاومته.
فمن حق القوى السياسية أن تراجع مواقفها السابقة، وأن تستخلص دروساً من تجاربها، وأن تصل إلى قناعة بأن العمل المسلح لم يكن الخيار المناسب أو أن كلفته السياسية والإنسانية تفوق جدواه. لكن من حق الرأي العام أيضاً أن يعرف الأسس الفكرية والسياسية التي قامت عليها هذه المراجعة، وما إذا كانت تعبيراً عن تطور في فهم طبيعة الدولة والصراع، أم مجرد استجابة لظروف سياسية جديدة.
فالسلام ليس مجرد نقيض للحرب، وإنما هو أيضاً مشروع لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة. ولا يمكن أن يكون سلاماً مستداماً إذا أفضى إلى الإبقاء على مراكز القوة التي أنتجت الحرب، أو أعاد دمجها في مؤسسات الدولة دون تفكيك نفوذها وإخضاعها للقانون والمساءلة.
ومن ثم فإن التحدي أمام الحزب الشيوعي، وكذلك أمام تحالف «صمود» وسائر القوى المدنية، لا يتمثل فقط في إعلان التمسك بالحل السلمي، وإنما في تقديم تصور عملي يربط بين وقف الحرب وتغيير ميزان القوى، وبين التسوية السياسية وتفكيك بنية التمكين، وبين العودة إلى الحكم المدني وضمان ألا تتحول تلك العودة إلى غطاء لإعادة إنتاج النظام القديم.
إن السؤال الحقيقي ليس: هل نختار السلام أم الحرب؟ وإنما: كيف نصنع سلاماً لا يعيد إنتاج الأسباب السياسية والاقتصادية والعسكرية التي أدت إلى الحرب؟

خاتمة: وحدة حول مشروع وطني أم وحدة حول رؤية أيديولوجية؟

إن مشروع الجبهة الجماهيرية العريضة الذي يطرحه محمد مختار الخطيب يثير قضية سياسية مهمة تتجاوز حدود الحزب الشيوعي، وهي قضية البحث عن صيغة وطنية قادرة على توحيد السودانيين في مواجهة الحرب والاستبداد، وإعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية.
لكن نجاح هذا المشروع يتوقف على قدرته على تجاوز التناقض بين الدعوة إلى الوحدة وبين الميل إلى وضع شروط سياسية وأيديولوجية قد تضيق قاعدة المشاركة. كما يتوقف على مدى الاستعداد لممارسة الديمقراطية داخل التحالف، واحترام استقلالية مكوناته، والاعتراف بأن الاختلاف الفكري والسياسي ليس عائقاً أمام العمل المشترك، بل حقيقة ينبغي تنظيمها وإدارتها.
ويضاف إلى ذلك تحدٍ آخر لا يقل أهمية، وهو ضرورة الاتساق بين الأهداف الاستراتيجية المعلنة والوسائل السياسية المطروحة لتحقيقها. فلا يكفي أن نرفع شعارات وقف الحرب، والعودة إلى الحكم المدني، وهزيمة التمكين، وتفكيك الرأسمالية الطفيلية الإسلاموية، دون تقديم إجابات واضحة عن كيفية تغيير موازين القوى التي تحمي هذه المصالح وتمنحها القدرة على إعادة إنتاج نفسها.
إن نقد الهبوط الناعم لا ينبغي أن يتحول إلى رفض لكل أشكال التوافق السياسي، مثلما أن الدعوة إلى التغيير الجذري لا ينبغي أن تتحول إلى احتكار لتعريف الثورة أو تحديد القوى المؤهلة للمشاركة في مستقبل السودان. كما أن التمسك بالحل السلمي ينبغي ألا يتحول إلى مجرد شعار منفصل عن شروط تحقيق السلام العادل والمستدام.
فالتغيير الجذري الحقيقي لا يتحقق بمجرد إقصاء القوى المخالفة، ولا بمجرد الدعوة إلى التفاوض، وإنما ببناء مؤسسات ديمقراطية قادرة على استيعاب التعدد، وتفكيك علاقات الهيمنة، وإخضاع السلطة للمساءلة، وإيجاد ميزان قوى اجتماعي وسياسي يسمح بإنجاز التحول الديمقراطي ويحميه من الانتكاس.
والسؤال الذي أعتقد أنه ينبغي أن يظل مفتوحاً أمام أصحاب مشروع الجبهة العريضة هو:
هل نريد جبهة تجمع السودانيين حول مشروع وطني مشترك، رغم اختلافاتهم الفكرية والسياسية، أم جبهة تجمع المتفقين معنا حول مشروع سياسي محدد سلفاً؟
وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف يمكن الجمع بين التمسك بالحل السلمي وتحقيق أهداف استراتيجية تتطلب تغييراً جذرياً في موازين القوى، دون الوقوع في وهم أن التفاوض وحده قادر على تفكيك بنية السلطة ومصالحها؟
إن الإجابة عن هذين السؤالين هي التي ستحدد ما إذا كانت الجبهة العريضة مشروعاً حقيقياً لبناء تحالف وطني ديمقراطي، أم أنها ستظل إطاراً سياسياً محدوداً، مهما اتسعت شعاراته.

طلعت محمد الطيب

talaat1706@gmail.com

Author
طلعت محمد الطيب

طلعت محمد الطيب

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
من الهدنة إلى السلام: مسار واقعي لإنقاذ السودان
بيانات
بيان إنضمام إلي حركة/ جيش تحرير السودان تحت قيادة الأستاذ عبدالواحد محمد أحمد النور
منبر الرأي
السودان وروسيا ..من يساعد من ؟
منبر الرأي
الدبلوماسية السودانية واستصغار الصحافة- حين تغيب أبجديات العلاقة بين الدولة والإعلام
منبر الرأي
“دارفور لا تعنينا”.. هكذا هتف النهري الانفصالي

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الآمال للمرحلة الجديدة من عمر السودان بعد الانتخابات .. بقلم: إسماعيل عبدالحميد شمس الدين

إسماعيل شمس الدين
منبر الرأي

الانتصار العظيم لثورة الشباب والشابات والرحيل الحتمي للوجوه الحاضرة في أيام الملحمة الثورية .. بقلم: اسماعيل عبد الجميد شمس الدين/ قطر

إسماعيل شمس الدين
منبر الرأي

ذهب السودان بدلا ان يكون طريقا للتنمية والخير تحول الي طريق للبؤس والشقاء والموت الزؤام !!!.؟

حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي
منبر الرأي

في تذكر أمين زكي كابتن السودان 1970 .. بقلم: محمد الشيخ حسين

محمد الشيخ حسين
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss