الجبهة الشعبية لتحرير (أغاني) الفنان أحمد المصطفى … بقلم: محفوظ عابدين
22 مارس, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
77 زيارة
nonocatnonocat@gmail.com
لم تكن مسيرة الفنان الاستاذ احمد المصطفى (1922-1999م) هي مجرد رحله فنية قدم فيها موهبته الصوتية وحسن الاداء الذي جذب اليه الكثيرين من المستعمين داخل وخارج السودان من خلال الكلمات الجملية المنتقاة من عدد من الشعراء ، وكانت الاصالة هي عنوان للفن الذي قدمه طوال حياته الفنية ، كانت حياته الفنية في الاصل خدمة للسودان لان الفن هو احد ادوات التواصل مع العالم وهي اللغة التي يمكن تخاطب بها شعوب ذات لغات ولهجات متباينة ، والمتتبع لمسيرة الاستاذ احمد المصطفي يدرك تماما عظمة هذا الرجل والذي جعل من الفن قيمة اجتماعية وثقافية ونجح من خلاله في عكس الدور المهم للفنان في خدمة الاوطان والمجتمع .
والفنان احمد المصطفي كان سفارة شعبية متنقلة بين البلدان تساهم بالتعريف بالسودان من خلال اللكلمات والالحان التي يشارك فيها على مستوى الرحلات العربية والافريقية والاوربية ومن خلال رئاسته لاتحاد الفنانين عمل على نشر الاغنية السودانية في الخارج وهو الذي طبق عمليا القول الذي يقول ان الانطلاق للعالمية يبدأ من المحلية ،وهو فنان يحظى بشهره عالمية خارج وطنه ، حيث اختارته ادارة الحكم الثنائي وهي الادارة التي كانت تستعمر السودان وهي بريطانيا ومصر قبل الاستقلال ليغني في حفلات ترفيهية في كل من ليبيا وبعض المناطق في شمال افريقيا ، وشملت جولات الفنان احمد المصطفى بلدان لم يصلها فنان سوداني من قبل في ذلك مثل الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا والمانيا ، وعرفت تلك الدول الغربية الفن السوداني عن قرب اما جولاته الافريقية فهي كثيرة جدا خاصة لدول مثل اثيوبيا وارتريا والتي جزءا من اثيوبيا قبل استقلالها في عام 1991م ، بل ان تقديره للفن وأهل الفن عندما طلب من السلطات في ارتريا بناء قبر الفنان محمد احمد سرور بالرخام تخليدا وذكرى لهذا الفنان والذي توفي خارج الوطن حيث كان يعمل في الشركات الايطالية وربا تكون شركة ( الفيات) وهي ماركة سيارات معروفة لدى أهل السودان ، وربما كانت الاغنية السودانية المعروفة (ياسائق الفيات) هي التي توثق تلك العلاقة بين محمد احمد سرور والشركة الايطالية التي كانت تنتج تلك السيارات .
التاريخ الفني الذي وضعه الفنان احمد المصطفى لم يستطع فنان آخر ان يسجل مثله فهو الفنان الوحيد الذي عمل ترقية الفن السوداني والانتقال به من مرحلة الى مرحلة جديدة وهي الاغنية السودانية المعاصرة ويعتبر من المجددين ومن رواد الرومانسية ، حيث استطاع من خلال الاهتمام بهذا النوع الفن يحدث فيه نقلة من حيث الاغنية العاطفية او الاغنية الوطنية والتي قدمها بأسلوب جديد ومتطور جمع فيه بين الرمزية والمباشرة ، ولم يتوقف تجديد الفنان احمد المصطفي في الاغنية السودانية عند اللحن والاداء فقط ، بل ذهب الى إدخال آلات موسيقية جديدة لم تعرفها الاوركسترا السودانية ،بل بعض الآلات ضمن موسيقاه بصورة اساسية مثل العود ووالاكورديون وهي آلات اقرب الى صدر عازفها فلذلك تكون العلاقة اقوى،
وكان الدور النقابي للفنان احمد المصطفى الأثر الاكبر ان يكون اتحاد الفنانين من أهم الاتحادات لدرجة انه تفوق على اتحادات الالعاب الرياضية بما فيها اتحادات كرة القدم الاكثر شعبية في السودان ، وكان يهتم بالعضوية من فنانين وعازفين ، ومن حرصه على الفن كان يرعى المواهب ويقدم الدعم الفني والمعنوي لكل صاحب صوت يمكن ان يكون اضافة للفن السوداني ،وليس أدل على ذلك ما ذكره بلوم الغرب الفنان عبد الرحمن عبدالله أو عصفور الشرق الفنان إبراهيم حسين ، ان الفنان احمد المصطفى جاءه في البيت ليكمل اجراءات تسجيله في اتحاد الفنان باعتباره فنان مكتمل المواصفات ، وكانت تلك الاجازة من عميد الفن وسام على صدر ذلك الفنان .
وهذا الفنان الذي كان حاضرا مع عملاقة الفن العربي مثل الفنان المصري المسيقار محمد وعبد الوهاب ، والفنانة اللبنانية ذائع الصيت الشحرورة صباح ، وهو الذي عرف القاهرة العاصمة المصرية قاعدة فنية وشارك في العديد من الافلام المصرية ، وكان ذلك قبل ان تعرف وردة الجزائرية القاهرة وقبل ان تقدم إليها لطيفة التونسية او غفران المغربية .
ان عالمية الفنان احمد المصطفى جديرة ان تحتفل بها كل الفعاليات السودانية ان كانت سياسية لانه كان جزءا من تفاعلات العالم وصراعه السياسي في القارات في الاربعينيات وماتلاها ،وكما جاءت ذلك في اعلى هذه المادة ، وكان يجب ان تحتفل الاوساط الفنية والثقافية لانه جزء من تاريخ السودان الثقافي والفني ، وكان يجب ان تحتفل به منظمات العمل الطوعي والانساني حيث ساهم الفنان احمد المصطفي في تشييد الكثير من دورالعلم كالمدارس والخلاوى .
ان الغياب المتعمد والتجاهل المستمر للذكرى الفنان عميد الفن احمد المطصطفى الذي توفيالثلاثين من اكتوبر فب العام 1999م تقع مسوؤليته على المؤسسات الثقافية والفنية وعلى رأسها مجلس تنظيم المهن الموسيقية، واتحاد الفنانين والذي يجب ان يكون احرص الجهات على الاحتفال بذكرى عميد الفن لانه وضع الاسس الصحيحة لهذا الاتحاد وجعل منه اسما كبيرا فاق الاتحادات الرياضية ، وتأتي المسؤولية الكبرى على اسرة الفنان احمد المصطفى وعلى رأسهم أبنه الاستاذ عز الدين ،والذي ساهم بصورة كبيرة فيما نحسب في هذا التغييب الكبير لقامة فنية سودانية سامقة مثل الفنان احمد المصطفى ،بحكم أنه يحافظ على حقوق والده الادبية والفنية والمادية وفق قانون الملكية الفكرية والذي يتيح له الحفاظ على أرث الوالد الفني من المتغولين والمنتفعين وانصاف الموهبين الذين يشوهون هذا الارث الفني ، ولكن التشدد الكبير للاستاذ عز الدين في هذا الموضوع ساهم في تغييب ذكرى عميد الفن السوداني وحتى الفضائيات والاذاعات تمر عليهم الذكري العميد دون الالتفات اليها ، وكان معجبو عميد الفن يحدوهم الامل ان ذكرى الفنان احمد المصطفى ان تكون مناسبة لمراجعة جودة الغناء السوداني وعودة للغناء الاصيل وان تكون (أغاني) عميد الفن هي الاساس والمدرسة التي ينطلق منها ،كل صاحب موهبة يريد ان يضع لبنة في مسار الاغنية السودانية .
وحز في نفوس معجبوا العميد ان يشاهد ذكرى فنانين مثل الفنان محمود عبد العزيز والفنان مصطفى سيد احمد تجد هذا الاهتمام الكبير وهذا الزخم الاعلامي وهذا الحضور الكثيف الذي يتزايد في كل عام في ذكرى هذين الفنانين مع ان الفارق بين وفاة العميد ومصطفى سيداحمد بضع سنوات ، الامر الذي دعا بعض معجبي الفنان العميد في التفكير لاطلاق حملة او تكوين جبهة شعبية لتحرير( أغاني) الفنان احمد المصطفى ، ليعود ذلك الفن الاصيل من جديد بعيدا من هذا الهرج الذي يملأ الساحة الفنية .