دكتور الوليد آدم مادبو
للتاريخ عادة لا تقل غرابة عن عادة المجتمعات في صناعة الأساطير؛ فهو كثيرًا ما يحتفظ، في الصفحة التالية مباشرة، بما ينقض ما كتبه في الصفحة السابقة.
فإذا كانت الثقافة الإنسانية قد أرهقت المرأة الجميلة بسلسلة طويلة من التهم، فإنها، في مواضع قليلة، امتلكت شجاعة أن تنظر إليها بعين أخرى؛ لا بوصفها فتنة تمشي على قدمين، ولا باعتبارها لعنة متنقلة، وإنما باعتبارها إنسانًا يملك إرادةً وكرامةً وحقًا في الاختيار.
ومن أجمل هذه المواضع قصة تاجوج والمحلق، تلك الحكاية التي خرجت من بوادي شرق السودان، لكنها تجاوزت حدود المكان حتى استقرت في وجدان السودانيين جميعًا. ولم يكن سر بقائها أن بطلتها كانت فائقة الجمال، فالجمال وحده لا يخلد أحدًا، وإنما لأنها رُويت بعين أنصفت صاحبتها، في زمن كانت فيه الرواية نفسها نوعًا من العدالة.
كانت تاجوج امرأة يضرب بجمالها المثل. أحبها المحلق وتزوجها، ثم عصفت بالعلاقة الغيرة وسوء الظن، فانتهى الزواج بالفراق. وبعد ذلك ارتبطت بالنور، لكن العلاقة الثانية لم تعش طويلًا هي الأخرى، حين رأت في بعض ما صدر عنه ما يمس كرامتها، فاختارت أن تمضي في طريقها.
ولو جردنا هذه الوقائع من اسم صاحبتها، ثم عرضناها على قارئ لا يعرف القصة، لربما جاء حكمه سريعًا: امرأة جميلة، تزوجت أكثر من مرة، وكان الرجال يتخاصمون بسببها؛ إذن لا بد أنها كانت سبب الاضطراب.
ذلك هو الحكم الذي علمتنا الأساطير أن نصدره قبل أن نفكر.
لكن الراوي السوداني القديم لم يفعل ذلك.
لم يفتش في جمال تاجوج عن بذرة الفتنة، ولم يجعل من تعدد زيجاتها دليلًا على تقلبها، ولم يبحث عن عيب يوازن به نعمة الجمال. بل رأى فيها امرأة تعرف قيمة نفسها، ولا تقبل أن تعيش تحت سقف ينقص من احترامها. وحين اختارت الرحيل، لم تُصوَّر باعتبارها امرأة هاربة من الالتزام، بل امرأة متمسكة بكرامتها.
وهنا تتجلى عبقرية الحكاية.
فالوقائع لم تتغير.
امرأة جميلة.
رجال يتنافسون عليها.
طلاق.
غيرة.
لكن المعنى تغير كله.
في رواية، أصبحت هذه العناصر نفسها دليلًا على الطيش والفتنة. وفي رواية أخرى، أصبحت دليلًا على قوة الشخصية ونبل الاختيار.
أي الروايتين كانت أقرب إلى الحقيقة؟
لعل السؤال نفسه مضلل.
فالحقيقة، في مثل هذه القصص، لا تكمن في الوقائع وحدها، وإنما في الزاوية التي اختار الراوي أن يقف فيها. فالأحداث، شأنها شأن الضوء، لا تكشف ملامحها إلا بحسب الموقع الذي ننظر منه إليها.
ولهذا فإن الفرق الحقيقي بين “الشقراء الغبية” و”تاجوج” ليس فرقًا بين امرأتين، بل بين راويين.
راوٍ كان يبحث عن عبرة أخلاقية جاهزة، فاختزل المرأة في جمالها، ثم حمّلها وزر كل ما أثاره جمالها في نفوس الآخرين.
وراوٍ آخر رأى الإنسان قبل أن يرى الأسطورة، فرأى في الجمال صفة، لا قدرًا؛ ونعمة، لا تهمة.
وهنا يبرز سؤال أعمق من موضوع الجمال نفسه.
من يملك حق رواية الحكاية؟
ذلك أن السلطة لا تمارس نفسها بالقانون وحده، ولا بالسلاح وحده، بل تمارس نفسها أيضًا بالسرد. فمن يملك الرواية، يملك إلى حد بعيد حق توزيع البراءة والإدانة، وصناعة الأبطال، واختراع الأشرار.
ولهذا لا يظلم الإنسان دائمًا بما يفعل، وإنما كثيرًا ما يظلم بالطريقة التي يُروى بها ما فعل.
ولعل المرأة الجميلة كانت، عبر التاريخ، أكثر ضحايا هذا الظلم هدوءًا. فما إن تتحول إلى رمز حتى تكف عن أن تكون إنسانًا. والرموز لا يُسمح لها بالتعقيد الذي يميز البشر؛ فهي إما ملائكة وإما شياطين، إما قديسات وإما فتن، بينما الإنسان الحقيقي خليط من القوة والضعف، ومن الصواب والخطأ، ومن الجمال والنقص.
ولذلك كان الثمن الحقيقي للجمال، في كثير من الأحيان، أن تُختزل صاحبته في أجمل ما فيها.
فلا يعود الناس يرون عقلها، ولا تجربتها، ولا شجاعتها، ولا هشاشتها، بل يرون الصورة التي سبق أن رسموها لها في مخيلتهم. ومنذ تلك اللحظة، يصبح الحوار مع الواقع مستحيلًا، لأن الأسطورة تكون قد سبقت الحقيقة بخطوات.
وليس هذا خاصًا بالنساء وحدهن.
فالإنسان، بطبيعته، يميل إلى تصنيف العالم في قوالب جاهزة. ولذلك نجد الأساطير تلاحق العباقرة، والفلاسفة، والشعراء، كما تلاحق الجميلات. لكنها تبدو أكثر قسوة حين تتعلق بالمرأة؛ لأن المجتمع لا يكتفي بوصف جمالها، بل يطالبها، في الوقت نفسه، بأن تدفع ثمنه.
وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا به، لكن بعد أن تبدلت صورته.
لم يعد السؤال: لماذا تتعرض الجميلات للمصائب؟
بل أصبح:
لماذا احتاجت المجتمعات إلى أن تجعل من الجمال مصيبة أصلًا؟
ربما لأن الجمال، في جوهره، يربك كل محاولات المساواة القسرية. فهو عطية لا تُكتسب بالاجتهاد وحده، ولا توزعها القوانين، ولا تخضع لموازين الاستحقاق. ولأن الإنسان يميل إلى مقاومة ما لا يستطيع تفسيره، فقد لجأ إلى الحكاية، ثم جعل من الحكاية محكمة، ومن الأسطورة حكمًا.
وربما لهذا لا تكون الجميلة ضحية جمالها، بل ضحية الخيال الذي أصرّ الآخرون على أن يكسوها به. فالأساطير لا تولد حين تقع الأحداث، وإنما حين يختار الراوي، من بين ألف معنى ممكن، المعنى الذي يطمئن مخاوفه أكثر مما ينصف الحقيقة.
ولعل المرأة الجميلة لم تكن، في معظم الأساطير، موضوع الحكاية بقدر ما كانت مرآتها. وكل مجتمع رأى فيها صورته هو، لا صورتها هي. ولذلك فإن تاريخ الجميلات، في جوهره، ليس تاريخ الجمال، بل تاريخ الخوف منه.
وحين نعيد قراءة تاجوج، أو مارلين مونرو، أو غيرهما من النساء اللواتي أثقلتهن الأساطير، فإننا لا نكتشف شيئًا جديدًا عنهن بقدر ما نكتشف شيئًا قديمًا عن أنفسنا؛ أن الإنسان كثيرًا ما يخاف من الحقيقة حين تكون أكثر تعقيدًا من الحكاية، وأن المجتمعات، حين تعجز عن تفسير الجمال، لا تتردد في محاكمته.
ولعل هذا هو الدرس الذي يستحق أن يبقى بعد انطفاء الحكاية: أن الجمال لا يصنع الأساطير، بل الأساطير هي التي تصنع مصائر الجميلات.
auwaab@gmail.com
