الجنرال ومتلازمة إنكار الذات الحقيقية أو حين يُطالب الجاني بأن يُكتب بطلاً في كتب التاريخ

قال الجنرال في احدى إطلالاته الإعلامية (أتمنى أن يذكرني التاريخ قائدًا انتصر في وجه أكبر مؤامرة دولية ضد السودان)
عبارة كهذه لا تصدر إلا عن عقل سياسي مأزوم يحاول عبثًا أن يستنطق التاريخ لصالحه في وقت لم يعد فيه للتمنيات مكان في ذاكرة أمة نازفة. فمن المؤسف أن الرجل الذي كان على رأس المؤسسة العسكرية التي أجهضت الانتقال الديمقراطي وقادت البلاد إلى أتون الفوضى يتمنّى أن يُخلّد كمنقذ لا كمتسبّب في الانهيار
المؤامرة التي يتحدث عنها الجنرال، لم تأتِ من وراء البحار بل خرجت من بين يديه وبدأت لحظة قرر أن الانقلاب على الوثيقة الدستورية أسهل من التفاهم مع القوى المدنية وأن تسليم البلد إلى المجهول أقل كلفة من التواضع لمطالب الشعب. فلم تكن المؤامرة دولية كما ادّعي والحقيقة الثابتة أنها محلية الصنع نفّذها المجلس العسكري بقيادته حين انقلب على الحاضنة المدنية وخوّن شباب المقاومة وتواطأ مع شبكات النظام البائد من خلف الستار
وإذا ما نظرنا في سجل الجنرال سنجد أن كل ملف تحت مسئوليته قد تحول إلى مأساة. فمن جهة الأمن أشعل حربًا بين الجيش والدعم السريع فَقَد خلالها السيطرة على العاصمة وبقية الولايات وخسر المنشآت الحيوية ووجد نفسه يحكم من مدينة ساحلية بعيدة بينما الخرطوم والمدن الأخرى تغرق في الدماء. ولم يُفتح أي مسار جاد لوقف القتال أو لحماية المدنيين بل ظل هذا الجنرال يكرر شعارات الحسم القريب بينما يتساقط الناس يوميًا تحت الأنقاض
أما مشروع الثورة والذي يتحدث عنه الجنرال من حين لآخر كان هو أول ما تم ذبحه تحت راية العسكر. فبدلًا من التأسيس لانتقال مدني حقيقي اختار الجنرال طريق الغدر السياسي وفضّ الشراكة مع القوى الثورية وسعى لتسويق نفسه داخليا وإقليميًا كضامن للاستقرار وهو من أشعل الحرائق بيديه
ولعلّ الكارثة الاقتصادية التي لحقت بالسودان في عهده لم تكن إلا نتيجة طبيعية لحكم لا يؤمن بالتخطيط ولا بالكفاءة. انهار الجنيه وهربت رؤوس الأموال واستفحل الفساد وتحولت الدولة إلى ساحة للجبايات والابتزاز وبدلاً من الرؤية كانت الحرب وحدها هي السياسة
ثم جاءت المأساة الإنسانية الكبرى، حيث شُرّد الملايين ونُهبت المدن واغتُصبت النساء وتقطّعت سبل الحياة. وما زاد الفاجعة فداحة أن كل هذه الكوارث لم تُقابل باعتراف أو اعتذار بل بنفي وإنكار وتكرار للأسطوانة الممجوجة عن القوى الخارجية وعملاء الداخل وكأن الخراب قد نزل على السودان من كوكب آخر
لم يُجرِ الجنرال أي إصلاح ولا محاسبة ولا مساءلة بل تفرّغ للقاءات الداخلية والخارجية يحوم بين العواصم وفي الداخل حاملاً أوراقًا بلا مضمون وخطابًا بلا صدقية
وحين يسأل الرجل أن يذكره التاريخ فإننا نجيبه: نعم، سيذكرك التاريخ. لكنه لن يراك بطلاً بل سيكتبك جنرالًا دمر المدن والأخلاق وهدم الثورة التي مات لأجلها الشباب وأدار حربًا عبثية دمّرت ما تبقى من البلاد. سيذكرك كمن قايض مستقبل أمةٍ كاملة بمنصبه وكجنرال نصّب نفسه بديلاً عن الشعب وممثّلًا عن وطن لا يثق به
لا أحد يحق له أن يُملي على التاريخ سرديته فالتاريخ لا يُكتب بالرغبات ولا بالبيانات العسكرية بل يُكتب بدماء الشهداء وبأنين النازحين واللاجئين وبكاء الأمهات وشهادات الأحياء تحت النار
وإن كانت للشعوب ذاكرة فإن ذاكرة السودانيين لن تُجمّل صورة من سلّمهم للفوضى ووقف يتأمّل الحريق متمنيًا المجد. فما بين الأمنيات والوقائع مسافة وما بين ادعاء البطولة وسجلات الدم فرق لا يُمحى
من أراد أن يكون في سجل العظماء فليصنع عظَمة لا أن يطلبها كعطية من ذاكرة التاريخ. والتاريخ حين يكتب لا يُجامل والذاكرة لا تُزيّف. ومن سلّم وطنه للفوضى لن يكتبه الناس يومًا بطلاً ومن يطلب البطولة وهو غارق في الدم والفشل فإنما يطلب المستحيل

abdalla_gaafar@yahoo.com

عن د. عبدالله جعفر محمد صديق

شاهد أيضاً

مَلْحَمَة الَّذِينَ لَمْ يَجِدُوا مَكَانًا لِلْبُكَاء

الفصل الأوليُضَاءُ الْمَسْرَحُ الْمُزْدَانُ بِالْأحلام،تَرْتَفِعُ السِّتَارَةُ عَن جُمُوعِ الْمُنْشِدِينَ السُّمَّرِ،نَحْن الْقَادِمُونَ مِن الْفَجِيعَةِ قَد تَعُودُنَا …