إن أبغض شيء إلى المرء الكريم الذي يشعر بالعزّة والكرامة، ويحرص عليهما أن يرى نفسه مضطراً إلى أن يعترف بأنه لم يصبح بعد أهلاً لهما. فليحرص كل سوداني وكل سودانية، على تجنيب الأمة الخزي الذي نشهد الممسكين بالسلطان يغطسون فيه . و سبيل ذلك أن نأخذ أمورنا بالحزم والجد منذ المُبتدأ، وأن نعرض عن الألفاظ التي لا تُغني، ونتجه إلى الأعمال التي تُغني. وأن نبدأ إقامة حياتنا الجديدة من العمل الصادق النافع على أساس متين. نحترم الوقت ونُدقق في كل شيء، حتى نصبح أهلاً للحياة والتقدم.
(2)
حكم الاستعمار الإنكليزي السودان، عندما كان رجال الاستعمار تُشرف عليهم وزارة الخارجية البريطانية، ولم يكونوا تابعين لإدارة المستعمرات كما كان الحال عند استعمار الهند. وقد ذاقت الشعوب الهندية ألواناً من الغلظة الاستعمارية. وذلك كله يختلف اختلافاً بيّناً عن الإستعمار الكارثي للدولة العثمانية التركية.
وشرّع الإنكليز القوانين المدنية منذ بدء الاستعمار نهاية القرن التاسع عشر. استقوا تلك القوانين من القوانين الأوربية لا من النظم الاسلامية. وهم قد وضعوا النُظم الإدارية و الاقتصادية. وذهبوا في ذلك مذهب الأوربيين، بل نقلوا ذلك نقلاً عن القوانين البريطانية مع تعديل طفيف. ولم يستمدونه مما كان مألوفاً عند ملوك المسلمين وخلفائهم في القرون الوسطى. لقد قام الإنكليز بإنشاء المحاكم الأهلية ومنحوها السلطة القضائية ، مكيدة ضد المتعلمين الذين شكّلوا مؤتمر الخريجين ورفعوا مذكرة عام 1942 سياسية للحاكم العام.
فمجلس النظار أو مجلس الاستشاري، ونظارات الحكومة أو إداراتها والمصالح المتصلة بهذه النظارات، كان ذلك بريطاني المصدر، بريطاني الجوهر و الشكل، ولم يعرف منه المسلمون شيئاً، في القرون الوسطى وقبل العصر الحديث. وقد استبقت أشياء من النظم الاسلامية القديمة، ولم يكن بد من استبقائها لأنها تتصل بالدّين من قريب أو بعيد. ولكن كثيراً من التبديل والتغيير قد مسّها حتى أصبحت شديدة التأثر بالنظم الأوربية في شكلها على أقل تقدير.
ويمكننا أن نقارن بين المحاكم الشرعية التي تم تشكيلها عام 1905، والتي استمرت مختصة بالتشريعات الإسلامية في الأحوال الشخصية، حتى تعديل القوانين الذي تم في سبتمبر 1983، وسادت قوانين مُستمدة من الشريعة، حيث قام النظام الحاكم حينذاك بوضع قوانين مستمدة من الدّين على كل القوانين السودانية. ورجعت القوانين لمثيلتها أيام حكم الخليفة عبدالله في أواخر القرن التاسع عشر.
تم حرق الكُتب والأسفار القانونية ذات المراجع البريطانية أو المصرية الأصل، وصرنا إلى التشويه الذي حدث عام 1983. حيث قام ثلاثي الإخوان المسلمين ( عوض الجيد ، النيّل ، بدرية ) الذين كانوا يعملون في بداية عملهم القانوني في مكاتب النائب العام. جاءوا بقوانين الاثبات والقوانين الجنائية، وقاموا باستبدال القوانين وتفريغ نصوصها، بأخرى مُستمدة
من أحد المذاهب السُنيّة، وأطلقوا عليها القوانين الشرعية الإسلامية . فكانت الكارثة وما تبعها من قوانين الطوارئ التي راح ضحيتها كثيرون.
(3)
قامت انتفاضة أبريل 1985، وسقط نظام الحكم، وأعلن أحد زعماء الطائفية الإسلاميين عن أن قوانين سبتمبر لا تساوي الحبر الذي كُتبت به، ولكنه عند تسلمه حكم الديمقراطية السودانية الثالثة ، مؤتلفاً مع حزب طائفة الختمية الدينية، حتى رفض إلغاء القوانين، وعلل ذلك برفض حليفه في الحكم. فكانت الكارثة التي انتظرها أحد القادة السياسيين من جنوب السودان دكتور ” وولتر كونيجوك ” وزير العمل أيام الديمقراطية السودانية الثالثة، فاستقال الوزير عام عندما لم يتم إلغاء قوانين سبتمبر في عام 1987، وغادر السودان نهائياً إلى المملكة المتحدة. وقد استمر العمل بهذه القوانين الشوهاء خلال حكم الإخوان المسلمين بعد انقلابهم العسكري عام 1989، بل أضافوا عليها، خنقاً للحياة العامة، واسهاماً منهم في التأسيس لمرحلة الانحطاط التي لازمت السودان خلال حكمهم إلى الآن.
هنالك أمور يتعين الأخذ بها لاستعادة الدولة المنهوبة ، وإعادة حياتنا بين الأمم الناهضة :
1. تطوير شريعة الأحوال الشخصية، بما يساوي بين الرجال والنساء في كل شيء.
2. تعديل وزارة الأوقاف وقوانينها، وخروج الدولة من الإشراف الإداري المباشر و الصرف على الأديان، فكلها عمل أهلي خاص. تقوم الدولة بتنظيمه، كما تُنظم كل فعاليات و أنشطة العمل الخاص.
3. إلغاء ديوان الزكاة، وتحويل الديوان إلا مؤسسة ومنظمة طوعية غير ربحية. وللمسلم خيار في استخراج أموال الزكاة، وتنفق المؤسسة على مصارفها بمرجعية الدّين، وخروج الدولة عن الأمر كله.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم