لم تكن الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل 2023 مجرد صراع عسكري بين الجيش الوطني ومليشيا الدعم السريع، بل امتدت لتشمل شبكات تمويل معقدة تستند إلى مصادر غير شرعية، تُعيد إنتاج نفسها عبر آليات غسيل أموال تُمكّن من إطالة أمد القتال وتعميق أزمة إنسانية يعاني منها نحو نصف سكان السودان.
موارد الحرب غير المشروعة
تعتمد مليشيا الدعم السريع على مصادر تمويل متعددة خارجة عن القانون لإدامة عملياتها العسكرية. تشمل هذه المصادر تجارة المخدرات والاتجار بالبشر عبر الحدود مع ليبيا، حيث تبتز المهاجرين غير الشرعيين وتتقاضى رسوماً مقابل عبورهم عبر طرق صحراوية خطرة. كما تسيطر المليشيا على مناجم الذهب في جبل عامر بشمال دارفور، مستخدمة مادة السيانيد الممنوعة دولياً في عمليات التنقيب دون رقيب بيئي أو صحي، مما يتسبب في تلويث مياه الشرب وتفشي أمراض بين السكان المحليين. وفي مارس 2024، اتهم وزير المالية السوداني المليشيا بسرقة 2.7 طن من الذهب وتسعة أطنان من الفضة و350 مليون دولار من الخزينة العامة.
وتمتد السيطرة لتشمل مناطق زراعة الصمغ العربي في كردفان ودارفور، وهو منتج استراتيجي ينتج السودان نحو 80% من إمداداته العالمية، حيث تقوم المليشيا بتهريبه عبر طرق برية وتهرب العائدات من الخزينة العامة. كما تفرض رسوماً على دخول آلاف السيارات شهرياً إلى السودان، وتتقاضى مبالغ مقابل تسهيل مرور السودانيين إلى ليبيا، مستفيدة من انهيار الدولة وغياب السلطة المركزية على الحدود. وتشير تقديرات إلى أن إيرادات المليشيا من هذه الأنشطة تصل إلى مئات الملايين من الدولارات سنوياً، ما يمنحها استقلالية مالية تقلل من تأثير العقوبات الدولية.
آليات إخفاء المصادر
تستخدم المليشيا والشبكات المرتبطة بها آليات معقدة لإخفاء مصادر هذه الأموال وتحويلها إلى أصول مشروعة. تدير شركة “الجنيد” المملوكة لشقيق قائد المليشيا معظم مناجم الذهب الهامة، وكشف تحقيق سابق عن وجود حساب مصرفي للشركة في بنوك خارج البلاد، تستخدم كواجهة لتلقي أموال تصدير الذهب وتحويلها إلى عملات صعبة. منح الرئيس السابق عمر البشير عام 2018 صلاحيات واسعة لقائد المليشيا لبيع الذهب عبر هذه الشركة بعيداً عن إشراف البنك المركزي، حيث أظهرت وثائق تصدير إرسال سبائك ذهبية إلى دبي بقيمة تقارب 30 مليون دولار.
وتتلقى المليشيا تمويلاً من جهات خارجية مقابل تأمين طرق الهجرة غير الشرعية إلى ليبيا وأوروبا، وقد كشفت تقارير دولية عن تورط دول إقليمية في تمويلها وإمدادها بالأسلحة والمعدات العسكرية، مستغلة الفوضى الأمنية في السودان لتعزيز نفوذها الجيوسياسي. ويشير مراقبون إلى أن هذه التدفقات المالية الخارجية تمر عبر شبكات مصرفية في دول الجوار، تستفيد من ضعف الرقابة المالية وغياب آليات تبادل المعلومات بين البنوك المركزية. وتستخدم المليشيا أيضاً شركات وهمية في دول مختلفة لشراء العقارات والأصول، ما يجعل تتبع أموالها مهمة شبه مستحيلة.
ضعف الرقابة المالية
يعزز من هذه العلاقة التفاعلية ضعف منظومة مكافحة غسل الأموال في السودان. رغم إصدار قانون لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلا أن تقييمات مجموعة العمل المالي كشفت عن قصور كبير في التطبيق الفعلي، منها ضعف وحدة التحريات المالية وعدم استقلاليتها، وغياب أنظمة معلوماتية لمراقبة العمليات المشبوهة في الوقت الفعلي. وتستمر أجهزة المخابرات والأمن في التأثير غير المشروع على الاقتصاد، مما يسهل التهرب من العقوبات الدولية والتمويل غير الشرعي، فضلاً عن فتقر السلطات إلى آليات فعالة للوصول إلى معلومات المستفيدين الحقيقيين من الشركات.
وقد أدى انهيار النظام المصرفي في مناطق سيطرة المليشيا إلى تعميق الاعتماد على التحويلات المالية غير الرسمية، حيث تستخدم شبكات الصرافة غير المرخصة في تحويل الأموال عبر الحدود، مما يُصعّب على الجهات الرقابية تتبع مصادر التمويل ووجهاته النهائية. ويؤكد خبراء ماليون أن غياب التعاون الدولي الفعال في مجال تبادل المعلومات المالية يمثل ثغرة رئيسية تستغلها شبكات الجريمة المنظمة.
الأبعاد الإقليمية والدولية
لا تقتصر هذه الدائرة المغلقة على السودان وحده، بل تمتد لتشمل دول الجوار التي تستقبل الذهب المهرب والمهاجرين غير الشرعيين. فدول مثل الإمارات ومصر وليبيا تشكل محطات رئيسية لتهريب الذهب السوداني، بينما تمر طرق الهجرة عبر تشاد والنيجر نحو المتوسط. وقد أثارت تقارير دولية تساؤلات حول دور بعض البنوك والشركات في هذه الدول في تسهيل عمليات غسيل الأموال، دون أن تتخذ السلطات المعنية إجراءات رادعة.
استراتيجية إنهاء الحرب
تؤكد التحليلات القانونية والسياسية ضرورة استهداف شبكات غسل الأموال والاتجار بالسلاح خارج السودان كجزء أساسي من أي استراتيجية لإنهاء الحرب. فالعقوبات المفروضة حالياً تقصر عن استهداف هذه المحفزات الرئيسية، وينبغي محاسبة المسؤولين الأجانب والشركات المتورطة في غسيل الأموال والاتجار بالسلاح. ويحذر خبراء من أن استمرار تجاهل هذا البعد سيعني استمرار تدفق الأموال غير المشروعة التي تُغذي آلة الحرب، وإطالة أمد معاناة المدنيين.
في ظل هذه الدائرة المغلقة، يظل الشعب السوداني يدفع الثمن الباهظ، حيث شهد معدلات الفقر المدقع ارتفاعاً كارثياً ليشمل 71% من السكان بحسب البنك الدولي، بينما تستمر الأموال غير المشروعة في تغذية آلة الحرب وتعميق الانقسام الاجتماعي والسياسي في بلد يعاني من أطول أزمة نزوح داخلي في العالم.
د.عوض النقر بابكر محمد- السعودية- الرياض-966537626864
awadelnager@gmail.com
