الحركات الدارفورية من الهامش وإلى الهامش  .. بقلم: ناصر السيد النور

الوجود اللافت للحركات الدارفورية ووجوها القديمة والجديدة المشاركة مؤخراً فيما يسمى بالميثاق الوطني ضمن الحشود المدفوعة في موجة التصعيد الآن لحل الحكومة والمطالبة باستلام السلطة بواسطة العسكريين أمر يدعو الى الحيرة لحركات انطلقت لمقاومة نظام (الإنقاذ) الذي قاد ضدها أبشع صور الانتهاكات الإنسانية بحق السكان الإقليم الذي يصنفه خطاب الحركات من أكثر أقاليم السودان الذي عانى تهميشا تنمويا لعقود متطاولة. وهي المقاومة التي استحقت صفة قوات الكفاح المسلح كونها كانت تناضل مع قوى الثورة لإسقاط النظام البائد. ولكن أن تدعو الآن مجدداً إلى عودة النظام الديكتاتوري بخروج مظاهرات تدعو الى اعنصامات بحجة اختطاف دولة وتوسيع المشاركة السياسية بكل ما تعنيه المشاركة السياسية في تصور المكون العسكري، وليست تلك التي أكد عليها رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك في آخر مبادراته للخروج من الأزمة.
وأبرز الحركات الدارفورية حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي والعدل والمساواة ذات الخلفية الإسلامية بزعامة جبريل إبراهيم وكل من الرجلين يتسنم منصبا في حكومة الفترة الانتقالية بناء على اتفاق جوبا للسلام. فالأول كما هو معلوم أول حاكم لإقليم دارفور بسلطات استثنائية والأخير وزيراً لمالية الحكومة المفلسة التي يسعى الى حلها.  وتضم هاتان الحركتان تحت جناحيهما ما تناسل من جيوب حركات ومجموعات عرقية تمثل لافتات لوجوه غير واضحة الملامح في المشهد السياسي الدارفوري قبل القومي. فما الذي يجعل على خصوصية قضية دارفور التي حملت شعاراتها ثورة ديسمبر المجيدة أن تلجأ قيادات حركاتها المسلحة الى معسكر قطع طريق الفترة الانتقالية متضامنة مع كل ما اعتبرته في الماضي القريب يمارس ضدها اقصاء متعمداً على أسس من الانحياز العرقي والجهوي؟ هل لأن هذه الحركات التي اتخذت من الصراع المسلح خلال عقدين وبالتالي افتقدت إلى أي رؤية أو برامج سياسية تجعلها منها حركات غير مؤهلة للتحول الى نمط الممارسة السياسية الديمقراطية ولهذا أصبحت أقرب الى المكون العسكري لطبيعتها القتالية؟
وقد ازدادت مشكلة دارفور في مرحلة ما بعد الثورة تعقيداً في المعادلة السياسية نسبة لتداخلاتها الداخلية والخارجية مع قضايا ذات طبيعة دولية وانتقال أطراف الصراع فيها بين أعداء الأمس حلفاء اليوم وتغير موازين القوى وازدياد الاستقطابات الجهوية والعنصرية الى حد المطالبة بفصلها. ولم يكن الانفصال مطلبا صريحاً لمن حلموا السلاح أو سياسية علموا على تنفيذها عسكريا ولكن مخاطر مثل هذه الدعوات المنفلتة قد تمثل خطراً داهماً في ظل وجود دعوات مشابهة في أطراف السودان الأخرى. ولأن هذه الدعوات لا يمكن بحال قياسها على ما يعنيه في حال انفصال جزء من وطن وإلى ماذا يؤدي في المدى القريب والبعيد. وعليه وجود دافور الآن هو الوجود العسكري الصارخ على مستوى السلطة الانتقالية أو الواقع في الإقليم مما أوجد شعورا عاما بخطر عودة الحرب على أكثر من صعيد.
والمشكلة ربما على الطريقة التي تستغلها هذه الحركات في فهمها لتمثيل الإقليم سياسيا، وهو تمثيل يرنو الى بريق السلطة أكثر من استحقاقات النازحين وشهداء الإبادة الجماعية. فما الجديد الذي ستأتي به وسط جوقة التطبيل لحل الحكومة وعودة النظام القديم؟ لابد أن التساؤل يحيلنا الى تجربة هذه الحركات عندما شاركت سلطة النظام البائد منذ اتفاقية الدوحة ومشاركة القائد أو الأخ مني مناوي مساعداً لرئيس الجمهورية ومن ثم انتهوا الى ما انتهوا اليه. والآن عادوا الى هامش الحراك السياسي يتم توظفيهم كحاضنة سياسية وكتل بشرية تساق وراء مؤامرات الانقضاض على الثورة.
وتخطئ هذه الحركات في قراءتها للمشهد السياسي فهي تعلم أن توقيعها على ما سمي بالميثاق الوطني ورهانها على المشاركة في سلطة تحت قيادة عسكرية سوف لن يمنحها أكثر مما منحته الأنظمة العسكرية السابقة مجتمعة. وهو الأمر الذي حدث مع كل الأنظمة العسكرية التي تعاملت مع قضايا الأقاليم المهمشة. فقد كان الإمام الراحل الصادق المهدي يفاخر وكذلك الكتاب الأسود (طبعة أولى) بأن الفترة الوحيدة التي شارك فيها أبناء دارفور بنصيب وافر من مناصب الدولة العليا هي فترة الديمقراطية الثالثة وإن كان السبب يعود الى كثافة الدوائر الانتخابية التقليدية لحزب الأمة في تلك المناطق منذ أيام تصدير النواب من دارفور وإن لم ينتموا اليها كما حدث مع عبد الله خليل مرشح حزب الامة عن دائرة ام كدادة.
وبدلاً عن البحث عن سلام مستدام ومعالجة تأثيرات وانعكاسات مرحلة ما بعد الحرب وما احدثته من متغيرات عبر التخطيط والدراسات والإرادة السياسية وإرساء وعياً جديداً اخذاً بالمتغيرات التي تقتضيها مرحلة ثقافة السلام، عمدت هذه الحركات الى تناسي قضاياها (الهامش) لتنضم إلى حراك سياسي مغامر يكون موقعها فيه من الدرجة الثانية. وحتى وإن وجد العذر بالمعايير السياسة التكتيكية لحركة العدل والمساواة بالعودة الى صفوفها الأولى في (المؤتمر الوطني) فأي عذر لحركة تحرير السودان بقيادة مناوي وهي تدعي ثورية مسلحة تهدف الى دولة لا نقول علمانية ولكن مدنية وإن كانت في حقيقتها دعاوى وشعارات لا صلة لها بحركات تدعو قياداتها الى التصالح مع النظام السابق ليس من باب الإصلاح السياسي أو العدالة الانتقالية وإنما تقارب لمصالح عابرة تخص أفراداً بعينهم.
نشر بصحيفة_الديمقراطي#عدد اليوم الثلاثاء 19/10/2021م.
anassira@msn.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً