الحركة الاسلامية السودانية … مباريات السلطة .. بقلم: عبدالوارث الطيب ابو الساري

 

Warth88@gmail.com

الامور آلت الي نهاياتها والاشياء كلها طفت الي السطح داخل أروقة الفصيل الإسلامي السياسي واسع التأثير في تاريخ السودان ، واول ذراع للإخوان المسلمين يصل الي السلطة في تاريخها الحديث . في بواكير حكم الحركة الاسلامية للسودان والذي شارف الثلاثة عقود نبَّه الشيخ راشد الغنوشي الاسلاميين في السودان الي أن هناك خلل منهجي في التوجه السياسي والسلطوي الذي تسير عليه الحركة يضاد القيم والتوجهات بل حتى الدوافع التي قفزت الجبهة الاسلامية في اسرها علي السلطة واستولت علي الحكم في السودان، وهو حسب ما اعلن وقتها أنها بدوافع مناصرة الضعفاء وخدمة الناس والاهتمام بشؤونهم ورد المظالم ومكافحة الفساد واسترداد العافية لجسد الوطن المنهك.
ان الامل الذي كان منعقدا من قبل قطاعات واسعة من الشعب السوداني وفضاء رحيب في العالم العربي وتعشم افريقي كبير، إنما كان بالأساس نتاج للرؤى التي تم طرحها و التي لامست وجدان الشعوب التواقة للتحرر من مخلفات الاستعمار والي قيادات يمكنها أن تجلب التغيير عبر تقديم أنموذج راشد للحكم ، كما أن النخبة الذين كانوا علي دفة القيادة اجتمعت عندهم صفات تشبه صفات الثوار المجددون الذين يحلمون بنهضة الشعوب المتأخرة عن ركب التنمية.
إن قيادات الحركة وعضويتها الملتزمة بقيم وتقاليد الحركة علي مختلف العهود وحتي قبل الوصول إلي السلطة ؛ اتصفوا بصفات منها صلابة المواقف وثبات الإرادة و لقد كانوا من النوابغ بين رصفائهم واستجمعوا فصائح الكلام وقوة التأثير وتمّلُك القدرة علي تحريك الناس، اضف الي ذلك اثبات الجدارة والكفاءة عند تبوأ مواقع التحدي في الخدمة العامة والعمل الخاص.
هناك عاملان مهمان ساهما في صعود و بقاء الحركة الاسلامية في السودان كواحد من أبرز اللاعبين في تاريخ السياسة السودانية منذ تأسيسها والي بواكير حكم ثورة الإنقاذ في ايام حكمها الاولي ، اولا الطرح المنطقي والموضوعي للقضايا العامة ، وتاليها توافق هيئة وتكوين الحركة مع المزاج العام للشخصية السودانية فيما يلي نزعة التدين و الميل الي التحرر في العموم.
أما كما يجب أن يكون الوضع عند التطور المرحلي التنظيمي والتطور المتعارف عليه لأي جسم سياسي فأن الحركة الاسلامية اضرت بنفسها جدا عندما لم تخلق مؤسسات تتمتع بالاستقلالية والقوة يتثنى لها صياغة وتطوير النظم واللوائح التي تحكم التوجهات الاستراتيجية وتراقب الممارسة للمستويات القاعدية والقيادية ؛ كما ان سلسلة صياغة السياسات واتخاذ القرار غلبت عليها الميوعة والتبعية شبه المطلقة لصالح توجهات النافذين .
الشيء الاخر الذي نزع عنها العافية الديموقراطية أو الشورية كما يحبذ اعضائها علي استخدام هذه التسمية المصطلحية ، هو نحو منحى معظم التنظيمات الاسلامية الحديثة واظهرها النموذج الايراني في تركيز السلطة في قمة الهرم الضيقة ؛ وهو ما تسبب في المفاصلة الاشهر داخل اروقة التنظيم وتقود نحو مفاصلة ثانية أو النسف الوجودي للحركة.
لقد تحدث بعض الاعضاء القيادين عن ان الحركة الاسلامية السودانية تم حلها في بداية التسعينيات من القرن الماضي عندما اجتمع مجلسها القيادي الأربعيني ، وان الذي يحكم فعليا الان ما هي الا واجهات عديدة خلقتها الحركة من اجل استيعاب قاعدة اوسع من جماهير الشعب السوداني ونخبه السياسية خاصة تلك التي كان لها عداء أيديولوجي مع الاخوان المسلمين، بالإشارة الي أن التركيبة الصفوية والمعيارية التنظيمية للحركة الاسلامية لا تستوعب الا قاعدة انتماء ضيقة جدا وعضوية محددة ومحدودة .
لم تخضع تجربة الحركة الاسلامية التنظيمية والسياسية ، بالإضافة الي تجربة السلطة الي تقييم حقيقي وشامل ، تقييم نقدي وعلمي دوري يتيح لها النظر للوراء ؛للانطلاق بعيدا نحو الغايات النشأوية ، وقد كانت المجمعات التنظيمية ومؤسسات بحث واقتراح القرارات تمارس ما يمكن تسميته بالمرونة التكتيكية المرحلية التي تستجيب للمواقف في حينها وقد ظهر اثر ذلك في تكرار الاخطاء الكبرى والتغطية علي عواقبها بدون معالجة بممارسة تنظيف الاثار والدفن والتلهية عنها.
ان من السمات المتشابهة والعوامل المشتركة بين المنظمات السياسية القائمة علي الاسس العقائدية هي غزارة الإنتاج الفكري الذي يدعم الاساسات القيمية والتوجهات الاخلاقية ، ولقد اضرت تجربة السلطة في الحركة الاسلامية ضررا بليغا بمنتوجها العلمي والنظري حتي تكاد تمر السنوات بدون انتاج وثيقة ذات محتوى حقيقي.
لقد شوهت تجربة السلطة في الحركة الاسلامية الالتزام القيمي لأفرادها خاصة الذين جمعوا بين ثنائيتي السلطة والحركة ؛ مما جعل لهم وضعا فريدا واعطاهم تحصينا غير اعتياديا حيث جعلت من يسن السياسة و ويضع الخطط هو نفسه من ينفذها، إن هذه التجربة هزمت الاساس المنطقي للقيم الصفوية والاسلامية التي نشأت وتبشر بها الحركة الاسلامية ، ولقد تم التأصيل لهذا التقليد ؛ المسؤول الآمن من المحاسبة والعقاب في ثقافة الحركة بعد وصول السلطة حتى في قوانين الدولة. ولا أدل من قانون التحلل من انتهاكات المال العام ، التي تتيح منفذا واسعا وسهلا للخلوص من أي عواقب أو عقوبات مترتبات علي أي مخالفة او جرم ذو علاقة بمال العامة .
ما وجب الخلوص اليه والاتفاق عليه أو الاختلاف فيه هو ان الحركة الاسلامية بشكلها التقليدي والتاريخي لم تعد موجودة ، اضف الي ذلك مقدرتها علي الفعال والتأثير بالأساس محل تساؤل ، أما عن أي دور لها في المستقبل السياسي للسودان وادارة الحكم في حال فقدانها حالة السيطرة الراهنة علي مقاليد السلطة يظل مسار تساؤل وانتظار ورهان علي حدة الذاكرة السياسية والتقبل الشعبي لتجربة أخرى لحكم الاسلاميين.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً