الحرية بين الفكر الديني والقيم الاجتماعية .. بقلم: خالد أحمد
18 أكتوبر, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
32 زيارة
ان الثورة السودانية الحالية فرض عليها ليس إزاحة نظام ديكتاتوري فقط، ولكن ومحاولة وضع أسس الدولة السودانية وصياغة مفاهيم أو إعادة تعريف المفاهيم بناء على تحولات المجتمع السوداني، ويرجع ذلك نتيجة للاستلاب الفكري من قبل النخب السابقة والتي انقسمت بين الفكر العربي والفكر الغربي وتقوقع كل فئة داخل حقلها المعرفي ومحاولة فرضه على المجتمع السوداني، وأصبحت تلك النخب التي تحولت إلى أحزاب بعد ذلك أسيرين لمرحلة إقصاء الآخر، ولم تحاول انجاز مشروع الدولة السودانية ووضع الأسس لحياة ورفاه الشعب السوداني، فالمتابع لمسار الدولة السودانية منذ الاستقلال يجد ان الإقصاء الفكري بين التيارات والذي تحور إلى مفهوم تحرير لا تعمير قد بدا قبل الاستقلال واستمر مع الدولة السودانية في كل مراحلها اللاحقة. فلم يكن في أي مرحلة من المراحل التاريخية السابقة طوال 63 عاما منذ الاستقلال ان كان هدف الممارسة السياسية هو بناء الدولة ووضع أسسها ورفعة مجتمعاتها، فكانت النخب والأحزاب أثناء الاستعمار تعمل على حشد المجتمع من اجل التحرر من المستعمر، وفي فترة الديمقراطية الأولي نشا الرفض بين الأحزاب السياسية نتيجة لتقاطعاتها الايدولوجية حتى سلمها عبد الله خليل لعبود، بعد ذلك تم تعبئة المجتمع من اجل الخلاص من عبود فكان التحرير الثاني، في فترة الديمقراطية الثانية تواطأ اليمين من اجل تحرير المجتمع من الشيوعية واستمر الصراع من 65 إلى 68 فتم حل الحزب الشيوعي وطرد النواب من البرلمان وتم تحرير البلد من الشيوعية، فتحالف الشيوعيين مع العسكريين في انقلاب نميري 69 من اجل تحرير السودان من الطائفية والرجعية، وعندما غدر نميري بالجميع رجعت الأحزاب من اجل تعبئة الشعب لإزالة الحكم الديكتاتوري فكانت ثورة ابريل، وعندما أزال الشعب تلك الديكتاتورية رجعت الأحزاب للاصطفاف بين الفكر العربي الإسلامي وبين الفكر الغربي الليبرالي والشيوعي، وكانت كل مجموعة تحاول تحرير الوطن من الجماعات الأخرى، حتى جاء انقلاب الإنقاذ الذي أوصل مفهوم تحرير السودان بناء على الفكر العربي الإسلامي إلى أقصاه وقال بتحرير السودان من السودانوية ومن الافرقانية ومن الليبرالية والشيوعية، وتوظيف كل السودان إنسانه ومقدراته لخدمة الأهداف والأجندة العربية الإسلامية.
فمنذ الاستقلال إذا لم تكن هنالك أسس متفق عليها بين الأحزاب السياسية لبنا الدولة السودانية ولم تكن هنالك مشتركات بين تلك الأحزاب ولم تسعي أي منها إلى إدراك الثقافة السودانية، بل كان الاستلاب من قبل الكل لأفكار أخرى لا تمت إلى الواقع السوداني بصلة ومحاولة إلباس المجتمع السوداني تلك الأفكار بالقوة هي محصلة النهائية لكل الفترات السابقة، حتى وصلنا إلى مرحلة الترابي الذي استغل قوة الدولة في محاولة فرض افكاره الخاصة المسماة بالمشروع الحضاري على الجميع.
ونتيجة لضياع سنين الحكم الديمقراطي في مماحكات غير مجدية لا تلتفت إلى الإنسان السوداني ومتطلباته الحياتية وتمارس ديمقراطية عبثية عبارة عن سجالات لا طائل من ورائها نتيجة للاختلافات الايدولوجية بين تلك الأحزاب، وعندما يبدأ المجتمع في رفض الديمقراطية الشكلية تستغل بعض الأحزاب رفض المجتمع لذلك العبث وتسعى إلى السلطة من خلال المؤسسة العسكرية وتستمر الدائرة الشريرة، فضياع الديمقراطيات كان بسبب تلك الأحزاب، ثم تأتي بعد إقصاء العسكر لها تستجدي الشعب من اجل اقتلاع تلك الديكتاتوريات وإيهامه بان فترة الديمقراطية القادمة ستكون مختلفة، وبعد صراع الشعب مع السلطة الديكتاتورية وانتزاعه للحكم وإرجاعه للأحزاب يجد ان تلك الأحزاب لازالت تقدم أفكارها المستوردة على حياة الشعب السوداني ورفاهيته ويجدها في ذات العبثية في ممارستها للديمقراطية وبعيدة عن المسئولية التي كانت يجب ان تتحلي بها كسلطة حاكمة.
ولكن مع ثورة الوعي الحالية التي نتشبث بها لكي لا تضيع كما ضاعت الثورات الأخرى وحتى نستطيع بناء الدولة السودانية، علينا وضع رؤية كلية تستمد منها جميع الأحزاب برامجها السياسية، وتنبع تلك الرؤية من الثقافة السودانية وتحولاتها الاجتماعية وقيمها الكلية وتشتمل على مفاهيم الصاح والخطأ الاجتماعي وليس الحلال والحرام أو السلوكيات العلمية في الثقافة الغربية والتي هي في الأخر نابعة من داخل رؤية ثقافية وتعتمد على مفهوم العلم في العلوم الاجتماعية كقيمة ايدولوجية مضللة كما مفهوم الدين عند الثقافة العربية.
وقبل ان نتحدث عن مفهوم الحرية في الثقافة السودانية فلنرى كيف هي في الفكر العربي الإسلامي، ان الفكرة الجوهرية للحرية في ذلك الفكر ترى ان الإنسان مسير وليس مخير بناء على إدراك ان الفاعل الأول والأوحد هو الله وبذا فان كل فعل أنساني يتم بالمشيئة الإلهية وذلك بتدخل الإله مباشرة في الحياة الإنسانية، نتيجة لقراءتهم القاصرة عن إدراك الرسالة ويستدلون بآيات مثل (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)) الأنفال، (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30)) الإنسان، وغيرها من الآيات نتيجة لقراءة الرسالة كرسالة قيمية وليس كرسالة إرشادية. ونشأت بعض الحركات التجديدية لذلك الفكر وحاولت الموائمة بين مفهوم الحرية والجبرية ولكنها لم تخرج كثيرا عن ذلك الإطار.
ومفهوم الحرية الذي هو في الأساس قادم من الفكر الغربي نتيجة لتوهم الصراع بين الفرد والمجتمع وانحازت الفلسفة الغربية للفردية والمادية نتيجة لقراءة خاطئة لتحولات وقيم الثقافة الغربية، وانحصرت القيم الاجتماعية في الإطار الأسري الضيق والذي تتدخل فيه أيضا تلك الفردية.
اما حول مفهوم الحرية وعلاقته بالإله والرسالات الإلهية فقد شرحنا وجهة نظرنا للأسباب التي دعت الإله للتدخل في الحياة الإنسانية ابتداء والكيفية التي أتي بها ذلك التدخل ووضحنا ان أخر تدخل للإله كان الرسالة الخاتمة وبينا لماذا ختم الإله تدخلاته في الحياة الإنسانية بتلك الرسالة وفي ذلك التوقيت والكيفية التي تسير على أساسها الحياة ما بعد الرسالة الخاتمة، فلا وجود الآن لتدخل الهي مباشر في الحياة الإنسانية فقد افترق المجال الإلهي عن المجال الإنساني منذ تلك اللحظة. ولا وجود في الإرشاد الإلهي لمفهوم القيم الإسلامية أو الشريعة الإسلامية أو الحدود الإلهية فكل ذلك قادم من القراءة الخاطئة للإرشاد الإلهي، فلكل مجتمع تحولاته وقيمه النابعة منه وعليه إدراك الإرشاد والاستفادة منه من خلال مسيرته الحياتية تلك وليس محاولة تقليد تحولات مجتمع آخر.
وفي فلسفة التحولات الاجتماعية نحن لا نرى ذلك الصراع بين الفردي والاجتماعي، فالإنسان مدفوع من داخله بناء على الخارطة الجينية والوعي الجيني إلى انتماء مسبق لإنسانيته، فهنالك مجتمع محدد يحقق من خلاله إنسانيته ويتعرف عليها، فليس كل تجمع من البشر هو مجتمع لهم يحقق لهم الإنسانية، فدافع الانتماء اذا دافع ذاتي داخل أي فرد لمجتمع محدد، وتحقيق تلك الإنسانية تحتاج إلى قيم تلبي إنسانية كل أولئك الأفراد وتحقق التجانس والتكامل بينهم، ولكن نتيجة لتغييب الخارطة الجينية والوعي الجيني طوال الفترات السابقة من التاريخ الإنساني فقد كانت تلك القيم تتم من خلال الانتخاب المجتمعي، فهي تحقق إنسانية الفرد وتحافظ على التكامل الاجتماعي، وفي المجتمع المتزن المتجانس تتقارب تلك القيم وتصبح الفروقات قليلة ولكنها في بعض الأحيان تكون حادة، وفي المجتمعات غير المتجانسة تكون كثيرة ولكنها تخضع للتحولات الاجتماعية للمجتمع المحدد.
فإذا المجتمع ليس تجمع لأفراد من بقاع مختلفة ولكنه انتماء جيني أولا يحتاجه الفرد أكثر من اجل التعرف علي إنسانيته وتحقيقها، ويتحقق ذلك التواجد الاجتماعي من خلال قيم تعمل على تكامل الأفراد مع بعضهم البعض من اجل الوصول إلى إنسانية المجتمع. وتلك القيم ليست ثابتة فهي تتغير مع التحولات الاجتماعية واختلاف المجتمع من مرحلة تاريخية إلى أخرى ولكن كان التغيير يتم من خلال الانتخاب الطبيعي كما ذكرنا ولذلك كان التغيير بطيء وكانت تستمر بعض القيم لفترات طويلة رغم عدم فائدتها للمجتمع الكلي نتيجة لتمسك بعض الفئات بها لتوهمها بانها تحقق لها إنسانيتها.
فالأزمة لا تكمن اذا في فرض قيم محددة على الفرد ولكن في ضرورة وجود قيم ما تحدث التكامل بين فئات المجتمع، ويجب ان تكون في حالة اتزان مع القيم الأخرى، وقد وضع المجتمع قيم لكل العلاقات الإنسانية داخل المجتمع في بعضها تكون حادة وفي بعضها الاخر تكون مرنة. ولا وجود لصراع بين الفرد والمجتمع ولذلك على الشباب الذين يتحدثون عن انهم أحرار ان يدركوا ان القيم الاجتماعية ليست سلطوية ولكنها سبل لتحقيق الإنسانية والتكامل بين أفراد المجتمع، فالحرية المطلقة توجد فقط في الفكر حتى يضيف الفرد لذاته ولمجتمعه، ولكن وجود الفرد في وسط اجتماعي إذا كان اسري أو أقارب أو زملاء أو غيره نجد ان المجتمع قد وضع أسس محددة متمثلة في الأعراف والتقاليد التي انتخبها من اجل تحقيق إنسانية الكل، وتلك القيم وتحديدا في الثقافة السودانية ليست حدية أي لا تتمثل في شكل مادي ولكنها مرنة أي تتمثل في شكل معنوي لتستوعب الاختلاف بين المجتمعات. ولان تلك القيم تم اختيارها بالانتخاب الأعمى أي لم يتم اختيارها من قبل النخب بعد تفكير ولكن اختارها المجتمع أو فئات داخل المجتمع، فان اغلبها يحقق إنسانية اغلب المجتمع الكلي للثقافة، ولكن هنالك بعض القيم التي تخطت التنقيح الاجتماعي فاستمرت مع المجتمع رغم عدم تلبيتها لإنسانية اغلب المجتمع نتيجة لإصرار فئة محددة عليها أو غيره، وهذه توجد بكثرة ويعتبرها الشباب نوع من الوصاية الاجتماعية عليه، ولكن ذلك ليس حقيقة فما حدث هو عدم التفكير من جانب النخب في موضوع القيم من منظور سوداني سابقا، فعلى الشباب ادارك ان القيم لا ترفض فقط ولكن تستبدل بقيم أخرى تحقق الإنسانية للفرد والمجتمع ومن الضروري ان تكون متجانسة مع القيم الأخرى وكذلك عدم فرضها على المجتمع ففي محاولة الفرض تنشا تشوهات اجتماعية نتيجة لصدمة التغيير غير الطبيعي المتدرج، وخير دليل مشروع الترابي الذي بذل له كل سلطة الدولة وأموال الخليج وحاول تغيير القيم الاجتماعية، فأنتج الكثير من القيم المشوهة التي لا تعبر عن حقيقة الإنسان السوداني ولكنها تعبر عن حقيقة المرحلة التي عاشها المجتمع السوداني في ظل السلطة الديكتاتورية.
وكذلك من الممكن ان تكون هنالك فئة قليلة تدرجت في سلم التحولات الاجتماعية إلى المرحلة الثقافية الكاملة نتيجة لانتشار خارطتها الجينية بين كل أو اغلب المجتمعات السودانية وأصبحت اغلب تلك القيم لا تحقق لها الإنسانية، فعليها وعلى كل فرد يحس بان تلك القيم لا تحقق له إنسانيته ان يحاول إيجاد قيم معبرة عن سودانيته وان لا يلجا إلى اتباع الغير والاستلاب واستيراد قيم من مجتمعات أخرى فهذا ليس بحل ولكنه تعقيد للمشكلة.
kh_ahmmed@hotmail.com