الحزب الشيوعي السوداني؛ تمترس حول الثورة أم تفاوض يجدي إلى حل ؟

 


 

 

للحزب الشيوعي السوداني تاريخ طويل في السياسة السودانية، ولعب دورًا محوريًا في الدفاع عن السياسات الاشتراكية والمساواة الاقتصادية وحقوق العمال خلال الفترات التاريخية المختلفة. ومع ذلك أعتقد أن الحزب فشل في فهم الانتقال السياسي الحالي والقراءة الواعية السديدة لثورة ديسمبر 2018 المجيدة في السودان والذي سوف نفصله في المقال، مما يوضح أنه يسعى إلى دعم شعبيته الجماهيرية وتأثيره في السنوات الأخيرة عبر المعارضة. فمن المعروف أن هذا الحزب يعمل في خانة المعارضة الدائمة، ويتهرب من تحمل المسئولية السياسية في المساهمة مع أقرانه من الأحزاب السياسية السودانية الأخرى التي تعمل على تحقيق ديمقراطية مستدامة في السودان. كما ان الحزب له تجربة سابقة في الحكم القصير الأمد خلال الانقلاب العسكري الذي قام به أحد الضباط بدعم من أعضاء الحزب الشيوعي وهو هاشم العطا في 19 يوليو 1971 وهو الأمر الذي لا نود الخوض فيه الآن.

من الملاحظ ان الحزب الشيوعي تكبد خسائر فادحة سريعا عقب ثورة ديسمبر التي افردت المجال للأحزاب المعارضة لاكتساب مساحات عمل عضوي وفكرى تتويجاً لمساهمتها في الإطاحة بالدكتاتور، الملاحظ أنه سرعان ما قلب الشارع السياسي السوداني ظهر المجن للحزب الشيوعي الذي أبدى رعونة وصبينه تكاد ترقى لمستوى الحمق السياسي في مواقفه من حكومة حمودك الأولى والثانية، وراهن الحزب على إسقاط الحكومة المدنية التى أتت بدماء الشهداء (على علاتها ونحن لسنا في معرض النقد أو المدح لتلك الحكومة). ونظر الشارع السوداني بعين الريبة لتحركات الحزب الشيوعي، كان لهم نصيب الأسد من مفارقة الطريق وادعاء أنهم أحق بدماء الشهداء من أهاليهم وتلك فرية عظمى وتجارة بائرة لم تكسبهم إلا مزيداً من النفور الشعبي والانقضاض السياسي ليجدوا أنفسهم يجدفون عكس التيار بمجداف مكسور على ظهر زورق مثقوب. كما لم تنجح حيل التخوين للمعسكر الأخر، ولم تجدي الأعيب والاغتيالات المعنوية والتسريبات المغلوطة، بل أثبتت إلى أي مدى يمكن أن يذهب الزملاء في حق رفاقهم قبل أعدائهم في ظل ممارسات أقل ما يقال عنها أنها غير نزيهة أخلاقيا ومعيبة وهدامة سياسياَ.

ومن المعلوم أن الحزب يصب جام تركيزه وعمله على السياسة المناهضة للحكومات عبر المظاهرات والتنظيم الشعبي والعمل المباشر مع الجماهير كما يدعي الحزب في أدبياته بأن خطاه السياسية المبنية على مقولة "مع الجماهير وإليهم". ويعتبر خطه متماشياً ولا ينفصل البتة عن اللحظة الثورية، لذلك تجده منغمس حتى الثمالة في هذه اللحظة الثورية أي العمل الثوري المستمر الأبدي وهو ما يتوافق مع فكره وعقيدته المبنية على التغيير الثوري والتي تتجسد في أن طبقة البروليتاريا يجب أن تقوم بثوره ضد الطبقة البرجوازية. عند بدء المفاوضات والعمل السياسي من قوى الحرية والتغيير مع الطرف الآخر الذي إنقلب على حكومة الفترة الانقلابية عبر ما يعرف بالمجلس العسكري في 25 أكتوبر 2021 ، شن الجيش السوداني إنقلابًا وأعتقل قادة الحكومة الإنتقالية. وقد أدان المجتمع الدولي هذا الإنقلاب على نطاق واسع وأدى ذلك إلى إندلاع إحتجاجات واسعة في السودان. وأعلن الجيش منذ ذلك الحين إلى إعلان حكومة جديدة قال إنها ستظل قائمة خلال العامين المقبلين، ومن المعلوم أن الحزب الشيوعي كان طرف من قوى التحالف الوطني في بداية ثورة ديسمبر المجيدة من ثم لم يستمر في التحالف لتقديراته الاقتصادية والسياسية التي لا تتوافق مع أيدلوجيته، حيث صب جام نقده على سياسات صندوق النقد والبنك الدوليين. ثم عاد وأسس تحالف التغيير الجذري، الذي يرى أن لا جدوى من المفاوضات مع المجلس العسكري والتوصل إلى تسوية سياسية تفضي إلى حل الازمة الراهنة، مؤكداً الحزب عبر رئيسه على أن أوضاع السودان تدهورت على كافة الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يستدعي توحيد قوى الثورة لاستلام السلطة وتنفيذ مشروع تغيير جذري معزين ذلك إلى فشل مشروع الشراكة بين قوى الحرية والتغيير والمكون العسكري، بل إزاحة الإنقلاب عبر ثورة شعبية جديدة أخرى. وهو ما يؤكد فشل الحزب في إدراك إمكانية التغيير الحقيقي عبر العملية السياسية المستمرة عبر أداة التفاوض ومتابعة الإصلاحات التدريجية داخل النظام السياسي الحالي رغم علاته.

ويتجلى فشل الحزب الشيوعي في فهم الانتقال السياسي الحالي في السودان أيضًا عبر رفضه الاستجابة الإيجابية والمساهمة البناءة في دفع المفاوضات الجارية بين الحكومة الانتقالية ومختلف الجماعات المتمردة في دارفور رغم أن هذه العملية السياسية التفاوضية مبنية على دعم وتأييد من المجتمع الدولي والدول الفاعلة في المحيط الإقليمي، في حين أن الأحزاب والمنظمات السياسية الأخرى قد شاركت بشكل نشط في هذه المفاوضات. الآن وصلت المفاوضات بين قوى الحرية والتغيير مع المجلس العسكري أو السلطة العسكرية إلى نهاياتها بتشكيل حكومة انتقالية لمدة عامين ومن بعدها يتم تنظيم الانتخابات العامة. هذا ما توصلت له القوى السياسية السودانية الوطنية وقدرتها على تحقيق مكاسب تجنب الشعب الصدام المباشر مع الأجهزة العسكرية عبر وصولها لاتفاقات على انسحاب المؤسسة العسكرية من العملية السياسية ودمج الجيوش في جيش واحد قومي وتحقيق مكاسب سلمية عبر اتفاقيات السلام مع الحركات المسلحة، كل ذلك يتم عبر التفاوض باعتباره أداة سياسية ناجعة لتجنب البلاد مجابهة مخاطر كارثية كبيرة.

نحن إذ نشير إلى الخلل، لانروم من وراء تلك الحروف إثبات المثبت من خلل واضح في رؤية الحزب الشيوعي أفضت به فيما أفضت إلى الخروج الى الشوارع في نفس المواكب التي تداعى لها حثالات المؤتمر الوطنى المحلول، كنا نترقب غير الحماقة التى تلازم من ينظر إلى أصبعنا ونحن نشير إلى الشمس. وإن بناء هذه الدولة يستدعى بناء طبقة سياسية ديمقراطية راشدة ومسؤولة واهلاً للقيادة لا ان نزكم أنف الوطن المعطوب أصلاً بل يجب تتضافر الجهود لخلق أرضية وطنية تحقق أدنى درجات التوافق الوطني.

د. سامر عوض
وائل طه

17 مارس 2023

samir.alawad@gmail.com
//////////////////////////

 

آراء