الحكومه السودانيه: أسباب البقاء وحتميه السقوط .. بقلم: عبدالحليم عيسي تيمان
2 مايو, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
في الوقت الذي لم تعرف السنوات الأولي من السبعينيات غير حفنه ضئيله من الأنظمه الديمقراطيه في أمريكا اللاتينيه ، غدت كوبا وجيانا منذ أوائل التسعينيات الدولتين الوحيدتين في النصف الغربي من الكره الارضيه اللتين لا تسمحان بانتخابات حره. كذلك حدثت تطورات مشابهه في آسيا.
وبوسعنا أن ندرك الخطوات البطيئه ولكنها في ذات الإتجاه نحو الديمقراطيه في كل من أفريقيا والشرق الأوسط.
عانت كل أشكال الحكم الديكتاتوريه عيوب خطيره و’انتهاكات للعقل أدت في النهايه إلي سقوطها.لكن كل الدكتاتوريات سعت إلي إقامه مفهوم خاص بشرعيتها، خاصه الشيوعيه منها، حيث حاولت إكتساب الشرعيه من خلال برامج الإصلاح الزراعي، وتوفير الرعايه الصحيه المجانيه ورفع نسبه المتعلمين، ومع ذلك حدثت خلخله داخل الكتله السوفيتيه وفى الصين.
وفى الخليج هناك شكل من أشكال الرضا بالرخاء والرفاهيه في مقابل التنازل عن الديمقراطيه.
وبالرغم من تنامي الإعتقاد السائد بأن الديمقراطيه هو المصدر الوحيد للسلطه في العالم الحديث، وجدنا علي النقيض تماما الجبهه الإسلاميه في السودان تستولي بالقوه علي نظام ديمقراطى، وهو حدث يسير عكس إتجاه التاريخ ومسار التوجه الإنسانى. وكان واضحا منذ الوهله الأولي ، أن جماعه الجبهه الإسلاميه تفتقر إلى سياسات واضحه تجعلها تكسب الشرعيه في أعين الشعب .
ولكي نفهم طبيعه هذه الدكتاتوريه الشموليه ،هناك ضروره للتفريق بين الأنظمه الديكتاتوريه التقليديه اليمينه “نظام عبود مثلا” من جهه ، وبين الأنظمه الشموليه الراديكاليه اليساريه “كنظام نميري في بداياته”. والنظام الديكتاتوري الشمولي الإسلامي “كنظام الجبهه الاسلاميه الحالي ” من جهه أخرى. فالأولى لا تمس التوزيع القائم للثروه أو السلطه أو المركز الإجتماعى . أما الثانيه فتدعى لنفسها الحق في تنظيم كل الجوانب الإجتماعيه وتنتهك القيم والعادات الشائعه وتصادر الممتلكات الخاصه وتحتكر السلطه والثروه ،وهي قادره على التحكم في المجتمع بقسوه.
إن الأزمه التى صاحبت حكومه الإنقاذ هى أزمه فكريه وسياسيه وتنفيذيه. فقد تسببت الأزمه الفكريه فى المذهب العقلى الجبهوى فى إنفصال الجنوب وإشعال الحروب الداخليه وإنقسام المجتمع ومصرع عشرات الآلاف من المواطنين ،وأجبرت الملايين على العيش في ظل أشكال جديده من الحرمان والفقر والجوع والقهر والإذلال. أما فى الجانب السياسى والتنفيذى فيتمثل الفشل فى معاناه السودان من العزله الخارجيه ، وداخليا صار هدفا للنقد حين فقد ثقه الناس فيه فى تحقيق طموحاتهم فى التعليم والصحه والأمن والرخاء الإقتصادى .وعلى النقيض تماما أصبح النظام رمزا للفساد ومسئولا عن هذا التدمير الإنتحارى للدوله والمجتمع والإقتصاد.
وأصبح قاده النظام يمثلون قطاعات إجتماعيه منبوذه تزداد بمرور الأيام هامشيه فى المجتمع السودانى، كما أنهم يفتقرون إلى الأفكار الجيده والعقل النير والنوايا الحسنه.فبعد كل هذا الفشل الغير مسبوق لم يعد هناك سبب في تمسك النظام بالسلطه سوى الخوف من الخطر الشخصى عليهم بالنظر إلى أنهم سيفقدون بعد تنحيهم الحمايه المتوفره لهم ضد إنتقام من أساءوا معاملته.
وبعد كل هذا الفشل يكون السؤال : لماذا إذا لم تسقط الحكومه؟!، كذلك يذهب البعض في إتجاه إتهام الأحزاب بالضعف لأنها فشلت فى إسقاط الحكومه.
وللإجابه على هذه الأسئله يمكننا أن نذكر الأسباب التاليه:
أولا: كان لسلطان التنظيم الحديث والتكنلوجيا الحديثه وثوره الإتصالاتات العالميه الأثر في ظهور دكتاتوريات لها القدره فى التحكم وبكل سهوله فى أعداد كبيره من الشعوب وفى ذات الوقت تجعلها محصنه ضد التغيير والإصلاح. ولذلك ربما لم يكن مستغربا أن أغلب الدكتاتوريات الحديثه إنتقلت إلى الديمقراطيه من تلقاء نفسها بعد أن أثبتت عجزهاعن التصدي للمشكلات الإجتماعيه والإقتصاديه التى أسقطت عنها الشرعيه كما حدث في البيرو عام ١٩٨٠م والبرازيل فى عام ١٩٧٣م وفى الأورغواي عام ١٩٨٣م والسودان عام ١٩٦٤ و١٩٨٦ عندما أنحاز الجيش للشعب .واليونان والأرجنتين إختارت العوده إلى الديمقراطيه فى عامى ١٩٧٤م و١٩٨٣م على التوالي ولم يطرد العسكريون فيهما بالقوه من الحكم، وإنما افسحوا الطريق أمام السلطه المدنيه بسبب إنقسامات داخليه فى صفوفهم ، وهى إنقسامات تعكس تبدد الإيمان بحقهم فى الحكم . وكان الفشل الخارجى هو السبب المباشر كما حدث فى البرتغال.
ومع إدراكنا للإختلافات الحقيقيه بين هذه الحالات ، فان هناك قدرا من الإتساق بين حالات الإنتقال إلى الديمقراطيه بين هذه الدول. فبإستثناء سوموز فى نيكاراجوا، لم تكن هناك حاله واحده إضطر فيها النظام إلى التخلى عن السلطه نتيجه لثوره أو أعمال عنف خطيره.
ثانيا: نجحت ثورات الربيع العربى فى إسقاط النظم فى مصر وليبيا واليمن ، لكنها لم تتمكن من ضمان أن تحل محلها الديمقراطيه والإستقرار ما عدا تونس. وأنتهى فرض الصمت والطاعه باجهزه الأمن والدوله وحل محله عصر الفوضى وسفك الدماء بلانظام وبلا تحديد مسئوليات وهو ما أضعف إيمان البعض بالثوره كاداه للتغيير، ومن هنا تعلمنا جميعا درسا مهما، وهو أن أى تغيير فى هذا العصر يجب أن تتوافر له شروط الغطاء السياسى والتوافق الإجتماعي والإ سوف تعقبه حاله من عدم الاستقرار وربما الفوضى.
ثالثا: من الصعب اليوم إسقاط الحكومه من خلال إحتجاجات محدوده فى العاصمه كما جرت العاده فى الفترات السابقه، نظرا لأن العاصمه أصبحت خارطه جغرافيه مصغره للسودان الكبير وليس كما فى السابق عندما كانت عباره عن مجموعه اجتماعيه متجانسة تتميز بمستوى متكافئ من الوعى تجعلها دائما تتحرك بشكل جماعي تجاه ما تقرر.ويمكننا أن نلمح إنحصارالإحتجاجات فى أحياء تقع غالبيتها فى حدود العاصمه القديمه وغياب مشاركه الأحياء الطرفيه، وهذا يؤشر لغياب القاسم الإجتماعى المشترك، ووجود إعتقاد أن كل مجموعه أخذت نصيبها من الظلم والإهمال ولم تجد تضامنا وطنيا مقنعا،خاصه أن تداعيات أغلب الكوارث كانت تفوق الأزمه الاقتصاديه الحاليّه ، نذكر منها: كارثه تهجير المحس ، ومجاعه كردفان في ١٩٨٣م وحرب الجنوب وحرب دارفور وجبال النوبه والنيل الأزرق وشرق السودان وضحايا السدود الحديثه وغيرها من المظالم. وقد يكون من الصعب تعميم هذا الإعتقاد نظرا لإستثناءات كثيره من أحزاب ومثقفين وكتاب تصدوا وبكل شجاعه للأخطاء التى إرتكبتها الدكتاتوريات إلأ أن النتائج كانت محدوده بسبب إرهاب الدوله وتحكمها فى كل شي.
رابعآ: وكما نعلم هناك مجموعات مسلحه في اطراف البلاد تتحارب مع الحكومه، بالإضافه إلي تشكيلات عسكريه أخري كونتها الحكومه( كالدعم السريع وحرس الحدود وغيرها) سيكون لها دور في التغيير القادم وربما ستفرض سياسه الأمر الواقع وتستولي علي الحكم بالقوه في حال حدوث أي فراغ ، ومن الواضح أن هذا الأمر جعل كثير من المكونات الإجتماعيه والسياسيه غير راغبه في المشاركه في تغيير لا تتوفر فيه ضمان الإنتقال الآمن إلي الديمقراطيه والإستقرار.
ختاما: علينا أن ندرك أن العامل الأساسي والذي يجب توفره لنجاح أي ثوره ضد أي نظام دكتاتوري هو وجود شبه إجماع شعبي علي مطلب التغيير وشئ من التجانس بين أبناء الشعب. كما يعتبر الموقف الفعلي للجيش والقوات المسلحه الأخري من الإنتفاضه الشعبيه عاملا مهما، فإذا كان مؤيدا لها يصبح نجاهها حتميا. وفي الإنتفاضات السابقه كان الجيش قوميا ومحايدا وإنحاز في كل مره إلي الثورات وهذا ما أدي إلي نجاحها.
وبناءا علي ما سبق لأ اري ما يدعو الي تبسيط مسأله الثوره وكأنها أمر بيد الأحزاب ، بيد أنها-أي الأحزاب تستطيع أن تقوم بعمليه تنظيم قياده للشعب عندما يتوافق علي أمر التغيير ،وتوفير المظله السياسيه لذلك ، والمشاركه في إنجاز ميثاق اجتماعي وسياسي يضمن مساهمه جميع المكونات في عمليه التغيير وإلتزامهم جميعا للإنتقال إلي الديمقراطيه والإستقرار.
ومهما يكن من أمر فالواضح أن حكومه الجبهه في طريقها إلي النهايه مثلها مثل أي حكومه تسقط عندما تفقد الشرعيه في أعين الشعب.وسوف تستمر في المعاناه من أزمه قاسيه متواصله في جميع النواحي ، فعليها أن تختار ما بين تسليم السلطه لحكومه قوميه أو أن تنتظر أمرا مفاجئا وسوف لن يكون ذلك في مصلحتها ولا في مصلحه الوطن.
wdalamin_2000@hotmail.com
////////////////////////////////////