بقلم: لـوال كوال لـوال
تعيش السودان اليوم مرحلة من أكثر مراحلها السياسية تعقيداً واضطراباً، حيث تتداخل الحرب مع الانهيار المؤسسي، وتتشابك الصراعات السياسية والعسكرية والاقتصادية في مشهد يفتقر إلى مركز واضح لإعادة بناء الدولة. وفي هذا السياق، تأتي دعوات الحوار السياسي التي يطرحها عبد الفتاح البرهان بوصفها محاولة لفتح مسار جديد نحو الاستقرار، لكنها في الوقت ذاته تثير جدلاً واسعاً حول طبيعتها وحدودها وأهدافها الحقيقية. إن جوهر الإشكال لا يكمن في مبدأ الحوار ذاته، بل في السياق الذي يُطرح فيه، وفي القوى التي تديره، وفي طبيعة السلطة التي تشرف عليه. فالتجربة السودانية منذ الاستقلال تكشف أن الحوار السياسي كثيراً ما استُخدم كأداة لإدارة الأزمات لا لحلها، وكوسيلة لإعادة ترتيب موازين القوى دون المساس بجذور الخلل البنيوي في الدولة. وفي هذا الإطار، تبدو دعوات الحوار الحالية امتداداً لنمط تاريخي طويل من إعادة إنتاج السلطة تحت عناوين سياسية مختلفة. الأزمة السودانية في جوهرها ليست أزمة خلافات سياسية سطحية بين أحزاب أو قوى مدنية، بل هي أزمة دولة تأسست على اختلالات بنيوية عميقة، أبرزها هيمنة المؤسسة العسكرية على المجال السياسي، وضعف المؤسسات المدنية، وتهميش واسع للأطراف، وغياب عقد اجتماعي واضح يحدد طبيعة الدولة وهويتها واتجاهها. هذا الخلل البنيوي جعل الدولة السودانية تدور في دائرة مغلقة من الانقلابات العسكرية والانتقالات غير المكتملة، دون أن تصل إلى حالة استقرار سياسي مستدام. في هذا السياق، لعبت المؤسسة العسكرية دوراً مركزياً في إعادة تشكيل المشهد السياسي، ليس فقط باعتبارها قوة أمنية، بل باعتبارها فاعلاً سياسياً واقتصادياً يمتلك القدرة على التحكم في مفاصل الدولة. وقد تعمق هذا الدور بصورة أكبر خلال فترة حكم عمر البشير، حين تحولت الدولة إلى منظومة متشابكة من السلطة الأمنية والولاءات السياسية المصنوعة، وتمت إدارة المجال السياسي عبر هندسة دقيقة للأحزاب والحركات، بما يضمن بقاء السلطة في يد المركز الأمني. وعندما يُطرح الحوار السياسي في ظل هذه البنية، فإن السؤال الجوهري يصبح: هل هو محاولة لتفكيك هذا النظام وإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، أم أنه مجرد آلية لإعادة إنتاجه بصيغة أكثر مرونة؟ التجربة السودانية تميل إلى الاحتمال الثاني، حيث تحولت الحوارات السابقة إلى منصات لتجميل السلطة القائمة، وإشراك أطراف سياسية في عملية شكلية لا تمس جوهر القرار السياسي، بل تمنحه غطاءً شرعياً إضافياً. وفي الحالة الراهنة، تبدو دعوات الحوار التي يطرحها البرهان مرتبطة أيضاً بظروف الحرب والانهيار الاقتصادي والضغط الدولي، ما يجعلها أقرب إلى أداة لإدارة الأزمة منها إلى مشروع تحول جذري. فبدلاً من معالجة الأسئلة الكبرى المتعلقة ببنية الدولة، وتوزيع السلطة والثروة، وإصلاح المؤسسة العسكرية، يجري التركيز على ترتيبات سياسية سطحية قد تعيد إنتاج نفس التوازنات القديمة بأشكال جديدة. إن غياب العقد الاجتماعي في السودان يظل أحد أخطر العوامل التي تعيق أي عملية تحول حقيقي. فالدولة لم تستقر على تعريف واضح لهويتها السياسية أو طبيعة نظامها، كما أن العلاقة بين المركز والهامش ظلت قائمة على التهميش وعدم المساواة، مما أنتج صراعات مسلحة متكررة وحركات احتجاجية لا تجد طريقها إلى تسوية دائمة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح أي حوار لا يتناول هذه القضايا الجوهرية مجرد تأجيل للأزمة وليس حلاً لها. كما أن الأزمة الاقتصادية ليست منفصلة عن البنية السياسية، بل هي امتداد مباشر لها. فاقتصاد الدولة ظل لسنوات طويلة خاضعاً لمنطق الريع والاحتكار والهيمنة الأمنية، مما أضعف الإنتاج الحقيقي، ورسّخ شبكات مصالح مرتبطة بالسلطة، وحوّل الدولة إلى أداة توزيع للموارد بدلاً من كونها دولة تنمية وعدالة. وهذا يعني أن أي إصلاح سياسي لا يترافق مع إصلاح اقتصادي جذري سيظل محدود الأثر. إن إعادة إنتاج التجارب السابقة تحت مسمى الحوار السياسي لا يمكن أن تؤدي إلى نتائج مختلفة. فالمشكلة ليست في الأدوات، بل في البنية التي تستخدم هذه الأدوات. لذلك فإن استمرار نفس العقلية التي أدارت الدولة لعقود، سواء في عهد البرهان أو من سبقه، يعني بالضرورة استمرار الأزمة لا حلها، حتى وإن تغيرت الشعارات والواجهات. في نهاية المطاف، يقف السودان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في دائرة إعادة إنتاج الأزمات عبر حوارات شكلية لا تمس جذور المشكلة، أو الانتقال إلى مشروع تأسيسي حقيقي يعيد بناء الدولة على أسس مدنية ديمقراطية عادلة، تعترف بالتنوع، وتعيد توزيع السلطة والثروة، وتضع المؤسسة العسكرية في إطارها المهني بعيداً عن السياسة. والتاريخ السوداني، بكل تعقيداته، يثبت أن الشعوب قد تتأخر في تحقيق تطلعاتها، لكنها لا تتخلى عنها. ولذلك فإن أي تسوية لا تقوم على معالجة الجذور ستبقى مؤقتة، بينما يظل السؤال مفتوحاً حول مستقبل الدولة نفسها: هل ستُعاد صياغتها كدولة لكل مواطنيها، أم ستبقى رهينة دورات متكررة من الأزمات والانقلابات والحوار غير المكتمل؟
lualdengchol72@gmail.com
