الحوار الوطني في السودان: عناصره .. قضاياه… إجراءاته ومآلاته (2) .. بقلم: صديق محمد عثمان


siddig93@hotmail.com
عرضنا في الحلقة الماضية من هذه السلسلة إلى عناصر الحوار الوطني، وسوف نحاول في هذه أن نعرض للقضايا التي نعتقد بأن مهمة الحوار تكمن في وضع خارطة طريق لمعالجتها، وتقديم القضايا على إجراءات الحوار ضروري إذ أن خلافا كبيرا يدور حول الإجراءات اللازمة لتهيئة أجواء الحوار، وهو جدل على أهمية يكشف عن خلل كبير في طريقة تفكيرنا، إذ أن إجراءت تهيئة الحوار ملتبسة بقضاياه لا تكاد تنفك عنها ورغم صحة ووجاهة المطالب بإجراءات بناء ثقة وتهيئة للحوار، فإن جعل هذه المطالب شروطا تستوفي الجواب عند تحققها هو نوع من ممارسة السياسة على طريقة إعراب الجمل المفيدة عملا بالقواعد اللغوية.

إن أم القضايا التي ينبغي أن ينصرف إليها جهد الحوار هي الإجابة على سؤال موقع السلطة في فكرنا السياسي، إذ أن جميع القضايا الأخرى تترتب عليها وجميع أزماتنا تعود إلى أصلها. وعلى كثرة إنتاجنا من أوراق العمل السياسي فلا تكاد تقع على جهد أصولي لتفصيل الإجابة المبهمة التي نطلقها جميعا ثم نعمل بنقيض مقتضاها، والتي تدعي بأن السلطة مجرد أداة لتنظيم أعمال كيانات المجتمع وتنسيق تعاونها في تحقيق النماء الداخلي والتعاون مع الخارج أودفع العدوان.

والإجابة على سؤال موقع السلطة في فكرنا السياسي تكتسب أهمية قصوى في الحالة السودانية لأن كيان البلد نفسه تأسس حول السلطة ولم يكن نتاج تحالف كياناته السياسية والإجتماعية المختلفة طواعية ووفقا لعقد إجتماعي يفصل الحقوق والواجبات ويرسم ملامح برنامج التعاون على البر ودفع الشر، بل إن تجارب الكفاح ضد المستعمر لم تجب على هذا السؤال وافترضت صحة المثال الذي بناه المستعمر وأن الخلل يكمن في سياساته وليس في هيكل البناء نفسه، ثم تواتر هذا الإعتقاد بعد الإستقلال كلما جاءت أمة لعنت أختها التي سلفت ثم لم تخلفها بخير.

وتحديد موقع السلطة ووظيفتها بدقة شديدة يساعد في تحديد نوع الإجراءات الواجب إتخاذها لإحداث الإصلاح أو التغيير المنشود، وهي إجراءات أكثر أصولية من مجرد المطالبة بالحريات السياسية او تهيئة الأجواء.

وتتفرغ لجان في الحوار الحالي للتقرير في مسائل مبهمة كالهوية التي لا يمكن ان تجيب عليها لجنة او مؤتمر كامل فالهوية تراكم توجهات الأمة او المجتمع الوطني واضطراد ممارسة أعرافه السياسية والإجتماعية ، وهي بذلك رحلة بحث في طريق طويل قد يقرر المجتمع الإستراحة عند بعض نقاطه ولكنه لا يلبث ان يواصل بحثه عن اجابة دقيقة لها.

والاصوب في اعتقادي أن ينصرف الجهد لمعالجة قضايا ملحة على رأسها وضع ضوابط كفيلة باعادة هيكلة الاقتصاد على نحو يؤسس لإعادة امتلاك الدولة للبنى التحتية الاساسية لعملية التنمية – الطرق – الاتصالات – الطاقة ، ويمكن النقاش حول ضرورات امتلاك الدولة للبنى التحتية لعملية انتاج الطعام .

كذلك من الضروري الاجتهاد في تحقيق مستوى اجماع على تقليص السلطة التي تقود الانتقال الى اوضاع مستقرة تحكمها ترتيبات دستورية تحدد ادوار السلطة في إطار منظومة منظمات المجتمع المدني بمفهومه الأشمل.

 ذلك أن الفلسفة السياسية التي أرست أركان الاوضاع الراهنة قامت بالأساس على منهج عزل القضايا التي تحتاج الى معالجة والتركيز على إنجاز حد من التنمية الاقتصادية يوفر استقرارا لمناطق جغرافية وفلسفية تصبح انموذجا يغري من هم خارجها الى الهجرة الجغرافية والنفسية اليها، أو الرحيل بعيدا عنها إجباريا من فرط الشعور بالعزلة، وهي فلسفة معطوبة اذ افترضت وجود مناطق جغرافية وسياسية يمكن عزلها كبيوت خضراء يتم فيها تطوير مشاريع تنموية مادية ومشروع سياسي فلسفي. وفي سبيل ذلك قامت بنظافة ( البيت الأخضر ) هذا من ما ظنته معوقات تنمية على المستوى السياسي وذلك بطرد جميع الأطراف المعارضة وعلى المستوى المادي من خلال اعادة هيكل موارد الاقتصاد وتمليك مشاريع البنى التحتية لمؤسسات وجماعات وأفراد تطمين اليهم جماعات القرار السياسي، ومن وإحاطة هذا البيت الأخضر  بالأسلاك الشائكة في شكل قوانين واجراءات ونشر ثقافة العزلة النفسية الى الحد الذي عبرت عنه عبارات وشعارات اصبحت عنوان مرحلة من تاريخنا السياسي ( لبنت وما بنديها بغاث الطير) ، ( من أعانهم ولو بشق تمرة )، وهي شعارات كانت تصدر من منطلق ايمان بالفلسفة السياسية اعلاه وتعبر عن الحالة النفسية للجماعة التي تؤمن بها.

والمدخل الى الإصلاح هو تهيئة الأجواء لنقض غزل هذه الفلسفة والمطلوب من الحوار هو التفكير خارج البيت الأخضر وازالة الأسلاك الشائكة المادية والنفسية وإعادة توحيد القضايا وترتيب أولوياتها فالأولوية ليست للمحافظة وتنمية مناطق مادية كبناء ست كباري جديدة في عاصمة بلد تتوقف فيه عجلة الإنتاج تماما بفعل تلاشى البنى التحتية للتنمية، أو تنمية مناطق معنوية من خلال التفكير في ( إسلامية) أو علمانية ( الهوية) بل الاولوية لتوحيد الموارد والطاقات القومية وإيقاف الجروح التي تستنزفها ثم تهيئة الظروف المناسبة وتمكين هذه الموارد والطاقات من تحقيق تنمية متوازنة ماديا وسياسيا لكل الوطن.

ليس من الضروري الإصرار على الحصول على إقرار مشفوع بالذمة من الجماعة التي كانت تقف وراء الفلسفة السياسية اعلاه، ولا تصنيفها ككتلة صماء إذ أن ذلك يقود إلى إستمرار الحلقة الجهنمية للإقصاء والإقصاء المتبادل ويدفع هذه الجماعة إلى توظيف طاقاتها لمقاومة الحوار وإجراءات التغيير، وهذا ما تتوقف عنده بعض أطراف المعارضة السياسية الرافضة للحوار الحالي، كما أنه من السذاجة افتراض أن هذه الجماعة ستقبل على الحوار بذات الحماس الذي نفذت به مشروعها أعلاه وهي تعلم أن هدف الحوار هو فكفكة هذا المشروع. وفي هذا لابد من تقريظ مستوى الإستقامة التي يبديها رئيس الجمهورية في تمكين آليات الحوار من مناقشة القضايا والسماح لها بالإتصال بأطراف الأزمة خارج وداخل السودان والتفويض الكبير الذي يمنحه للمؤسسات والجهات التي بدأت بعض نتائج أعمالها تثمر في شكل إجراءات تستهدف إيقاف نزيف الفساد الذي إحتمى بالفسلفة السياسية السابقة.

 

siddig93@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً