الحوار ليست مؤامرة يا هؤلاء .. بقلم: حسن محمد صالح
22 أكتوبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
25 زيارة
ما أن أبحرت سفينة الحوار الوطني وقبل أن تبلغ السفينة الشاطئ وترسو علي اليابسة بدأت بعض الأصوات تتحدث عن أن الحوار سوف يعمل علي تقويض الشريعة والقضاء علي حزب المؤتمر الوطني وعلي الحكومة .وأن الأحزاب العلمانية في الحوار هي الأغلبية وإذا صوتت بنسبة 90% ستكون لها الكلمة في الدستور الجديد الذي سيكون علمانيا كافرا وقد جاءت هذه الأقوال علي لسان كتاب وائمة مساجد وغيرهم من الذين لا يعجبهم العجب وتقشعر جلودهم وجنوبهم إلي أي تغيير مع أنهم يتلون في القرآن قول رب العباد : لا يغير الله بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم . وأهم ما يميز الحوار الجاري الآن ان المشاركين فيه لم يقولوا ان إجتماعهم هذا من اجل الإتيان بالشريعة أو تطبيق الحدود ولكنهم قالوا إن ما يفضي له الحوار بين القوي السياسية هو الذي يعمل به علي أرض الواقع بالمقابل ليست هناك إتفاق علي أن الحوار الهدف منه إلغاء الشريعة الإسلامية إن كانت هناك شريعة قائمة بالفعل علي أرض الواقع .
أما حزب المؤتمر الوطني فهو الذي دعا للحوار وبذات القدر فإن الأحزاب التي تتفاوض مع المؤتمر الوطني ونصفها أو جلها أحزاب معارضة لم تكن تخفي في يوم من الأيام أنها تعمل لإسقاط المؤتمر الوطني من خلال العمل السلمي والسياسي وعبر الشارع كما تقول الأحزاب المقاطعة للحوار ذات القول فإذا جاء الفرقاء وجلسوا سويا لحوار لا يظلم فيه احد ولا يهمش فيه احد وليس هناك أوزان حزبية وإنما صوت واحد لكل حزب فإن المؤتمر الوطني هو الكاسب الأكبر لكون المؤتمر الوطني إذا سقط من خلال إنتفاضة أو ثورة شعبية لن يجد غير مزبلة التاريخ كما حدث مع الإتحاد الإشتراكي العظيم الذي قال رئيسه جعفر نميري أنا ما بنقدروكما حدث مع الحزب الوطني في مصر ومع ملك ملوك إفريقيا معمر الذافي في ليبيا .
ويصبح من الخطأ الفقهي والفكري والإستراتيجي أن يعتقد دعاة الشريعة والإسلام أن القوي العلمانية ليس من حقها أن تحكم إذا جاء بها الشعب السوداني عبر إنتخابات حرة ونزيهة وإلا ما الداعي لن تكون لدينا احزاب علمانية أو حتي كافرة أو لا دينية وليس لها مجال للوصول إلي السلطة وحكم الناس وتطبيق برنامجها علي ارض الواقع . وقد جربنا من قبل نهج الإبعاد من الساحة السياسية وإستخدام الأغلبية البرلمانية والمكانيكية في وجه بعضنا البعض و هو الذي أغري الحزب الشيوعي السوداني في يوم من الأيام لتدبير إنقلاب مايو 1969 بعد أن تم حله بواسطة البرلمان (وفي ظل نظام ديمقراطي) وأغري في المقابل الإسلاميين لتدبير إنقلاب يونيو 1989م بعد أن تعالت اصوات القوي السياسية التقليدية والعلمانية بإصدار قانون للإنتخابات يمنع الأحزاب الدينية من ممارسة العمل السياسي وإرشيف الصحف التي كانت تصدر في ذلك الزمان موجود وهو يحتوي علي مثل هذه التصريحات من كبار القادة الحزبيين والسياسيين .
ثم إن الشريعة الإسلامية لا يتم فرضها علي الناس بالقوة ولكنها يمكن أن تكون خيارا للناس شريطة أن لا يكون هناك فيتو علي الشريعة من أي قوة مثل قوة الجيش كما هو الحال في تركيا التي تمرد فيها الشعب علي وصاية الجيش لكونها غير عملية وتتنافي مع العملية الديمقراطية نفسها فدعاة الشريعة عليهم أن لا يركنوا إلي نظام شمولي أو إستبدادي يمكن أن يفرض الشريعة أو قوانين إسلامية من خلال إجراءات أو تدابير ولكن عليهم إستغلال مناخ الحريات لطرح افكارهم ورؤاهم علي الناس وإقناعهم بوجهة نظرهم .
أما كون الحزاب المشاركة في الحوار علمانية او لا دينية وهي صاحبة الأغلبية في الحوار الوطني ماذا لو شارك الحزب الشيوعي السوداني في الحوار وشاركت الجبهة الثورية المسلحة في الحوار هل يخرج البعض فتوي تحرم الحوار مع هؤلاء مع أن الحوار أزلي وقدسي منذ الخليقة الأولي ما بين إبليس الرجيم ورب العرش العظيم . ثم هل سأل من يقولون بخطورة الحوار علي الإسلام والشريعة أنفسهم أن ما ينطوي عليه الواقع في ظل حكم المؤتمر الوطني هل المثال المحتذي وغاية المنتهي ورئيس الجمهورية يعلن عن تعديل أكثر من 65 قانونا خلال شهور قليلة من الآن لكونها معيبة ولا تحقق العدالة ولا المساواة في الحقوق والواجبات وربما جاء علي رأسها القوانين التي يشترط رافضوا الحوار تعديلها أو إلغاءها وفي هذه الحالة يجب ان يتم تعديل القوانين بمشاورة القوي السياسية او بإجراء إستفتاء شعبي عليها حتي تكون نافذة بأمر الشعب وفق آلية نزيهة ومحايدة وذلك لكي لا يأتي تعديل القانون بقانون جديد أكثر من سابقه ظلما وعسفا علي الأحزاب والصحافة وحرية الناس ومن ذلك قانون الأمن الوطني وقانون الصحافة والمطبوعات وقانون النقابات وغيرها من القوانين .
وبالنظر إلي المقاصد العلياء للدين ومصالح العباد من الأفضل أن يؤدي هذا الحوار الوطني الدائر الان إلي وقف الحرب التي تدور اليوم في كل بقعة من بقاع السودان وتقضي علي الأخضر واليابس وتهلك الحرث والنسل وهذه الحرب تدور لأسباب(( سياسية)) علي رأسها إنفراد وجهة نظر واحدة بحكم السودان وعدم إتاحة الفرصة للآخرين مما عقد الأزمة عبر عقود من الخطاب الإقصائي والإستئصالي للإنقاذ لمعارضيها من أبناء الوطن الواحد والذين بدورهم أخطأوا عندما حملوا السلاح وراهنوا علي إسقاط النظام بالقوة العسكرية . وفوق هذا كله فالمجتمع الدولي اليوم يقترب من الشأن السوداني اكثر من أي وقت مضي ويمارس الجزرة والعصا مع النظام لكي يكون جادا اكثر واكثر في التفاهم مع خصومه السياسيين من خلال الحوار وكلما اظهرت الحكومة وحزبها الجدية المطلوبة في التوجه نحو الحوار كلما مارست الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية الضغوط علي الحركات المسلحة من أجل الجلوس للحواروالتفاهم للوصول إلي سلام وإنهاء النزاع الدائر في السودان .
وهذا يعني أن علاقات السودان الخارجية سوف تتجه للتعاون والتفاهم بدلا من التوتر والشكوك بغض النظر عن الجهة التي تحكم السودان وما يفرزه الحوار من خيار جديد وهي بكل تاكييد صناعة سودانية لكون الحوار الدائر اليوم هو حوار سوداني سوداني وما يتطلع له المجتمع الدولي بما فيه الأصدقاء في جامعة الدول العربية مثلا هو وصول السودانيين إلي تسوية سياسية تحقق الإستقرار السياسي في السودان ومن ثم الإقليم والمنطقة المأزومة اصلا والتي تبحث عن النموذج لحل المشكلات ومواجهة التحديات عن طريق الحوار بدلا عن الإحتراب والإقتتال الذي ثبت أن أول ما يفرخهم هم المتطرفون والإرهابيون الذين يفرعون حربا جديدة بلا
نهاية أو سقف.
elkbashofe@gmail .com