الخرطوم تغرق كل عام

م. عثمان الطيب
osman7777@yahoo.com

تتفاقم مصاعب مدينة الخرطوم مع الخريف كل عام، حيث تعجز المصارف القائمة عن تصريف مياه السيول والأمطار المتزايدة، حتى صار الأمر مادة يتندر بها السودانيون والصحفيون كل خريف، الأمر الذي فرض على المسئولين ضغوطا هائلة لعلاج هذه الأزمة المتكررة، التي تتسبب في إغلاق الطرق وهدم المنازل وتشريد السكان، فتتحول المدينة إلى منطقة كوارث تستدعى العون والمساعدة، ولكن بالرغم من كل الجهود والمحاولات، لم تنجح المدينة أبدا في احتواء أضرار هذه السيول والفيضانات، بل تزداد حدتها كل خريف.
لقد تضاعفت مساحة الخرطوم الكبرى، عشرات المرات منذ استقلال البلاد في العام 1956، وقد حدث هذه التمدد الهائل لأسباب عديدة، منها تكاثر سكان المدينة، وهجرة الناس من المدن والقري إليها، ولكن السبب الرئيس يكمن في نوع العمران، حيث يعتمد السودانيون على نمط المنازل المنفصلة في الإسكان، فيحصل كل مواطن على قطعة أرض تتراوح مساحتها من 300 إلى 1000 متر مربع، عن طريق المنح أو الشراء، يقوم ببنائها بنفسه، الأمر الذي أدى إلى تمدد المدينة في جميع الاتجاهات.

توزع سكان الخرطوم في مساحات واسعة، وبذلك قلت كثافة السكان، حيث تبلغ كثافة سكان القاهرة مثلا خمسة أضعاف كثافة الخرطوم، الأمر الذي صعب من مد الخدمات، مثل المياه والكهرباء والطرق والتصريف، لأن هذا النوع من التمدد العمراني يضاعف من تكاليف الإنشاء والصيانة، وقد ساعد على هذا التوسع غياب موانع التضاريس والطبيعة، فالخرطوم تقع على سطح منبسط يخلو من المرتفعات والبحيرات والغابات، بينما ظلت مساحة مدينة مثل برشلونة ثابتة لأكثر من مئة عام.

سبب هذا الزحف العمراني الجائر خللا في تصريف المياه، وذلك بسبب التعدي على مجاري المياه الطبيعية، والتي كانت تنقل مياه الأمطار إلى نهر النيل عبر شبكة واسعة من الوديان والخيران، ولكن مع تمدد العمران، وإنشاء طرق متعددة بمحاذاة النيل، أختل هذا النظام القديم، وصارت المدينة تعتمد على شبكة ضعيفة من المجاري السطحية، لا تستطيع استيعاب الحجم الهائل من مياه السيول، بل تنقل جزء يسير من المياه من مكان لأخر، بعد أن تحول العمران إلى عائق مستمر للتصريف.

إن إنشاء شبكات الطرق والمياه والكهرباء والتصريف هو عمل مكلف جدا، ومع تمدد العمران وتشتت السكان لن تتحقق الفائدة من إنشاء هذه الشبكات، وهو ما أثقل كاهل دولة غنية مثل الولايات المتحدة، لأن مدن أمريكا الشاسعة تتطلب أمولا طائلة لإنشاء وصيانة شبكات الخدمات المتضخمة، حتى صارت الميزانية الأكبر في الولايات المتحدة، كما تسببت في زيادة الضرائب والرسوم التي تفرضها الولايات على المقيمين فيها، لذلك كان المحافظة على مساحة مناسبة للمدينة هي الاستثمار الأفضل للدول الغنية والفقيرة على حد سواء.

يبدأ علاج أزمات مدينة مثل الخرطوم عن طريق إصلاح العمران القائم، بحيث يقوم العمران البديل على نظام المباني المتناظرة، والتي لا يتعدى ارتفاعها أربعة طوابق، كما هو الحال في مدن أوروبا، فتشكل هذه المباني المتراصة طرقات المدينة وتحدد معالمها، وبذلك ينتظم شكل المدينة ويسهل توصيل الخدمات، فتتم بهذه الطريقة الاستفادة القصوى من شبكات الخدمات، وتتوفر الكثافة المناسبة للنقل العام، وذلك خلاف الأبراج العالية والمنازل المنفصلة، والتي تخلق الزحام وتستهلك الطاقة وتضخم الخدمات.

لقد أنشأ النيجيريون مدينة أبوجا في أعوام 1970 لتكون بديلا للعاصمة المزدحمة لاجوس، وحققت المدينة جانبا من أغراض إنشائها مثل توحيد البلاد، واستضافة السفارات ووزارات الحكومة، ولكن بعد عقود قليلة قفز عدد السكان من 300 ألف إلى 3.6 مليون، بعد أن بدأ النيجيريون في الهجرة إليها بأعداد كبيرة، وتحولت المدينة شيئا فشيئا إلى مدينة مزدحمة مثل لاجوس، وذلك لأن المخططين لم يضعوا مثل هذه الهجرات في الحسبان عند تخطيط المدينة الجديدة.
يرغب جميع السودانيون في العيش في عاصمة البلاد، لكن هذه المدينة المثخنة لن تستطيع إيواء الجميع، خصوصا مع نظام العمران القائم على المنازل المنفردة، لذلك قبل الشروع في بدائل باهظة الثمن، مثل بناء عاصمة بديلة، أو إنشاء نظام للقطارات، فإن عليهم تعديل نظام الإعمار القائم، والذي لم يعد يناسب هذا العصر، ولن تستطيع الدولة تحمل تكاليفه، وبعدها يمكن التخطيط لمد الخدمات، واختيار نظام المواصلات الصائب، والذي يناسب السكان ويقتصد النفقات.

osman7777@yahoo.com

عن م. عثمان الطيب