رسالة إلى السيد والي ولاية الخرطوم
السيد والي ولاية الخرطوم المحترم،
الخرطوم ليست مجرد شوارع ومبانٍ وأسواق ومؤسسات؛ إنها ذاكرة وطن، وبيوت تربت فيها أجيال، وأحياء جمعت الناس على الجيرة والمودة، ومجتمع له أعراف وتقاليد وقيم ظلت، رغم قسوة السنين، تمثل سياجاً يحمي تماسكه.
واليوم، بعد الحرب، تحتاج الخرطوم إلى أكثر من إعادة بناء ما تهدم من حجر؛ تحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الإنسان والمجتمع والسلوك.
فالحرب لم تترك وراءها المباني المهدمة وحدها، وإنما تركت فراغات أمنية واجتماعية سمحت بظهور بعض السلوكيات والظواهر التي لم تكن مألوفة في مجتمعنا بهذه الصورة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نظلم مجتمعنا.
فالحمد لله، ما زالت الغالبية العظمى من السودانيين، رجالاً ونساءً، متمسكة بالحياء والأدب واحترام الأسرة والجيرة والمحافظة على الأعراف والتقاليد السودانية السمحة.
وهؤلاء موجودون في كل بقاع الوطن، لكنهم لا يظهرون كثيراً في شاشات الهواتف؛ فالإنسان الذي يعيش حياته بهدوء ويحافظ على قيمه لا يبحث عادةً عن كاميرا تصوره.
أما المشهد الغريب، فقد تكفيه دقائق قليلة في وسائل التواصل حتى ينتشر في كل مكان، فيبدو القليل وكأنه أصبح كثيراً، والاستثناء وكأنه صار قاعدة.
وهنا تكمن الخطورة.
فبعض السلوكيات والمظاهر التي ظهرت في الفضاء العام أصبحت، في نظر قطاعات واسعة من المجتمع، متجاوزة للحياء والذوق العام ومتنافية مع ما عرف به المجتمع السوداني من قيم وآداب.
والأخطر من السلوك نفسه أن يبدأ البعض في تقديمه للأجيال الجديدة باعتباره حرية شخصية مطلقة.
وهنا يجب أن نقف قليلاً.
الحرية حق، ولكنها ليست فوضى. والحق يقابله واجب. والحرية لا تعني الإضرار بالآخرين أو تجاوز القانون أو الاعتداء على حقوق المجتمع في الأمن والسكينة والنظام العام.
وهذا ليس مفهوماً سودانياً خاصاً؛ فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان يقرر في المادة 29 أن على الإنسان واجبات تجاه الجماعة، وأن ممارسة الحقوق والحريات قد تخضع لقيود يقررها القانون، من أجل احترام حقوق الآخرين والحريات، وتلبية المتطلبات العادلة للأخلاق والنظام العام والرفاه العام في مجتمع ديمقراطي.
وفي شريعتنا الإسلامية نجد المعنى ذاته في صورة أعمق؛ فالقرآن الكريم يجمع بين الأمر بالعدل والإحسان والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾.
كما جاءت السنة بتأكيد عدم إيذاء الآخرين، ومن ذلك قول النبي ﷺ:
«فلا يؤذي جاره».
إذن، المحافظة على المجتمع لا تعني بالضرورة التضييق على الناس، كما أن احترام الحرية لا يعني ترك الفضاء العام بلا ضوابط.
السيد الوالي،
أعتقد أن الوقت قد حان للتحرك بصورة مؤسسية، لا بالاكتفاء بالحملات المؤقتة.
وعلى ولاية الخرطوم، من خلال الجهة التشريعية المختصة، أن تعمل على إعداد تشريع محلي جديد وواضح ينظم السلوك في الأماكن العامة، ويحمي الآداب والسكينة والسلامة العامة، ويحدد المخالفات بصورة دقيقة، ويبين لكل مخالفة جزاءها، مع التدرج في العقوبة بحسب طبيعة الفعل وتكراره وظروفه.
والأهم أن نتعلم من الماضي.
فالتشريعات السابقة في هذا المجال تعرضت لانتقادات قانونية وحقوقية بسبب اتساع بعض العبارات، وما ترتب عليها من سلطة تقديرية واسعة وممارسات اعتُبرت ماسّة بالحريات.
ولذلك فإن المطلوب ليس إعادة إنتاج الماضي، وإنما تشريع جديد يتعلم من أخطائه: واضح النص، محدد المخالفات، متناسب العقوبة، ويحمي المواطن من التعسف كما يحمي المجتمع من الفوضى.
ولا يكفي أن نكتب القانون.
يجب أن تكون له آلية تنفيذ واضحة، تحدد اختصاصات الشرطة والنيابة والمحاكم، وتضع ضوابط للضبط والتحقيق، وتمنح الشخص المتهم حقه كاملاً في معرفة ما نُسب إليه وتقديم دفاعه، وأن تكون المحاكمة أمام الجهة القضائية المختصة.
فالسرعة في الفصل مطلوبة، لكن العدالة لا يجوز أن تكون ضحيتها.
ونحن لا نريد شرطة ترهب المواطن، وإنما شرطة مؤهلة تعرف أن الأصل هو النصح والتوجيه، ثم التنبيه والإنذار، ثم اتخاذ الإجراء القانوني المناسب عند الإصرار على المخالفة، وبالقدر المتناسب معها.
لا ضرب بلا ضرورة، ولا إهانة، ولا تشهير.
فحتى من أخطأ لا يفقد كرامته وحقوقه.
الاتهام ليس إدانة، والضبط ليس حكماً، والعقوبة لا يقررها الشارع ولا وسائل التواصل، وإنما يقررها القانون والجهة القضائية المختصة.
وفي زمن أصبحت فيه الهواتف أسرع من الشوارع، فإن حماية المجتمع لا يمكن أن تتوقف عند أبواب الشرطة.
فما يبدأ في شارع أو مناسبة قد ينتشر خلال ساعات عبر «تيك توك» وغيرها من المنصات.
ولذلك نحتاج إلى تعاون بين الشرطة والنيابة والجهات المختصة بالجرائم المعلوماتية والاتصالات والمؤسسات التعليمية والإعلامية، لمواجهة الجريمة والتحريض والمحتوى المخالف للقانون، مع احترام حرية الرأي والتعبير.
السيد الوالي،
المجتمعات لا تفقد قيمها دفعة واحدة.
تبدأ الحكاية بتجاوز صغير، ثم يتكرر، ثم يصبح مألوفاً، ثم يأتي جيل جديد لا يراه تجاوزاً أصلاً.
ولهذا فإن التحرك المبكر ليس تشدداً، وإنما وقاية للمجتمع وحماية لمستقبله.
نريد دولة قوية بالقانون، لا بقسوة السلطة.
ونريد شرطة حازمة، ولكن محترمة.
ونريد مجتمعاً يحافظ على قيمه، دون أن يتحول ذلك إلى تجسس على الناس أو امتهان لكرامتهم.
ونريد حرية حقيقية، ولكن حرية مسؤولة.
فالخرطوم التي نريد أن نبنيها بعد الحرب ليست الخرطوم التي تعود إليها المباني والكهرباء والمياه والطرق والمستشفيات فقط…
بل الخرطوم التي تعود إليها الطمأنينة، ويعود إليها الحياء، وتعود إليها هيبة القانون، وتعود إليها روحها السودانية الجميلة.
وكما قال الشاعر:
حكومات تجي… وحكومات تغور،
لكن يظل الوطن.
فلنترك لأبنائنا وطناً لا يرثون فيه آثار الحرب وحدها، وإنما يرثون أيضاً القيم التي تجعل إعادة البناء ذات معنى.
والله أعلم.
د. أبوفاطمة المستشار
