تعيش الخرطوم اليوم واقعاً استثنائياً وقاسياً , فقد طال الخراب البنية التحتية حتى باتت تنعدم . نحن امام تحدٍي كبير اما ان نمضي او نقف مكتوفي الايدي ! ان إعادة إعمار الخرطوم لم تعد تقبل الحلول المؤقتة , بل تتطلب فكراً إ دارياً حديثاً حياً يلامس احتياجات الناس اليومية ويواكب تسارع العالم في تطوير المدن .
وكمثال على المدن التي نهضة من تحت الركام مدينة كغالي التي اعتمدت على البيانات والدراسات الدقيقة، حيث ساهمت المدينة بأكثر من 41% من الناتج المحلي الإجمالي لرواندا، وحسب قياس مؤشر الاداء السنوي الذي بلغ 95.9% كمتوسط عام ، يتوزع على التحول الاجتماعي بنسبة 94.7% والتحول الاقتصادي بنسبة 93.1% والحوكمة بنسبة 89.3% نجحت كيغالي في تنفيذ 83.3% من أجمالي مشاريعها المخططة ، وتمكنت من تحصيل 91% من ايراداتها الذاتية المتوقعة .
ومع تزايد اعداد السكان والضغط الهائل على الخدمات تتراكم الازمات وتتعقد في الخرطوم . وهنا يجب ان ندرك حقيقة مهمة ، الحل يبدا بتبني مفهوم الادارة الحضرية وهى الادارة التي تضع الانسان في قلب اهتماماتها وتعمل على تشغيل المدينة بكفاءة لانتشال الخدمات من حالة التدهور ، ومعالجة المشاكل اليومية للوصول الى استقرار المواطن ورفاهيته .
ان ادارة مدينة بحجم وتحديات الخرطوم بعقلية المركزية القابضة اثبتت عدم جدواها . لقد مرت التشريعات والقوانيين بتعديلات كثيرة عبر السنوات ، وهنا مربط الفرس: ازمتنا لم تكن يوماً في نقص التشريعات والقوانين ، بل في غياب الادارة الشجاعة التي تمتلك الرؤية وتجرؤ على التنفيذ ، وهنا تبرز اللامركزية كأحد اهم الانظمة الادارية والحلول العملية ، فهي ليست مجرد توزيع للصلاحيات ، بل هي الادارة الحقيقية لتمكين ابناء المجتمع المحلى واشراكهم بفعالية في صنع القرار .ان اعطاء المواطن دوراً في ادارة مدينته ومحليته هو الضمانة الاساسية لتحويل المخططات والدراسات التنموية من مجرد حبر على ورق الى نجاح ملموس على ارض الواقع فقد قامت ادارة مدينة كيغالي باشراك المواطنين في اعمال البناء والنظافة ، وتتفاعل معهم بحسم 95% من شكاواهم ، لان اشراك المجتمعات المحلية في ادارة شؤونها لا يمكن ان ينجح بالشعارات وحدها ، بل يحتاج الى انظمة ادارية فاعلة ، وبناء قدرات الأجهزة المحلية ، وخلق شراكات حقيقية مع القطاع الخاص والمجتمع المدني. هذا التوجه التشاركي يتطلب تطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة ، وعلى راسها الشفافية واتاحة المعلومات ، فالشفافية هي صمام الامان لضمان عدم اهدار مواردنا الشحيحة في مشاريع لا تمثل اولوية للمواطن .
ولضمان السير في الطريق الصحيح ، تبرز الحاجة الماسة لوجود ادوات قياس وتقييم دقيقة تعتمد على المؤشرات الحضرية (قصيرة ، متوسطة وطويلة المدى ) وهذه المؤشرات ليست مجرد ارقام ، بل هي بوصلة توفر لنا بيانات حقيقية لتحديد القضايا الاساسية ، وتوجيه القرارات بوضوح ، وتحديد المسؤوليات بدقة بعيدة عن العشوائية .
ان اعادة الحياة لولاية الخرطوم تتطلب ارادة قوية وشجاعة للإصلاح المؤسسي والإداري ، هذا هو السبيل الوحيد لانتشال عاصمتنا من تحت الرماد ، والانطلاق بها نحو المستقبل الذى نستحقه : مدينة تشاركية مستدامة ، تلبى احتياجات إنسانها بكفاءة وتعيد له استقراره .
مخطط مدن / رابعة عبد الهادي عيسي حامد
0996705752- 0909332523
rabaa.2040@gmail.com
