باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 11 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
محمد شرف الدين الطيب
محمد شرف الدين الطيب عرض كل المقالات

الخصخصة بين إنقاذ الاقتصاد وبيع الدولة

اخر تحديث: 11 أكتوبر, 2026 9:35 صباحًا
شارك

لم تعد الخصخصة، في الفكر الاقتصادي المعاصر، مجرد عملية لنقل ملكية المؤسسات العامة إلى القطاع الخاص، أو وسيلة لتوفير موارد مالية عاجلة للخزانة العامة؛ فقد أصبحت جزءًا من إعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد، وإعادة ترتيب العلاقة بين الملكية والكفاءة والإنتاجية والمصلحة العامة. وبينما تنظر إليها بعض المدارس الاقتصادية باعتبارها وسيلة لتحسين الأداء وتحرير الموارد وإدخال آليات السوق، ولعل المثل العربي القديم (أوردها سعدٌ وسعدٌ مشتمل) يختصر جانبًا من هذه المفارقة؛ فوجود المورد لا يعني بالضرورة حسن الانتفاع به، والوصول إلى الأصل لا يمثل في ذاته نجاحًا في إدارته. وفي الاقتصاد، قد يكون الأصل العام خاسرًا بسبب سوء الإدارة والبيئة المؤسسية، لا بسبب طبيعة الأصل ذاته. وقد يمثل نقل ملكيته إلى القطاع الخاص إصلاحًا اقتصاديًا حين تسبقه إعادة هيكلة وتقييم عادل وحوكمة ومنافسة فعالة، كما يمكن أن يتحول إلى مجرد تصرف في المال العام إذا غابت تلك الشروط.
تُعد مصر من أبرز النماذج العربية التي خاضت برامج واسعة لإعادة هيكلة وخصخصة المؤسسات العامة منذ تسعينيات القرن الماضي. وشملت التجربة بيع حصص في شركات عبر البورصة، وطرح حصص لمستثمرين استراتيجيين، وعمليات بيع أخرى لمؤسسات وموظفين وفق صيغ مختلفة. وقد ارتبطت هذه السياسات ببرامج الإصلاح الاقتصادي والتحول نحو توسيع دور القطاع الخاص حيث تشير دراسات مقارنة إلى تحسن في مؤشرات الربحية والكفاءة التشغيلية لدى عدد من الشركات التي جرت خصخصتها في مصر ودول أخرى بالمنطقة، مع اختلاف النتائج بحسب القطاع وهيكل الملكية وطبيعة الإصلاحات. غير أن التجربة المصرية تبرز أيضًا أهمية الحوكمة والشفافية وحماية المنافسة؛ إذ إن الخصخصة في بيئة تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية قد تؤدي إلى تركيز الثروة أو نشوء علاقات تفضيلية بين السلطة ورجال الأعمال والدرس المستفاد من مصر لا يتمثل في تبني الخصخصة أو رفضها بصورة مطلقة، وإنما في ضرورة بناء مؤسسات مستقلة لتقييم الأصول، والإفصاح عن شروط البيع، وضمان المنافسة، ومراجعة الآثار الاجتماعية، وعدم تحويل المؤسسات العامة إلى غنائم سياسية أو مالية.
تقدم جنوب أفريقيا وغانا وكينيا وأوغندا وتنزانيا نماذج مختلفة في إصلاح المؤسسات العامة وتوسيع دور القطاع الخاص. إلا أن المقارنة بينها تحتاج إلى مراعاة اختلاف طبيعة الأنشطة، ومستوى الحوكمة، والاستقرار السياسي والاقتصادي، وقدرة الدولة على تنظيم الأسواق. ولذلك فإن الاستفادة من هذه التجارب تتطلب فهم ظروفها، وليس مجرد نقل نماذجها.
وتبرز قطاعات المياه والكهرباء والنقل بصورة خاصة، لأنها توضح أن تغيير المالك لا يعني بالضرورة تحسين مستوى الخدمة أو خفض التكلفة. ففي غياب المنافسة والرقابة الفعالة، يمكن أن يتحول الاحتكار العام إلى احتكار خاص، بينما تظل تكلفة ضعف الكفاءة واقعة على المستهلك. ولهذا ارتبطت التجارب الأكثر تعقيدًا بالحاجة إلى تشريعات واضحة، وتنظيم التعرفة، وضمان المنافسة، والرقابة المستقلة، وآليات حماية المستهلك وفي السياق نفسه، تقدم المغرب وتونس أمثلة من شمال أفريقيا على مسارات مختلفة لإعادة هيكلة المؤسسات العامة وتوسيع مشاركة القطاع الخاص. فقد اتجه المغرب إلى نقل ملكية عدد من المؤسسات وتوسيع دور القطاع الخاص في قطاعات الصناعة والخدمات وبعض الأنشطة الاستراتيجية، بينما شهدت تونس بدورها برامج لإعادة الهيكلة والتصرف في عدد من المؤسسات العامة. وتكشف التجربتان، على اختلاف ظروفهما، أن انتقال بعض الأنشطة من الدولة إلى القطاع الخاص يحتاج إلى أكثر من مجرد نقل الملكية؛ إذ يتطلب أطرًا تنظيمية واضحة، وشفافية في الإجراءات، ومنافسة حقيقية، وقدرة مؤسسية على حماية المستهلك ومراقبة جودة الخدمات. وبهذا المعنى، فإن التجارب الأفريقية، من جنوب القارة وشرقها إلى شمالها، تلتقي عند درس أساسي: الإصلاح لا يقاس بحجم الأصول التي خرجت من ملكية الدولة، وإنما بمدى تحسن الكفاءة واستدامة الخدمة وتحقيق المصلحة الاقتصادية والاجتماعية وعليه، فإن نجاح أي عملية لإعادة توزيع الأدوار الاقتصادية لا يرتبط بحجم ما تتخلى عنه الدولة من أصول، وإنما بقدرتها على تحديد ما ينبغي أن يبقى ضمن نطاقها، وما يمكن أن ينتقل إلى القطاع الخاص، مع توفير قواعد واضحة للمنافسة والشفافية والمساءلة. فالدولة الفاعلة ليست بالضرورة تلك التي تملك كل المؤسسات، وليست كذلك تلك التي تتخلى عن كل شيء؛ وإنما تلك التي تستطيع تحقيق التوازن بين الملكية والتنظيم والرقابة والمصلحة العامة.
في الخليج العربي، تبدو الحكاية أكثر هدوءًا من أن تُقرأ من ظاهرها. فالدولة لم تدخل الاقتصاد من باب الضرورة وحدها، بل كانت في مراحل طويلة هي التي صنعت كثيرًا من أبوابه؛ بنت المؤسسات، ومولت البنية التحتية، وأسست الشركات، ودفعت بقطاعات كاملة إلى الوجود. ثم جاء وقت لم تعد فيه المسألة متعلقة ببناء الاقتصاد، وإنما بإعادة ترتيب مكوناته.
في الإمارات العربية المتحدة، بدأت بعض المؤسسات التي نشأت في إطار الدولة تتحول تدريجيًا إلى كيانات ذات امتداد عالمي. الموانئ والطيران والخدمات اللوجستية والسياحة والاستثمار لم تعد مجرد قطاعات داخلية، بل أصبحت منصات للنمو والتوسع خارج الحدود. ومع هذا التحول تغيرت طبيعة المؤسسة نفسها؛ من أداة لتنفيذ سياسة اقتصادية إلى كيان يبحث عن الكفاءة والمنافسة والأسواق وفي المملكة العربية السعودية، أخذ التحول مساحة أوسع، مع إعادة ترتيب عدد من الأصول والشركات وتوسيع مشاركة القطاع الخاص وتنمية قطاعات جديدة خارج النشاط النفطي التقليدي. وأصبح رأس المال الحكومي يتحرك بطريقة مختلفة؛ ليس فقط لبناء المؤسسات، وإنما لإعادة توجيه الاستثمار نحو قطاعات يمكن أن تحمل جزءًا أكبر من مستقبل الاقتصاد ,أما البحرين، فقد سلكت طريقًا أكثر ارتباطًا بالخدمات والقطاع المالي والأنشطة التجارية، مستفيدة من موقعها وبيئتها الاقتصادية، في محاولة لبناء مصادر دخل أكثر تنوعًا في ظل محدودية الموارد النفطية مقارنة ببعض دول المنطقة,وفي قطر، صنعت عوائد الطاقة قاعدة مالية واسعة سمحت ببناء مؤسسات واستثمارات ذات امتداد دولي، بالتوازي مع تطوير قطاعات الطيران واللوجستيات والسياحة والخدمات. وهنا لم تعد الثروة النفطية مجرد مورد للخزانة، بل تحولت تدريجيًا إلى رأس مال يعاد توظيفه في بناء حضور اقتصادي أوسع,أما عن سلطنة عُمان، فقد جاءت معادلتها أكثر ارتباطًا بالحاجة إلى تنويع الاقتصاد وتوسيع قاعدة الإنتاج، فبرزت الموانئ واللوجستيات والتعدين والصناعة والسياحة والثروة السمكية كمساحات جديدة للنمو، مع استمرار الدولة في أداء دور محوري في التخطيط والبنية الأساسية والقطاعات الاستراتيجية.
ورغم اختلاف المسارات، فإن خيطًا واحدًا يمر بينها جميعًا. لم تعد الدولة تنظر إلى ملكيتها للأصول باعتبارها نهاية المطاف، كما لم يعد حضور القطاع الخاص يعني غياب الدولة. بدأت الحدود القديمة بين المالك والمستثمر والمنظم والشريك تتداخل بصورة أكثر مرونة، وأصبح الاقتصاد يتحرك في مساحة جديدة تتعدد فيها الأدوار وتتغير فيها وظائف رأس المال.
وهنا تظهر خصوصية التجربة الخليجية. الدولة لم تنسحب من الاقتصاد، وإنما أعادت ترتيب موقعها داخله. انتقلت في بعض المجالات من التشغيل المباشر إلى الاستثمار، ومن الإدارة اليومية إلى الحوكمة، ومن امتلاك الأصول إلى إدارة محفظة أوسع من الفرص والقطاعات,وهذا التحول يجعل قصة الخليج مختلفة عن نموذج الخصخصة التقليدي. فالمشهد لا يقوم على التخلي الكامل عن الأصول، وإنما على إعادة تعريف وظيفتها الاقتصادية. الشركة الحكومية يمكن أن تصبح ذراعًا استثمارية، والأصل العام يمكن أن يتحول إلى منصة للنمو، ورأس المال السيادي يمكن أن يعمل خارج الحدود ثم يعود بعوائد وخبرات وأسواق جديدة,وربما تكمن أعمق دلالات التجربة في أن الملكية أصبحت أقل أهمية من القدرة على صناعة القيمة من الملكية. فالأصل الذي لا ينتج قيمة يظل أصلًا ساكنًا، مهما كان اسم مالكه، بينما يمكن للإدارة والحوكمة والاستثمار أن تمنح الأصل نفسه وظيفة اقتصادية مختلفة تمامًا,ومن هنا يبدو التحول الخليجي وكأنه انتقال هادئ من مرحلة كانت الدولة فيها تبني الاقتصاد، إلى مرحلة أصبحت فيها تعيد هندسة الاقتصاد. لم يتغير المشهد دفعة واحدة، ولم تختفِ الدولة من الصورة، وإنما تغيرت أدوارها تدريجيًا، وتوسعت مساحة القطاع الخاص، وأعيد توزيع رأس المال بين قطاعات وأسواق جديدة,وفي هذه المنطقة الهادئة بين الملكية والإدارة، وبين الدولة والسوق، وبين رأس المال العام والخاص، تتشكل ملامح تجربة خليجية لا تزال تتطور. تجربة لا تختصرها كلمة واحدة، ولا يمكن قياسها بمجرد عدد المؤسسات التي انتقلت ملكيتها، لأن التحول الأعمق حدث في مكان آخر؛ في الطريقة التي تنظر بها الدولة إلى أصولها، وفي الطريقة التي ينظر بها الاقتصاد إلى دوره المقبل.
قد تختلف الحالة السودانية عن كثير من التجارب العربية والأفريقية بسبب التداخل بين الأزمات الاقتصادية، وضعف المؤسسات، وعدم الاستقرار السياسي، وتداعيات الحرب، وتراجع البنية الإنتاجية والخدمية. وفي هذا السياق، فإن الحديث عن الخصخصة لا يمكن فصله عن قضية إعادة بناء الدولة وإعادة تأسيس الثقة بين المواطن والمؤسسات العامة والقطاع الخاص,وقد شهد السودان منذ تسعينيات القرن الماضي توجهات نحو إصلاح القطاع العام وخصخصة عدد من المؤسسات، وسجلت الأدبيات السودانية اهتمامًا بمخاطر التطبيق غير المنهجي للخصخصة والحاجة إلى استراتيجية واضحة. غير أن تقييم كل عملية خصخصة سودانية يتطلب الرجوع إلى وثائقها الأصلية، وبيانات الأصول والالتزامات، وشروط التعاقد، والنتائج المالية والتشغيلية؛ إذ لا يكفي إصدار حكم عام على التجربة دون تمييز بين القطاعات والمؤسسات والفترات الزمنية,وتتمثل المشكلة الأساسية في السودان في أن الخصخصة قد تُطرح أحيانًا كحل سريع لعجز الموازنة أو لتوفير النقد الأجنبي، بينما تتطلب إعادة بناء الاقتصاد رؤية أوسع من بيع الأصول. فالمؤسسة التي تُباع في ظروف اضطراب اقتصادي، أو دون تقييم عادل، أو في غياب المنافسة والرقابة، قد تتحول إلى مصدر خسارة عامة طويلة الأجل، حتى لو حققت الخزانة إيرادًا مؤقتًا.وفي المقابل، فإن الإبقاء على مؤسسات خاسرة أو متوقفة دون إصلاح ليس خيارًا تنمويًا سليمًا. لذلك يحتاج السودان إلى تصنيف مؤسساته العامة وفق معايير اقتصادية واضحة: مؤسسات استراتيجية لا يجوز التخلي عن السيطرة عليها، ومؤسسات قابلة للإصلاح وإعادة الهيكلة، ومؤسسات يمكن إدارتها بالشراكة مع القطاع الخاص، ومؤسسات غير مجدية اقتصاديًا قد تتطلب التصفية أو الدمج أو إعادة التوظيف.
أما عن القطاعات السودانية ذات الأولوية في الإصلاح والشراكة فيمتلك السودان إمكانات واسعة في الزراعة والثروة الحيوانية والموانئ والنقل والطاقة والتعدين والصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية. غير أن امتلاك الموارد لا يتحول إلى قيمة اقتصادية إلا من خلال الاستثمار في البنية التحتية، وإصلاح التشريعات، وتوفير التمويل، وحماية حقوق المستثمرين، وبناء سلاسل إنتاج وتوزيع فعالة,وفي قطاع الزراعة، يمكن توسيع الشراكات بين الدولة والمستثمرين والمزارعين بدلًا من الاكتفاء ببيع الأصول الزراعية. وتتيح عقود الإدارة والتشغيل والاستثمار المشترك إمكانية إدخال التكنولوجيا والتمويل والخبرات مع الحفاظ على حقوق الأرض والمجتمعات المحلية. أما في الموانئ والنقل، فيمكن استخدام عقود الامتياز أو التشغيل المحدد المدة، بشرط وجود معايير أداء ومراجعة مستقلة للتعرفة والاستثمار والصيانة, اما عن قطاع الطاقة، قد تكون الشراكات مع القطاع الخاص وسيلة لجذب التمويل والتكنولوجيا، لكن لا بد من وجود جهة تنظيمية مستقلة، وسياسة واضحة للتعرفة، وضمانات لحماية الفئات الهشة. كما ينبغي أن تُربط مشاريع الطاقة بإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، لا أن تقتصر على تحقيق عوائد مالية منفصلة عن احتياجات الاقتصاد الحقيقي,أما في التعدين، فإن الأولوية لا تتمثل في بيع حقوق الاستغلال بصورة غير شفافة، وإنما في بناء نظام تعاقدي يضمن للدولة نصيبًا عادلًا من العوائد، ويحمي البيئة، ويمنع التهريب، ويُلزم الشركات بالإفصاح المالي، ويضمن استفادة المجتمعات المحلية من النشاط الاقتصادي.
إن تطبيق نموذج الخصخصة الصحيحة للسودان يحتاج الي تطبيق تدريجي قائم على التشخيص قبل القرار,حيث تبدأ العملية بحصر شامل للمؤسسات العامة، وتقييم أصولها والتزاماتها، وتحليل أدائها المالي والتشغيلي، وتحديد أسباب الخسائر، ودراسة طبيعة السوق الذي تعمل فيه. ثم تُجرى مقارنة بين بدائل الإصلاح: إعادة الهيكلة، أو الدمج، أو الإدارة الخاصة، أو الشراكة، أو البيع الجزئي، أو البيع الكامل، أو التصفية ويجب أن تخضع الأصول العامة لتقييم مستقل ومتعدد المعايير، يأخذ في الاعتبار القيمة الدفترية والقيمة السوقية والتدفقات النقدية المستقبلية والقيمة الاستراتيجية والاجتماعية. كما ينبغي نشر المعلومات الأساسية المتعلقة بالبيع أو الشراكة، وتحديد معايير اختيار المستثمرين، ومنع تضارب المصالح، وإخضاع الإجراءات للمراجعة القانونية والمالية وتُعد المنافسة عنصرًا مركزيًا في الخصخصة الصحيحة. فإذا كانت المؤسسة تعمل في سوق تنافسي، فقد يكون نقل الملكية أكثر قابلية للنجاح. أما إذا كانت تقدم خدمة احتكارية بطبيعتها، مثل بعض شبكات المياه أو الكهرباء أو البنية التحتية، فإن الأولوية تكون لإنشاء نظام تنظيمي مستقل قبل نقل التشغيل أو الملكية كذلك لا بد من وضع خطة لحماية العاملين، تشمل التدريب وإعادة التأهيل والتقاعد العادل والتعويضات المستحقة، وربط أي إعادة هيكلة ببرنامج لخلق فرص إنتاجية بديلة. فالعمالة ليست مجرد بند تكلفة في القوائم المالية، وإنما عنصر اجتماعي واقتصادي يجب التعامل معه ضمن إصلاح متوازن.
تتوقف نتائج الخصخصة والحوكمة ومنع الفساد إلى حد كبير على مستوى الحوكمة. فالشفافية في التقييم والتعاقد والإفصاح ليست إجراءات شكلية، بل ضمانات لحماية المال العام. وينبغي أن تتوافر جهة مستقلة لمراجعة الأصول، وهيئة رقابية قادرة على فحص الصفقات، وقواعد واضحة لمنع تضارب المصالح، وآليات للإبلاغ عن الفساد، وإمكانية الطعن في القرارات المخالفة وتزداد أهمية هذه الضمانات بسبب ضعف الثقة العامة في المؤسسات وتعدد مراكز النفوذ وتداعيات الحرب. لذلك ينبغي ألا تُنفذ الخصخصة عبر قرارات استثنائية أو ترتيبات غير معلنة، بل من خلال قانون واضح، ومؤسسات ذات اختصاص محدد، وإجراءات تنافسية، وتقارير دورية تُظهر ما تحقق من أهداف كما يجب الفصل بين دور الدولة بوصفها مالكًا، ودورها بوصفها منظمًا للسوق، ودورها بوصفها مقدمًا للخدمة. فخلط هذه الأدوار قد يسمح للدولة أو الجهات المرتبطة بها بتفضيل مؤسسة على أخرى، أو يمنع المنافسة، أو يؤدي إلى تضارب في المصالح. ويُعد الفصل المؤسسي أحد الشروط المهمة لبناء سوق أكثر عدالة وكفاءة, كما لا ينبغي أن تُقاس الخصخصة في السودان بحجم الأموال التي تدخل الخزانة العامة في يوم التعاقد. فهذا المؤشر وحده قد يكون مضللًا؛ إذ قد تحقق الدولة إيرادًا مرتفعًا من بيع أصل استراتيجي، لكنها تخسر إيرادات مستقبلية أو قدرة إنتاجية أو نفوذًا تنظيميًا مهمًا ويجب أن تشمل مؤشرات التقييم: تطور الإنتاجية، ونمو الإيرادات، وتحسن جودة الخدمات، وحجم الاستثمارات الجديدة، ومستوى التوظيف، وأثر التعرفة على المواطنين، ودرجة المنافسة، وحجم الإيرادات الضريبية، والالتزام بالصيانة والتوسع، ومدى استفادة الاقتصاد المحلي. كما ينبغي مقارنة النتائج بما كان يمكن تحقيقه في حال إعادة الهيكلة أو الإدارة العامة المحسنة، وليس بمجرد الوضع المتردي السابق ومن الضروري أن تتضمن عقود الخصخصة والشراكة بنودًا للمراجعة الدورية، وعقوبات على عدم تحقيق مؤشرات الأداء، وإمكانية إعادة التفاوض أو إنهاء العقد عند الإخلال الجسيم. فالعقد الناجح ليس عقدًا طويل الأجل فحسب، بل عقد يوازن بين استقرار المستثمر وحماية المصلحة العامة.
إن الخصخصة ليست وصفة جاهزة للنهوض الاقتصادي، وليست خطيئة اقتصادية في ذاتها بل إنها أداة من أدوات السياسة العامة، تتوقف نتائجها على البيئة التي تُطبق فيها، وعلى جودة المؤسسات، ووضوح الأهداف، وقدرة الدولة على تنظيم السوق وحماية الحقوق. وقد أظهرت التجارب العربية والأفريقية أن الخصخصة يمكن أن تحسن أداء بعض المؤسسات عندما تُرافقها إصلاحات حقيقية، لكنها قد تؤدي إلى الاحتكار أو تركيز الثروة أو تراجع الخدمات عندما تُنفذ بصورة متعجلة أو غير شفافة أما السودان، فإن حاجته إلى إعادة بناء الاقتصاد لا تبرر بيع الأصول العامة دون دراسة، كما أن ظروف الحرب والأزمة لا تبرر إبقاء المؤسسات الخاسرة دون إصلاح. المطلوب هو تأسيس نموذج سوداني للخصخصة والشراكة، يقوم على التصنيف الاقتصادي للمؤسسات، والتقييم المستقل، والحوكمة، والمنافسة، وحماية العاملين، وربط الإصلاح بأهداف الإنتاج والتشغيل وإعادة الإعمار وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الحاسم ليس: من يملك المؤسسة؟ بل: من يديرها بكفاءة، ومن يحاسبها، ومن يستفيد من عوائدها، وكيف تتحول ملكية الدولة إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة؟ فإذا كانت الخصخصة ستؤدي إلى اقتصاد أكثر إنتاجًا وعدالة وشفافية، فقد تكون وسيلة للإصلاح, أما إذا تحولت إلى بيع عاجل للثروة العامة، فإنها لن تكون سوى إعادة توزيع للخسارة تحت مسمى التنمية.
د.محمد شرف الدين الطيب احمد
خبير مصرفي

mohamed.50000@hotmail.com

Author
محمد شرف الدين الطيب

محمد شرف الدين الطيب

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
الجزء الثالث عن عيذاب: عيذاب مملكة البجا (الحدارب) التي وصل حكمها إلى (باب المندب )
هل ابو ناموسة اول سائق تاكسى اجرة فى السودان؟ .. بقلم: خالد البلولة
منبر الرأي
الطالب عاصم عمر ،، أقاتل هو أم مقتول؟ .. بقلم: حسن الجزولي
الأخبار
لجان تفكيك محليات ولاية الخرطوم السبع تؤدي القسم
مقتطفات من تراث قبائل جبال النوبة وجنوب كردفان

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الفشل المدمن للأنظمة الدكتاورية والشمولية .. بقلم: اسماعيل عبدالحميد شمس الدين – الخرطوم

إسماعيل شمس الدين
منبر الرأي

حكاية بنك مركزي أفلس .. وبترول هارب .. وولاية تسير بالبركة! .. بقلم: عثمان محمد حسن

طارق الجزولي
منبر الرأي

محن السياسة السودانية: عشاري وتابت وراديو دبنقا .. بقلم: حامد بشرى/ أوتاوا

طارق الجزولي
منبر الرأي

كترتها يا ترامب .. بقلم: سعيد شاهين

سعيد عبدالله سعيد شاهين
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss