الخطأ التأريخي … كيف تفاوض الثورة شركاء الثورة ؟ …. بقلم د. عبدالحليم السلاوي
24 أغسطس, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
45 زيارة
الحركات المتمردة كما كان يطلق عليها سابقا في عهد الإنقاذ المشئوم أو حركات الكفاح المسلح كما نطلق عليها حاليا في عهد الديمقراطية الرابعة … تلك الحركات حاربت نظام الإنقاذ حينا من الدهر وكان أمرا عسيرا عليها وعلي الإنقاذ. حاربت تلك الحركات الإنقاذ ببسالة منقطعة النظير حتي ظننا وقتها أن مظلوميتهم تتجاوز الظلم والتهميش الذي عاني منه الشمال والشرق والغرب والجنوب والوسط علي السواء …. لكن الحقيقة تظل هي مثلما هم حاربوا علي الهامش بضراوة فقد حارب شبابنا علي نفس المدي الزمني من الداخل ببسالة …. إذن الكل حارب الإنقاذ ووقف ضد النظام الإسلاموي حتي سقطت رؤوسه…. ولم يتبق منه سوي بقية الجسد الذي استعصي علي خبراء الثورة المتشاكسين.
وهكذا … أتي المولود الديسمبري بمخاض عسير واستمرت آلام ما بعد الولادة في تصاعد مرير الي اليوم … ولا ندري الي متي ستستمر تلك الآلام … وتوقعنا بعد نجاح الثورة أن يأتي كل المحاربين لنظام الإنقاذ علي ناصية واحدة ليضعوا خطة العمل لمشوارهم القادم ….. وأعني بكل المحاربين كل الأحزاب السياسية التي عارضت نظام الإنقاذ علاوة علي تجمع المهنيين ممثل شباب الثورة والحرية والتغيير وكل حركات الكفاح المسلح والاستثناء الوحيد هو الأحزاب التي شاركت المؤتمر الوطني في اقواله وأفعاله المجرمة…. وكان من المنطقي كذلك أن يتم التوافق علي أن جماعات الكفاح المسلح هم شركاء أصيلون في صناعة ثورة ديسمبر والتعامل معهم كحركات كانت لها مواقف حقيقية دعتها لحمل السلاح وانتهت صلاحية تلك المواقف مع ذهاب الإنقاذ.
لكن مع الأسف الشديد رأينا وضعا مغايرا لذلك تماما …. حدثت اصطفافات جديدة وظهرت مسارات عديدة أخري شمالا وشرقا وظل اسلوب التفاوض كما رسمته الإنقاذ مع الفليل جدا من التصرف … وبدلا من أن نري حوارا لإخوة ثوار داخل حدود السودان. رأينا جلسات تفاوض خارج السودان تجري علي نفس النمط الإنقاذي من توزيع للسلطة والثروة وبروتوكولات الترتيبات الأمنية وخلافه بين مجموعات تغيبت عنها حكومة الفترة الإنتقالية بامتياز وغلب علي تمثيلها أعضاء المجلس السيادي .. ولو لا اختلاف الشخوص لظننا أن من يفاوض تلك الحركات هو الإنقاذ بلحمه وشحمه.
سادتي …. ألم يكن من المنطقي تجاوز كل ذلك بمفهوم الشراكة الثورية لكل من ثار علي الإنقاذ ……. ألم يكن من المنطقي علي الأقل أن نري في هذه المفاوضات شركاء الثورة من ممثلي الحكم الإنتقالي والكفاح المسلح يجلسون داخل الخرطوم … أكرر داخل الخرطوم … حول طاولة مستديرة واحدة حتي يؤكدوا لهذا الشعب الصابر أن كل الأطراف من اصحاب المصلحة في ذهاب الإنقاذ تكاملت واصطفت في مجموعة واحدة لتتحاور وتتتاقش في مستقبل هذا الوطن وترسم الخطوط العريضة لما يرونه مناسبا لبناء السودان الجديد وترك التفاصيل من علاقة الدين بالدولة وما شابه ذلك للمؤتمر الدستوري المزمع انعقاده مستفبلا … ويعلم الله لم يدر بخلدي مطلقا أن حركات الكفاح المسلح يمكن أن تقبل علي نفسها في هذه المفاوضات أن تظل طرفا غريبا علي ثورة ديسمبر ليكون هدفها الأسمي هو الخروج من التفاوض بأكبر المكاسب… ومكاسب لمن .. لا أدري.
أنا لا أشك أبدا أن ما حدث ويحدث الآن هو خطأ تأريخي لا يقل فداحة عن اتفاق نايفاشا الذي قاد الي انفصال جنوبنا العزيز ومن المؤكد أن الأجيال القادمة سوف تعاني منه الأمرين … ما يحدث الآن هو تكرار لنفس الأخطاء الإنقاذية التي عصفت بالبلاد وذهبت بها الي مجاهل لم نكن نتخيلها أبدا … ولو استمر حال التفاوض علي ما هو عليه وهو ما يبدو لي حادثا من واقع الحال وفقا للتطمينات التي تأتينا بين الفينة والأخري عن التوصل لإتفاق نهائي والتوقيع عليه بالأحرف الأولي ……. فلنستعد لما هو قادم من سييء الأحداث . وسيكون القادم بالفعل هو اتفاق متهور وناقص تم الوصول اليه بأي ثمن تحقيقا للإلتزام المعلن للجماهير من قبل حكومة الثورة الإنتقالية .. ناقص بسبب غياب السيد عبدالعزيز الحلو والسيد غبدالواحد محمد نور… وهذا المنتج كما أسلفت يمثل خطأ وخطرا تأريخيا علي حاضر السودان ومستقبله ….
وبالرغم من علمي التام أن الفأس قد وقعت في الراس وأن هذا الطرح ربما أتي متأخرا وبالتالي فأن تحقيقه ربما يكون مستحيلا لتشعب أجندة حركات الكفاح المسلح وعلو سقفها وكذلك لبلوغ التفاوض نهاياته كما يزعمون …… لكني اقول وأذكر وأحذر بأن البدايات غير الصحيحة دائما ما تقود ولو بعد حين الي نهايات غير سعيدة لا سمح الله ……
سادتي … دعونا نحكم عقولنا ونستفيد من أخطائنا فأعمار الدول لا تقاس بالشهور والسنوات … بل تقاس بالعقود والقرون …
أرجو مخلصا أن يسجل لنا التأريخ أننا قلنا ذلك ونبهنا اليه.
عبدالحليم السلاوي
asalawi@gmail.com