الخواجة وعيادة الفكي وعلاج المجانين .. ترجمة: د. مبارك مجذوب الشريف

 


 

 

كابت المقال هو ((Eric Robert Hussey ايريك روبرت هسّي (1885-1958م)، إداري بريطاني، وكان رياضياً بارزاً وشارك في دورة الالعاب الاولميبة الصيفية عام 1908م.
عمل في الخدمة المدنية في السودان في عام 1908م، وقام بالتدريس في كلية غردون التذكارية، وتولى مناصب عديدة في افريقيا كمعلم وكتب عدة اعمال عن خبراته.
من اعمال هسي قيادته لتطوير خطط التعليم الاستعماري في السودان ونيجريا، وترفيع درجة كلية ماكريري في يوغندا لتكون معهداً للتدريب العالي، وانشاء كلية يابا في نيجريا.
عنوان المقال الاصلي هو عيادة الفكي، ونشر في مجلة السودان في رسائل ومدونات
المجلد السادس، الصادر عام 1923م الصفحات 35-39
عيادة الفكي
سأقوم في هذا المقال بوصف ومناقشة العلاج المستخدم بواسطة "فكي" اعرفه، متخصص في معالجة حالات الجنون.
من خلال هذا المقال سيتعرف معظم قراء مجلة السودان في رسائل ومدونات على الطريقة العامة المتبعة تقليدياً في السودان. وبالطبع هناك اختلافات في تطبيق الاسس التي يعتمد عليها هذا النوع من العلاج، ولكنها اختلافات في التفاصيل فقط؛ وحديثنا عن هذه العيادة الخاصة سيقتصر قدر الامكان على تلك الفئة من المعالجين الذين يحملون صفة فكي.
سنتوقف قبل مواصلة الموضوع لاستعراض بعض الملاحظات عن كلمة فكي، فهي تترجم الى اللغة الانجليزية في معنى شخص ذو مقام ديني، او زعيم ديني، وتستخدم دون تمييز لتصف رئيس طائفة دينية؛ كبيرة كانت او صغيرة، او القائم بشؤون ضريح احد الاولياء، او شخص معروف بالورع والتقوى ولكن ليس له منصب او وظيفة دينية محددة، وتستخدم الكلمة ايضاً لتعني معالج روحي او المسؤول عن الخلوة "المدرسة القرآنية"، ومجالات عمل كل فكي من المذكورين متداخلة الى حد ما ، عدا بعض المدرسين في الخلوة، والذين يمنح لهم لقب فكي كما يبدو من باب الاحترام. وجميعهم ربما يمارس هذه الاعمال المختلفة بدرجة اقل او اكثر.
وظيفة المعالج الروحي مثلها مثل وظيفة الزعيم الديني تكون بصفة عامة وراثية، ويجري الحفاظ على تراث العائلة بالاستنادً الى كرامة او معجزة حدثت. والفكي الذي نحن بصدده على سبيل المثال، ظهرت كرامته عندما كان طفلاً، إذ تركه ابوه لوحده في قطية تعرضت لاشتعال النيران فيها، ورغم انها دمرت بالكامل الا ان الصبي لم يصب بأي أذى حتى مع وجود اللهب.
عيادة هذا الفكي في مديرية الخرطوم، وتتكون من منزل الفكي، وداخلية للطلبة، وهم ايضاً يمكن اعتبارهم مساعدين للفكي، واكواخ متفرقة للمرضى، وقد علمت ان اعداد مرضاه قد تناقصت بسبب افتتاح المرافق الطبية التي تقدم العلاج على الطريقة الاوربية، والتي جعلت العلاج في متناول الجميع تقريباً.
رغم ذلك تجد في عيادته الخارجية نسوة يطلبن العلاج الروحي بغرض الحمل، وحالات اخرى يُلتمس فيها العلاج لأمراض جسمانية، ولكن شهرة هذا الفكي الاساسية مستمدة من العلاج الناجح الذي يوفره لمرضى الامراض العقلية.
كلمة مجنون تعني شخصاً تلبسه الجن، ويتركز مجهود الفكي على طرد هذا الجني من جسد المريض، واعادة سيطرة المريض على قدراته العقلية.
يُحضر المريض في العادة للفكي بواسطة احد اقربائه، امه أو جدته، وهي من سيتولى الاهتمام به خلال فترة وجوده مع الفكي، وتخصص له غرفة قريبة من منزل الفكي، ربما في نفس المجمع السكني. وبمجرد وصول المريض للمكان يقوم الفكي بزيارته، واول ما يبدأ الفكي به هو ضربه بجريدة خضراء من جريد النخل نُقشت عليها بعض الآيات القرآنية وحروف لها مدلولات صوفية.
اذا استقبل المريض هذه الضربات بهدوء فسيكون نصيبه حوالي خمسين ضربة على ظهره وكتفيه، اما لو قاوم وتمرد، فسوف يتم التغلب عليه بواسطة مساعدي الشيخ وسيتلقى عدداً اكبر من الضربات.
يفيد هذه الاستقبال الاولي ومشهد الفكي وعصاه في عملية اقناع المريض بهيمنة الفكي عليه. وأن عليه بعد ذلك ان يتعامل مع الفكي بكل اسمى آيات الاحترام، ومنها الوقوف مكشوف الرأس في حضوره، واطاعته في كل صغيرة أو كبيرة، حيث أن أي تلكؤ او تراخى من جانبه في تنفيذ طلبات الفكي؛ ستكون عواقبه الفورية المزيد من جرعات الضرب بالعصا.
في بعض الاحيان قد يحتاج الامر الى عدة أيام من الضرب المتكرر قبل ان يسلك المريض طور الطاعة. وفي حالات اخرى فقد تؤدي جلسة واحدة من جلسات الضرب لإحداث التأثير المطلوب.
في بداية مرحلة العلاج بصفة عامة؛ يقيد المريض في كل كعب من كعبيه بجنزير يتراوح طوله بين ثمانية الى تسعة اقدام؛ مربوط الى وتد مثبت في الارض؛ وبالنسبة للطعام تقدم له ثلاث وجبات في اليوم؛ حوالى اوقية من الكسرة وُضع عليها قليل من الماء وزيت، وقلة الزاد هذه مهمتها المحافظة على هبوط معنوياته.
في الزيارة الثانية او الثالثة يقوم الفكي بسكب دواء مكون الاعشاب والحبوب (كمون واشياء اخرى) في انف المريض، بالطريقة نفسها التي يستخدم فيها السودانيون السمن في بعض الاحيان لعلاج حالات البرد.
يزور الفكي المريض ثلاث مرات في اليوم ويستخدم واحدة من الطريقتين التالي ذكرهما او الاثنتين معاً في العلاج:
الطريقة الاولى:
تُكتب آياتُ قصيرة من القرآن بالحبر على لوح؛ ثم يُغسل اللوح بالماء في إناء ويقوم المريض بشرب هذا الماء.
الطريقة الثانية:
يجلس الفكي بجوار المريض ويقرأ عليه آيات من القرآن، وبين كل آية واخرى يقوم بالتفل عليه؛ موجها تٍفافته لجميع اجزاء جسم المريض. وليس بالضرورة ان يصيب أي رذاذ منها جسم المريض، فالمهم هو قوة الكلمات الروحية الصادرة من فم السيد " الفكي" والموجهة نحو المريض.
يقوم الفكي بعد ذلك بتقديم اسئلة للمريض لفحص مستوى قواه العقلية، ويطلب منه اداء اشياء لها علاقة بالتفكير، لكن هذه الاسئلة والاعمال يجرى ادخالها تدريجياً كلما ظهرت بوادر تحسن على صحة المريض.
بعد مرور فترة من العلاج قد تطول او تقصر حسب صعوبة الحالة؛ وإذا لم تظهر على المريض أي اعراض للجنون، سيسمح له بالمغادرة لمنزله، ولكن عليه العودة بعد شهر لإجراء الفحص النهائي. فإذا اجتاز هذا الفحص بنجاح واصبح شخصاً طبيعياً يكون العلاج قد اكتمل، وعليه أو على ذويه في هذه الحالة تقديم المكافأة المناسبة للفكي.
يزود المريض عند مغادرته للعيادة بحجاب او حجابين خاصين من النوع قوي المفعول؛ وعليه لبسهما مدى الحياة، ومهمتهما التصدي لأي انتكاسة محتملة.
اما جرائد النخل التي كتبت عليها الآيات القرآنية فإنها تحرق بعد شفاء المريض الذي استخدمت معه.
التفسير المقدم لاستخدام الضرب، هو ان الضرب موجه للجني المستحوذ على جسد المريض وليس للمريض نفسه، وهو كما يُقال لا يحس باي الم. ومع ان الفكي مقتنع بهذه الفكرة؛ إلا أنه اخبرني ذات مرة ان الضرب يؤدي لاستسلام المريض ويجعله مطيعاً طاعة مطلقة.
على كل حال فالنتيجة المرجوة واحدة، سواء كانت العقوبة الموجهة للجن تجعل المريض مطيعاً، او ان تخويف المريض نفسه يجعله مطيعاً. وهناك فكي او آخر يستخدم برفق عصا نُقشت عليها الآيات وذلك بالطرق الخفيف على جبهة المريض من ناحيتيها.
الجريدة المستخدمة في الضرب غير مسموح لأي أحد باستخدامها عدا الفكي نفسه، ولا حتى المساعدين، أياً كان اسلوب استخدامها، سواء الاستخدام العنيف المتكرر، او مجرد الطرق على جبهة المريض برفق.
يقدم الفكي العلاج للذكور والإناث، الكبير والصغير، وشهدت بنفسي فتاة عمرها ثلاثة عشر عاماً وقد شفيت بعد ذلك. كما شهدت حالة أخرى لشفاء كامل وهي لاحد الاقباط المتعلمين، والذي أتى به اهله المسيحيين لعلاجه عند معالج مسلم.
تمر على الفكي في كل عام اعداد لا يستهان بها من حالات الامراض العقلية، وكلها يقال انها تماثلت للشفاء او على الاقل تحسن وضعها، وقد شاهدت وتحدثت لعدد من الناس الذين عاد اليهم رشدهم؛ ولم اجد أي آثار لاضطرابات عقلية لديهم، وكانوا في الحقيقة على قناعة تامة بجدوى العلاج، ولا يتحرجون من الحديث والتندر على الصورة التي كانوا يتصرفون بها قبل وقوعهم في قبضة الفكي.
اكتمال الشفاء ليس ممكناً في كل الاحوال، فهناك شاب يبلغ من العمر خمسة وعشرين عاماً، جرى علاجه لدى الفكي لمدة شهرين، وخرج باعتباره معافى، وشاهدته بعد ذلك، ورغم ان حالته قد تحسنت كثيراً ويستطيع ان يتجول بمفرده، إلا انه لا يزال بعيداً عن الرشد.
الاسلوب الذي يستخدمه الفكي في جوهره علاج نفسي، واقر انه مشابه لما يستخدمه المعالجون الروحانيون في انحاء مختلفة العالم وفي عصور مختلفة.
القدرة على معالجة الامراض وطرد الشياطين (طرد الشياطين يجب ان تترجم فيما بعد الى مصطلحات العلم الحديثة باعتبارها قدرة تعالج انواعاً محددة من الجنون)، لا تنسب للمسيح وحده ولكن ايضاً للعديد من اتباعه في العهود المسيحية الاولي.
يقول جيبون ان طرد الشياطين من اجساد اولئك التعساء التي تمكنت من امتلاكها وتعذيبها، كان ينظر اليه كأحد العلامات (لقدرة الايمان)، إضافة كونه انتصاراً غير مستغرب للدين، واستخدمه كثيراً من المدافعين الاوائل عن الدين باعتباره شاهداً من اكثر الشواهد المقنعة الدالة على صدق الديانة المسيحية.
هذا الافتراض نفسه يمكن تبنيه من ناحية أخرى والنظر اليه باعتباره من اسباب الشفاء المعجز في فترة ما قبل المسيحية، كما هو في فترة المسيحية، ويمكن ان يكون من اسباب الشفاء للناس غير المتحضرين او شبه المتحضرين، وكذلك للشفاء بواسطة العلماء المسيحيين، وايضاً معالجو العلاج النفسي. اما جذر الموضوع لهذه الحالات كلها فهو يكمن بالطبع في كلمة "الايحاء."
تبدو هناك صعوبة واضحة في تصنيف حالات الجنون ضمن حالات الامراض التي يمكن علاجها او تخفيف حدتها باستخدام الايحاء، لأن استخدام الايحاء ربما لن يكون ممكناً اذا كان الشخص مختل العقل.
في الوقت الحالي فان الجنون يقسم الى قسمين رئيسيين كمي وكيفي، وهما يصنفان حسب الخلل العقلي. الحالات الشائعة للمرض العقلي الكمي هي حالات العته وفيها يولد الشخص بأجهزة بها خلل. ومن امثلة ذلك الجنون الخَلقِي، وفي هذا القسم نجد الخرف وفيه أن الشخص كان يتمتع بقدرات عقلية سليمة في وقت من الاوقات؛ ثم اخذت هذه القدرات في الاضمحلال والتلاشي، ومنها ايضاَ جنون المراهقين، وكذلك خرف كبار السن، وهذه الامراض العقلية لها صلة بالتغييرات في المخ؛ ويمكن التعامل معها بصورة اكثر فاعلية من جانب علم الامراض وليس علم النفس.
اما المرض العقلي الكيفي فيظهر عندما يحدث خلل في التوازن العقلي، أو عندما تتعرض بعض جوانب الحياة العقلية لمنعطف غير متوقع، وله اشكال متنوعة، وفيه تتخلل حياة المريض عموما لحظات صفاء يكون قادراً فيها على الكلام، واستخدام المنطق، والملاحظة، والتذكر، وكل ذلك يحدث بصورة طبيعية، ويكون في كل احواله طبيعياً جداً، عدا وضع بعينه لا يكون فيها طبيعياً. ومع هذه الفئة العريضة من المرضى يكون لعلم النفس فرص نجاح.
في اوروبا فان أي محاولة تبذل للعلاج ستكون عن طريق التحليل النفسي، وهذا التفريق بين حالات الخلل الكمي وحالات الخلل الكيفي معترف بها لدى المعالجين السودانيين،
كلمة مجنون (تلبسه شيطان) تشير الى خلل كيفي بينما تشير كلمة معتوه الى تخلف عقلي او خرف، وهذه كما اخبرني الفكي لا علاج لها لديهم، ومنطقه في هذا انه لا يوجد جني حتى يقوم بطرده.
ومن الحالات المدهشة للجنون؛ حالة تبدو متفردة لرجل تلبسه الجن واصبح مجنوناً بسبب فقدانه لكل ممتلكاته، وهذه حسبما اخبرني به الفكي لا يمكن علاجها بالعلاج التقليدي المقدم من جانبه، وعلاجها الوحيد حسب قوله هو عودة ممتلكات ذلك الشخص له.
اذن من المسلم به ان علاج حالات الجنون لن يكون مجدياً؛ ولا فائدة ترجى حتى من محاولة علاجها؛ إلا اذا كان جنوناً مكتسباً، واذا لم يحدث تقدم في بعض مثل هذه الحالات سيصل الفكي الى خلاصة مؤداها ان الحالة ليست حالة مجنون بل معتوه، وبعبارة اخرى ان المريض يعاني من العته ولن يكون العلاج النفسي مفيداً له.
لو فحصنا اساليب الفكي، سنجد ان الخطوة الاولى هي اخضاع مشيئة المريض لمشيئة السيد (الفكي)، وهذا يحدث بالتأثير الديني، وبأسلوب الوصول للأهداف بالقوة. وهنا يبدأ عقل المريض في العمل بصورة منطقية في حضور الفكي وتدريجياً يستسلم الى قوة الايحاء. والمريض يعرف انه بحضرة معالج ذائع الصيت، وسيكون المشهد كله بالنسبة له سلسلة من الايحاءات الصامتة.
جرعة الدواء في الانف، وجرعات الشراب اليومية (من الاعشاب والمحاية)، والتفل المصاحب للنصوص المقدسة، كل هذا يوحي للمريض ان هناك عملية طرد جارية للشيطان، وسيعتقد المريض انه مسكون بالجن، وهو الفهم الذي يقوم الفكي بتثبيته وتقويته في ذهن المريض باستخدام آيات القرآن، وان هذه الآيات أقوى من الجن، وهذا كله يقوي الايحاء بانه سيشفى لا محالة.
وعندما يبدأ الفكي في استجوابه ويجد نفسه قد اجابه على اسئلته، ويرى السرور الذي تتركه الاجوبة في نفس طبيبه الفكي، فسيصل هذا المريض لنتيجة ان الشيطان تم قهره، وانه بإمكانه الوثوق في عقله والقيام بإعادة التوزان المفقود له.
إذن تم كبح الجموح واسقاطه في اللاوعي وحل الاتزان والهدوء محل الخلل، وعندما يلبس المريض الحجاب المقدم من الفكي؛ فان هذا المريض – العاقل الآن – سيمارس بنفسه الإيحاء الذاتي المستمر بانه لن تكون هناك عودة للخلل العقلي مرة أخرى، وهذا ما يجعل الشفاء يدوم.
الانتكاسات قد تحدث؛ وهي تحدث عندما يبدأ مفعول الايحاء الذاتي في الضعف بمرور الزمن، لكن زيارة اخرى للفكي ستضع الامور في نصابها الصحيح.
القول ان عدداً كبيراً من الحالات قد جرى علاجها بنجاح من جانب الفكي امر مؤكد ولا يتطرق اليه شك، وهذا بنفس القدر من اليقين الذي نؤكد فيه نجاح اساليب العلاج النفسية الاخرى.
ومما يجدر ذكره ان علاج حالات الجنون والامراض الاخرى لم يتطرق لها القرآن ولكن "الحديث" اشار لها كثيراً.

nakhla@hotmail.com

 

آراء