الخير الباطن في الانتخابات الأخيرة .. بقلم: علاء الدين زين العابدين عثمان
23 أبريل, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
85 زيارة
قال تعالي : ” عسي أن تكرهوا شيئا و يجعل الله فيه خيرا كثيرا ” ، و جاء في القصص أن شيخا كان يعيش فوق تل من التلال و يملك جوادا وحيدا محببا إليه ، ففر جواده و جاء اليه جيرانه يواسونه لهذا الحظ العاثر ، فأجابهم بلا حزن : و من أدراكم أنه حظ عاثر ؟ و بعد أيام قليلة عاد اليه الجواد مصطحبا معه عددا من الخيول البرية ، فجاء اليه جيرانه يهنئونه علي هذا الحظ السعيد ، فأجابهم بلا تهلل : و من أدراكم أنه حظ سعيد ؟ و لم تمض أيام حتي كان ابنه الشاب يدرب احد هذه الخيول البرية فسقط من فوقه و كسرت ساقه ، و جاءوا للشيخ يواسونه في هذا الحظ السئ ، فأجابهم بلا هلع : و من ادراكم أنه حظ سئ ؟ و بعد اسابيع قليلة أعلنت الحرب ، و جندت الدولة شباب القرية و التلال ، و اعفت ابن الشيخ من القتال لكسر ساقه فمات في الحرب شباب كثيرون ، و هكذا ظل الحظ العاثر يمهد لحظ سعيد ، و الحظ السعيد يمهد لحظ عاثر الي ما لا نهاية في القصة .
جال بخاطري كل ذلك و انا افكر و ابحث و احلل في نتائج الانتخابات الاخيرة ، فالحدث حدث كبير ، و لا نعلم إن جاء لخير او لشر ، فقطعا ظاهره خير كبير ، يتمثل في الدرس الرائع الذي طبقه شعبنا العظيم في مقاطعته للانتخابات بنسبة مقدرة ما كان يتخيلها اهل النظام ، و هذا درس يفيد بأن هزيمة الظلم و الاستبداد قد لا تحتاج دائما لحمل السلاح ، بل من الممكن هزيمته سلما ، بإبتداع المواقف المعبرة و الملهمة ، التي تقود تلقائيا الي تطوير اساليبها الذاتية و الجمعية ، و خير مثال لذلك في التاريخ الحديث ما قام به الزعيم الهندي المهاتما غاندي ، الذي أسس ما عرف في عالم السياسة ب ” المقاومة السلمية” او فلسفة اللا عنف التي تهدف الي إلحاق الهزيمة بكل قوة غاشمة عن طريق الوعي الكامل و العميق بالخطر المحدق ، و تكوين قوة قادرة علي مواجهة هذا الخطر باللاعنف اولا ، ثم بالعنف اذا لم يوجد خيار آخر ، و قد اوضح غاندي أن اللاعنف لا يعتبر عجزا او ضعفا ، ذلك لان الامتناع عن المعاقبة لا يعتبر غفرانا إلا عندما تكون القدرة علي المعاقبة قائمة فعليا ، و تتخذ سياسة اللاعنف عدة اساليب لتحقيق اغراضها منها المقاطعة ، و الاعتصام ، و العصيان المدني ، و القبول بالسجن ،و عدم الخوف من ان تقود هذه الاساليب حتي النهاية الي الموت .
و كدليل قاطع نستشفه من نتائج المقاطعة السلمية للانتخابات ، استنهاض الحدث و استفزازه لخيال كثير من المبدعين ، ففاضت قريحتهم بما غمر الساحة الادبية بفيض مقدر ، و مبدع ، و جميل ، من المواضيع الساخرة ، و الملهمة ، و المترعة بإسقاطات ذكية ، و عبارات محفّزة ، تستبطن بداخلها ايماءات سياسية ، تجعلك تضحك و تبكي و تتأمل في لحظة واحدة ، و جزي الله الصحافة الالكترونية و الوسائط الاخري عنا خير الجزاء ، فقد نشرت بسرعة البرق كل ما كتب ، و ما كان له أن ينشر ، نشرت ابداعات كاتبنا الساخر الفاتح جبرا ( عنترة ينتخب) و ( انتحار عنترة ) ، بكل ما تحويه من نقد ساخر و اشارات ذكية و عبارات ممتعة ، و نشرت (موت شجرة …. و حكاية بعثها (بعاتيا) ) للدكتور المبدع محمد بشير حامد ، و هي تعبير ذكي و مبدع لمقطع الفيديو الذي لا يتجاوز الخمس دقائق ل ( جنازة الشجرة ) المدهشة و الرائعة و المعبرة ، و التي قالت و عبّرت و اختّصرت و اوجّزت ما يحتاج لمقالات و مقالات ، دعك عن عشرات النكات و الكاريكتيرات المعبرة و الذكية ، التي تصب جميعا في خانة المقاومة السلمية .
المطلوب إذن تطوير كل هذا الابداع و بلورته في قوالب فكاهية و ساخرة ، فهذا النمط من الادب اقوي تأثيرا و اسهل فهما فهو وجبة شهية ، و لذيذة المذاق ، و سهلة الهضم و مفيدة ، و يسهل تداولها و نشرها ، فضغطة واحدة علي زر الارسال يجعلها في حوزة الالاف و الملايين بالداخل و الخارج . و من جانب آخر ننصح أهل السلطة بالدخول في الحوار بقلب مفتوح و فكر صادق ، بعيدا عن الاساليب الملتوية التي اصبحت لا تفوت علي أحد ، ودعهم من الاحساس الكاذب بأنهم الاقوي و الاذكي ، فالاقوي حقيقة هي مصلحة السودان الوطن ، و لنا فيما حولنا من موت و دمار ، دروس و عبر مفيدة .
علاء الدين زين العابدين عثمان
مستشار قانوني بشركة سابك
othmanaz@yansab.sabic.com