عز العرب حمد النيل
مثلت حرب ١٥ أبريل نقطة تحول كبرى في سلوك السودانيين المعاصرين لها ستظل تسمهم لعقود و لا عجب في ذلك فالحرب باب من أبواب الهلاك للحرث و النسل. يعجب المرء و يقف حائرا أمام من يتمثل استمرار الحرب و يُزكي نيرانها و يعمل على علوّ ضرامها. فرقت الحرب الإخوة في البيت الواحد فانكسر ظهر الأسرة السودانية ، و تمددت في العصب الحي لمخزون الكرامة السوداني الذي تمثله صيانة الأعراض و إتقاء الحاجة و العوز.
يسير السودانيون بين بني البشر بخواص اجتماعية و يردد موروثهم الثقافي و الاجتماعي أن ( العز أهل) فما أصعب و أشدّ مضاضة أن تنزل عليهم النازلة بالنزوح و اللجوء و تتردد في مجالسهم المستحية دعوات الوقاية من النهب و السلب و هتك الأعراض و تلهب ظهورهم بطفولة مشردة و شيخوخة بائسة تلوذ بتمني الموت.
مع بزوغ ثورة ديسمبر المجيدة برزت أوراق و أقلام كانت تتدثر بأثواب نظام الإنقاذ البائد و تتقرب زلفى من مسؤوليها و قادتها ضمن موجة اجتاحتنا أعوامئذٍ بأن هذا النوع من ( القربى) يرفع المقام الاجتماعي و يدخل ( الوضيع) في دائرة( النسب النبيل) فلا صوت يعلو
فوق صوت المال ( مقطوع النسب).
دخل من هذا الباب رجال و نساء و على كل ( ضامر) من فارهات رفعن المقام وفقا لهذا الموروث المصنوع البئيس من مسالك الفقراء أو الطبقة الوسطى التي انسحقت عند سنابك الرأسمالية إلى مراقٍ قياسها منزل فخيم في أحياء كافوري، يثرب أو الدوحة. ظهر وجه جديد من صحافة بلون جديد لا علاقة له بالصحافة الصفراء، و سمعنا لأول مرة في تاريخ صحافتنا أن رؤساء تحرير صحف يجتمعون يوميا مع جهاز الأمن اجتماعا ( رسميا) يحدد مسارات الأقلام و يرسم وجهة الصحيفة و المقابل معلوم بالضرورة.
مثل هذه الأقلام و هذه الوجوه ( قليلة حياء) ألغمتها حجرا ثورة الشتاء و الصيف و لا بد لها من موطئ قدم في ساحات الشعب و الجماهير التي خرجت في ديسمبر وواصلت المسير حتى أبريل لتسقط نظام الاستبداد و الفساد المدّثِّر برداء الدين، فطفقت تمدح في الثورة العظيمة و تسعى لقادتها الشباب استضافة في القنوات و الصحف سالفة الذكر فهؤلاء الشباب هم رجال المرحلة و حكام البلاد بحكم الشعب و صوته الصادح بالحرية و السلام و العدالة فالسعيد حينها من يدنو و يحظى بالقرب منهم. ظن المتابع لهذه الأقلام
سيئة السمعة أنهم روافع و مداد حاضن لهذا الجيل الناهض و لكن سرعان ما تبدد هذا الأمل في بيداء دعمهم لانقلاب 25 أكتوبر 2021م الذي أسموه
(تصحيح المسار) المؤدي إلى حرب فاجرة. هنا تجلت عبقرية هذه الأقلام دعما للحرب على حساب السلام و تمجيدا للبندقية التي حكمت السودان 60 عاما إلا قليلا على حساب الحكم المدني المفترى عليه فقد كتمت أنفاسه و هو بعد صبي تجاوز سن العاشرة بقليل.
ذلك المال مجهول النسب ( عاث فسادا) في هذه الذمم التي تتمتع بقابلية ( الاكتراء) في واقع مزيف تعلوه أقلام و أصوات متسولة في موائد اللئام الذين سرقوا أعمار أجيال متطلعة إلى سودان ينعم برغد العيش و الرفاه و يرنو إلى تحقيق مجتمع الكفاية و العدل.
لا تزال هذه الأصوات تعزف بأناملها لحون التآمر على المدنيين من بني ( جيلهم) و ( عصرهم) و تمجد البندقية حذو النعل بالنعل مع العساكر ( يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو).
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم