نادراً ما نخصّص هذه المساحة لنخوض – مع الخائضين – فى أمر ( وحل ) السياسة الخارجيّة للسودان ، والحديث عن إدارة شئونها ، وشجونها ، والسبب أنّ هذه السياسة – إن وجدت – ، فهى عديمة الاثر، و سريعة ” الذوبان “، وأحياناً ، ” قابلة للإشتعال ” و الإندثار ، فى أىّ لحظة ، لكونها خارج إطار الممكن التكهُّن به ، حيث أنّ هناك عُدّة جُزر معزولة تماماً عن بعضها البعض ، وهى ( خارج الوزارة ) ، تُدار منها دفّة هذا الملف سىء الحظ والمصير ، المُسمّى ( علاقات السودان الخارجيّة ) ، إذ من الممكن – جدّاً – حدوث الشىء / الموقف وضدّه فى اللحظة الواحدة ، وقد أصبحت وزارة الخارجيّة ، فى عصر الإنقاذ ، هى ( وزارة شؤون النفى والتبرير والتكذيب الخارجى ) ، بلا مُنازع ، فكل عملها ( الملموس والمحسوس) ، هو نفى أو تبرير الحدث أو الموقف أو الخبر ، بعد أن تتناقله وتتبادله وسائط الإعلام ، فى الخارج والداخل ، بإعتبار أنّ مطلوبات الدبلوماسيّة ، فى عُرف هؤلاء هى ” الكلام الساكت ” !.
دعونا نحاول أن نستخم لغةّ دبلوماسيّة بمفردات طبيّة ، فى وصف مشهد سياستنا الخارجيّة المرتبك ، فهى – بإختصار، وعلى أقل تقدير- تُعانى من حالة ” إنسداد تام فى الشرايين ” و ” تضخُّم فى الأوردة “، وهذا يجعلها تحتاج إلى عمليات ” تسليك ” يُجنّبها ” الإنفجار الدموى “، و الذى – إن وقع – سيحول بينها و أداء المهام و الأغراض التى من أجلها تُنشأ وزارات الخارجيّة ، و تُوضع السياسات الخارجيّة للبلدان ، وتُبنى أو تُستاجر لتحقيقها ، مبانى السفارات والقنصليّات فى الخارج ، وفى البال قصّة ( الكتاب الأبيض ) الذى لم ير النور بعد ، رغم تكلّيف رئيس الجمهوريّة ، بإعداده منذ مارس 2014 ، وقد قيل – وقتذاك – أنّ الهدف منه هو ” ( تطوير ) الدبلوماسيّة السودانيّة بغرض ( تفعيل ) دورها فى مجالات صيانة إستقرار البلاد وسيادتها ، و( دفع ) التنمية و الإستثمار والتعاون الدولى ” ، في وقتً كان المطلوب فيه ، هو (التغيير ).. ومن حقّنا أن نتساءل – مع القُرّاء والمراقبين – : أين وصلت الدولة السودانيّة فى تنفيذ التكليف الرئاسى ، بإعداد هذا الكتاب (السحرى ) المُنتظر ؟!.
أمّا سفاراتنا فى الخارج ، فحالها يغنى عن سؤالها ، فهناك سفارات ، غادرها ( أميرها ) ، وهو ( القوى الأمين ) بعد أن آثر ( الزوغان ) بما قلّ وزنه وزاد ثمنه (هولندا نموذجاً ) ، دون حساب ولا عقاب ، ولا مُساءلة ، ولا مُلاحقة قانونيّة ، ولا يحزنون ، رغم أن ” السفير راعٍ، ومسئول عن رعيته ” ، ولا ندرى إن كانت ( الرعيّة ) – هُنا – هى بقيّة العاملين فى السفارة فقط ، أم الجالية السودانيّة بأسرها فى البلد المُضيف ، أم (الإثنين معاً ) ؟!..وهناك سفارات ( تمرّد ) ” راعيها ” و نجا بجلده ، وأنضمّ إلى ( الخوارج ) وألتحق برهط طالبى اللجوء .. وهناك سفارات ( إنتهت ولاية السفير فيها )، لفترة طويلة، وبقيت بلا ” مسئول أوّل ” يُدير شئونها ، ويرعى مصالح السودان فى البلد المُضيف ، لأنّ تسمية ( البديل)، مازالت تنتظرها حسابات ورغبات وموافقة أهل ” الحل والعقد ” فى مراكز/ مخابىء صنع القرار فى الداخل ، أو قُبول أو رفض البلد المُضيف ، لأوراق إعتماد السفير ، التى – غالباً – ما تعترضها كثير من العقبات ، هُنا أو هناك … وهناك سفارات ، تظن أو يظن (سدنتها ) ، أنّ واجب السفارة الأهم و الأوّل والأخير هو ( الهيمنة على الجالية ) وهناك بعض سفارات تستعدى ( الجاليات )، بإعتماد سياسة ( فرّق تسُد) ، وبعضها تظن أنّ الجالية واحدة من ملحقيات أو مُلحقات السفارة ، من حقّها أن تفعل بها ما تشاء ، والأخطر من كُل هذا وذاك ، أنّ هناك سفارات ، نسيت أو تناست العمل الدبلوماسى ، ومهامه العصيّة – تماماً – وتمكّنت من الإنخراط والإنغماس – الكُلّى – فى أسوق التجارة و إدارة ” البيزنس ” الخاص ، وبرعت فى تيسير وتسيير أعمال وعمليات البيع والشراء ، خدمةً لشركات خاصّة يمتلكها متنفّذون فى النظام ، أو الحزب الحاكم ، أو شركات( أمنيّة )، بلافتات و واجهات تجاريّة!.
بقى أن أُضيف ، لا أستبعد ، ولن أستغرب ، أن تخرج علينا الخارجيّة – أو الناطق بإسمها – بتصريحات ” دبلوماسيّة ” ترد فيها على بعض ما ورد فى هذا العمود وتُسمّى حديثنا ” مزاعم ” ، و” إتهامات ” و تُطالبنا بالأدلّة والبراهين ، وعموماً ، فإن حدث ذلك ، سيكون بعد فوات الأوان ، وسيكون أجرنا و ” كسبنا ” ، أنّنا رمينا حجراً فى بر كة الدبلوماسيّة السودانيّة ، وحرّضنا وفتحنا شهيّة آخرين وأُخريات ، بما فى ذلك دبلوماسيين ” مُحترفين ” و ” محترمين ” و ليسوا من فصيلة ” القوى الأمين “، لمناقشة أوضاع ومآلات الدبلوماسيّة السودانيّة، والتى يرى كثيرٌ من أهل الرأى والخبرة أنّها ، تعيش حالة ” إحتضار “، إن لم نقل : ” موت سريرى ” نتج عن إستمرار سياسات الجهل والتخبُّط والعشوائيّة ، وقد تركها ” الرأس الدبلوماسى ” فى حالة ” ألقاه فى البحر مكتوفاً وقال له: إيّاك إيّاك أن تبتلّ بالماء “، وما نخشاه، أن يصل الوضع إلى مرحلة ” بيرسونا نون قراتا ” أى” الشخص غير المرغوب فيه “، وفق المُصطلح الدبلوماسى المعروف..ولن نزيد!.
faisal.elbagir@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم