abdullahaliabdullah1424@gmail.com
بسم الله الرحمن الرحيم
ظهرت في الآونة الاخيرة نوع من الكتابات تدافع عن حمدوك وخياراته بكل استسهال، وهذا ما لا غبار عليه ويدخل في مجال الحريات. ولكن ما لا يمكن تقبله، ان ذات الكتابات سواء بطريقة مباشرة او غيرها، تجرم نقد حمدوك ويزعجها التعرض له، وكانه خط احمر! ولمزيد من الوصاية يحاول اصحابها الايحاء بل والربط بين بقاء حمدوك ونجاح الفترة الانتقالية. وهذا الربط بالطبع ليس اعتباطيا، ولكنه يخدم استراتيجية امتلاك الحكمة وبعد النظر والحرص علي المصلحة العامة من باب المسؤولية، التي يفتقدها المنتقدون (المهرجون في عرفهم) لحمدوك وسياساته وخياراته.
وشئ من هذا عايشناه قبل سقوط المأفون البشير، عندما تصدرت كتابات تدعو لمشاركة البشير انتخاباته المطبوخة، علي اعتبارها قمة الحكمة والمسؤولية التي تميز نخبة النخبة (النخبة الفائقة)! وهو للغرابة ذات التوجه الذي سعت له حثيثا جماعة الهبوط الناعم، التي التفت فيما بعد علي شعارات الثورة، وتحالفت مع لجنة البشير الامنية، لتقاسُم السلطة وامتيازاتها، علي حساب مشروع التغيير الطموح، لاعادة ترتيب الدولة السودانية علي اسس حديثة.
وكالعادة ليس هنالك امكانية لمراجعة السوبر نخبة لتصوراتها المغلوطة، وإلا اكتشفت خواء تفوقها وتاليا امتياز نخبويتها! وانه ليس هنالك ما يميزها او يمنح تصوراتها صكوك الحكمة وفصل الخطاب، وانما هي مجرد تصورات من ضمن التصورات المتوافرة، لواقع قادر علي اختبارها وتمحيصها وكشف حقيقة صحتها من زيفها! كما انه ليس هنالك امكانية لاختبار التصورات لذاتها بذاتها كما يشتهي اصحابها. والحال كذلك، المشكلة ليست في حمدوك ولكن في تضخم تصورات اصحاب الحكمة، وما حمدوك إلا مجرد صدفة عابرة تمنح هذه النخبة رضاء الذات وتصديق حكمتها! اي هي في الاصل متمركزة حول تصوراتها، وتاليا حمدوك يمثل افضل النماذج لتاكيد تلك التصورات! لتصبح حاجتها لحمدوك هي نفس حاجة حمدوك لدعمها ومسادنتها. والسبب انه نفسه يعاني من حالة تضخم الذات، التي وجدت اشباعها، في اشباع تمنيات واحلام ورغبات جماعة شكرا حمدوك! حتي قبل ان يفعل ما يستحق الشكر! في حين الاصل ان يشكرهم حمدوك علي ثقتهم (غفلتهم) فيه من غير سابق معرفة، وان يعكس هذه الثقة في شكل اداء مقنع علي ارض الواقع.
وعموما، المسالة ليس لها علاقة بالقناعة او عدم القناعة بحمدوك في شخصه، كما انه ليس هنالك مساحة للمغالطة حول اداء حمدوك طوال الفترة الماضية، لان هنالك معيار محدد لتقييم اداء حمدوك، وهو حجم انجازه فيما أُوكلت له من مهام في فترة محددة؟ فحمدوك لم يؤتَ به لينفذ برنامجه السري الخاص، ولكن من اجل الالتزام بوثيقة دستورية ومهام للفترة الانتقالية. وعلي ضوء ذلك يمكن بكل سهولة تقييم اداء حمدوك، وبناءً عليه يتم اتخاذ الموقف منه. لان الاصل في المسالة هو الدفاع عن الفترة الانتقالية، وليس من يتولي امرها غض النظر عن من هو. وهذا غير انه ليس هنالك فرصة لتبرير الفشل او الاداء الباهت او التهاون في حقوق عامة منصوص عليها دستوريا، بان المشاكل والقضايا معقدة ومركبة او مهددات ومعيقات الفترة الانتقالية متعددة. لان ذلك معلوم للجميع وعلي راسهم حمدوك سلفا، وقبل استلام مهامه، بل هذا من صميم مهامه. وإلا لماذا هُلل له وتم تصويره علي اساس انه المخلص، وغالبا عشش هذا الاعتقاد في خياله، ووصل به الي وضع نفسه في كفة واحدة، مع القادة التاريخيين الذين اخذو بيد شعوبهم الي الخلاص. ولكن الايام والمواقف اثبتت العكس، وانه ليس رجل المرحلة، بل هو عبء عليها، بعد ان بدأت تتكشف اجندته وطموحاته الخاصة، التي ليس لها صلة بمطلوبات الانتقال ومطالب الثوار! الشئ الذي جعله يستجيب بسهولة لضغوطات، اصبحت تشكل ردات فعله وتصرفاته وتحكم قراراته، رغم ما حازه من دعم شعبي قل نظيره في العهد الحديث.
وفي حين كان مطلوبا منه تقديم نموذج للقيادة يتميز بالوضوح والمصداقية والشفافية والثقة والبساطة والصلابة، غض النظر حتي عن الاداء مؤقتا، طالما هو يعبر عن نبض الثورة، وتاليا حساسيتها تجاه كل ما يخص القيم والاخلاقيات والاستقامة، لدرجة قد تجعل الاداء السياسي الذي ينتهج المرونة والتسويات والاحتكام للتوازنات، مسألة في غاية الصعوبة، ولكنه قدر قادة مراحل الانتقال. إلا اننا نجد حمدوك قدم نموذج في غاية الضعف والغموض والتناقض والارتباك والانزواء بعيدا عن الجمهور وكانه يخجل من منصبه! ومؤكد من كانت هذه حالته، لا يمكن ان يُتوقع منه علي مستوي الانجاز الكثير، ولو حسُنت نيته ولم تشغله الطموحات الشخصية، كما بدأت تظهر اعراضها علي حمدوك. اي ملخص فترة حمدوك تجسدها مقولة (لا قيم ثورية ابقي ولا انجازات انتقالية قطع).
وفي كل الاحوال الاستذة والحكمة التي يصدر عنها المدافعون عن حمدوك، تتطلب الاجابة علي عدة اسئلة منها؟
اولا، ما هي معلوماتهم الكاملة عن حمدوك ليوضحوها للجميع؟ وكذلك كيفية وصوله لهذا المنصب؟ لان هنالك كثير من الاقاويل والغموض الذي يلف هذه الشخصية، وكيفية تبوُّءها هذه المكانة، وحقيقة توجهاتها وطبيعة اجندتها؟ بعيدا عن التهذيب المصطنع والكلام المنمق الذي يخفي حقيقة ضعف الشخصية وانعدام الخبرة الكافية لادارة الدولة.
ثانيا، كيف يختار حمدوك مستشاريه؟ وما هي طبيعة استشاراتهم؟ وهل هذا يتسق مع الشفافية والمسؤولية التي بشرنا بها عند قدومه؟
ثالثا، ما هو البرنامج الذي يعمل علي ضوءه حمدوك؟ وما هي الاساليب والنظم الادارية التي يدير بها العمل؟ وهل هي تتسق مع ما يدعي من خبرة اممية ساهمت في نهوض بلاد من الحضيض؟
رابعا، ما هي طبيعة علاقته بالمكون العسكري وقوي الحرية والتغيير بمختلف تنوعاتها، والقوي الشبابية الثورية بمختلف تكويناتها والحركات المسلحة، والاهم علاقاته الخارجية؟
خامسا، ما مدي شعبية حمدوك الآن في الشارع وبين الثوار، بعد الاداء الفعلي، وليس التصورات المسبقة والوعود الجوفاء؟
سادسا، ما طبيعة معايير تقييمهم لاداء حمدوك؟
وكل ذلك لا يمنع التاكيد مرة اخري ان الاشكالية مع حمدوك، ليس في مسألة فشله او نجاحه، فهذا وارد في اي عمل او تصدٍ للشأن العام، ولكن الاشكالية في نموذج القيادة المطلوبة لقيادة الثورة، اي في الاسلوب وطريقة الادارة والمرجعية المحركة (الايمان بشعارات الثورة) والسلوك العام. فنموذج حمدوك يصلح لقيادة الثورة المضادة اكثر منه قيادة الثورة الشبابية بكل عظمتها وسلميتها، خاصة وهو يتبع اسلوب المراوغة والهروب الي الامام وغياب الشفافية والمصداقية والرهان علي الخارج وفقدان الثقة في الداخل. وكل ذلك يطعن في تاهيله واستحقاقه لهكذا منصب في فترة تاريخية مفصلية، وبما يمس صميم مهمته، مما يعرض الفترة الانتقالية للتآكل والفشل في نهاية المطاف، وهذا للاسف ما هو معاش اليوم وينبئ بمصير الفترة الانتقالية، وهو مما لا يحتاج حتي لخبرة عظيمة او ضرب للرمل لمعرفته او التكهن به، فالجواب كما يقولون بائن ليس من عنوانه فقط، ولكن معضد بالتجربة العملية. اما التغاضي عن كل ذلك، والاستمساك بحمدوك كصمام امان او لعدم وجود البديل (من اين ياتي دون التفكير فيه)، وتاليا التضييق علي نقده، والتصدي لمن يتناول اخطاءه الكارثية وتقصيره وفشله، والتشكيك في شبهة تمسكه بمنصبه، مهما كان الثمن وشكل التنازلات التي يقدمها، خصما علي استحقاقات الفترة الانتقالية. فهذا ما لا يمكن قبوله، مهما ظن القائمون عليه انه عين الحكمة! خصوصا وان هكذا تعامل مع حمدوك يحمل في احشائه عوامل صناعة المستبد، وهو ما بدأ يتبدي في سلوك وتصرفات حمدوك منذ وقت ليس قريب، من خلال تمسكه بآراءه واهدافه دون مشورة او قبول اعتراض، وانفراده ببعض القرارات المصيرية، واستعلاءه علي مكون اساس من قوي التغيير بسبب اختلافه مع سياساته، وهذا غير تسفيهه لعدد من مواكب ومطالب الثوار، بل واصطفافه الي جانب العسكر والحركات المسلحة علي حساب الوفاء بشروط مدنية الدولة. والاسوأ من ذلك اصبح لحمدوك كتائب اعلامية وجداد الكتروني يؤدون ذات الدور الذي كان يلعبه لخدمة البشير ونظامه التالف! ومعلوم ما جراه هذا النظام علي العباد والبلاد من كوارث، يجسد حمدوك وحكومته والبرهان وشركائه وجماعة الهبوط الناعم (بحواضنهم الخارجية) التي تستولي علي السلطة ومصير البلاد احد تجلياتها!
وهذا الطريق الوعر الذي يقودنا اليه الداعمون لحمدوك دون شروط، يعيد انتاج القادة الفاشلين والسياسات الارتجالية التي تستهدف السلطة كغاية حصرية. كما انه يصور التغيير مجرد انفتاح علي الخارج، اكثر من كونه تجديد للتفكير واسلوب الحياة، بما يخدم ترقية حياة المواطنين وحفظ حقوقهم. وهو ما يؤكد ان حمدوك ليس اكثر من الوجه الآخر لحالة الوصاية التي يتبناها اولئك المدافعون، والتي تجعل من تصوراتهم حكمة، هي افضل المتاح، لا لشئ إلا لكونها صادرة منهم! وبتعبير آخر، الاستبداد الناعم الذي يمارسه حمدوك، هو نتاج طبيعي لتربية بائسة، شكلت وعي وسلوكيات وتطلعات، نخبة النخبة، بوصفها الاكثر دراية باخطاء الماضي ومتطلبات الحاضر وشفرة المستقبل؟ واذا صح هذا الوهم، لما كنا في هذه الوضعية من البؤس الشامل، الذي لا يستثني احدا او فئة او فكرة او مساهمة في الشان العام. وهو ما يتطلب قليل من التواضع اما تعقيدات الحياة بصفة عامة واوضاعنا السياسية الاكثر تعقيد بصفة خاصة، مما يجعلها اشد استعصاء امام اي احد او جهة او جماعة بصورة منفردة، مهما أُتيت من الحكمة وفصل الخطاب.
واخيرا
ليس هنالك اسوأ من سلطة ثورية تبتغي التغيير نحو الحرية والسلام والعدالة، لا تقبل الراي المخالف وحرية التعبير. فهذه وصفة جاهزة للاستبداد وانتكاسة الثورة والرجوع الي عهود الظلام. لان الاستبداد هو الاستبداد غض النظر عن الشعارات المرفوعة، بل طالما هنالك شعارات مرفوعة، فتأكد ان الاستبداد يقيم مطمئن بين فراغاتها العريضة، والسبب ان الحرية وحقوق الانسان اوسع من ان تحتويها شعارات، وكل ما تحتاجه ان تصبح من البديهيات.
دمعة حزن
الا رحم الله الشاعر الفطحل القدال والقاص عيسي الحلو، ليس لما قدماه من ابداع يدل قبل كل شئ علي روح شفافة قلقة معذبة بسبب معاناة الآخرين. وانما لاختيارهم عن وعي الجانب المعنوي علي الضد من تيار المادة الجارف ومتطلبات الحياة المتصاعدة، وهنا يكمن حجم الجسارة وصلابة المقاومة. والقدال بصفة خاصة جاهر مبكرا بتصديه للزيف والضلال ابداعيا، وهو الاكثر تاثير وازعاج لسلطة القبح والخراب. وميزة القدال تتعدي كونه وردة عطرت بعبيرها كل الامكنة وتخطت بسحرها حاجز الازمنة، الي سفير لغة خاصة (حسنة) اجادت تخطيط ورسم وابداع قضايا وهموم الوطن وحاجات واوجاع المواطنين، بذات بساطة وحكمة وعمق بيئته المحلية. وفي هذا رسالة عظيمة كم نحتاجها الآن، وهو ان اجزاء الوطن مكملة لبعضها، وقادرة بعملية ابداعية علي اعادة خلطها، واستخلاص افضل ما فيها، لبناء دولة المواطنة. اي حياة ومشروع القدال كتاب مفتوح لاستبدال لغة السلاح بين (المركز والهامش) بلغة الابداع والفنون، القادرة علي توظيف المحلي لخدمة العام، وجر العام للاستجابة للمحلي. وعليه يبدو ان ما تحتاجه بلادنا حقا، هو السياسي المبدع السياسي الفنان السياسي الانسان.
ودمتم في رعاية الله.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم