الذكرى الـ 70 لإطلاق سراح الأستاذ محمود محمد طه قائد ثورة رفاعة من سجن الاستعمار .. بقلم: دكتور عبدالله الفكي البشير
مدخل
“إن ثورة رفاعة التي قادها الأستاذ محمود لم تكن ثورة رجعية مؤيدة للخفاض الفرعوني وإنما كانت ثورة تقدمية ضد قانون ظالم فرضه الاستعمار الإنجليزي بمعونة مجلسه الاستشاري على الناس وهم في غرة من أمرهم وأمر القانون .. فكان رأي الحزب الجمهوري أن عادة الخفاض الفرعوني قبيحة مستهجنة ولكن السبيل لإزالتها بنشر الوعي العام وبالتعليم والتثقيف للمرأة وذلك كان منعدماً إلا قليلاً جداً لا بفرض قانون جائر”.
هذا اليوم 21 سبتمبر 2018 يوافق الذكرى السبعين لإطلاق سراح الأستاذ محمود محمد طه، رئيس الحزب الجمهوري، قائد ثورة رفاعة من سجن الاستعمار، وهو ما عُرف بالسجن الثاني، بعد أن قضي (731) يوماً، أي عامين كاملين. بدأ السجن يوم الأحد 22 سبتمبر 1946، وانتهى يوم الثلاثاء 21 سبتمبر 1948.
سُجن الأستاذ محمود محمد طه خلال الحكم الاستعماري، مرتين، وقد عُرفا في بعض المصادر والمراجع بالسجن الأول والسجن الثاني. كانت مدة السجن الأول خمسين يوماً، امتدت من الأحد 2 يونيو وحتى الاثنين 22 يوليو 1946، وكان السجن الثاني عندما قاد ثورة رفاعة التي اندلعت في يوم الجمعة 20 سبتمبر 1946. معلوم سبب السجن الثاني إذ تشير كل المصادر والمراجع إلى أن سببه هو قضية الخفاض الفرعوني، بينما لا تذكر جل الكتابات إن لم يكن كلها، فيما وقفت عليه، ما هو سبب السجن الأول بالتحديد؟ وهل ثمة رابط بين السجن الأول والسجن الثاني؟
نحو قراءة جديدة لثورة رفاعة
“عندي أن ثورة رفاعة لم تجد تقييماً حتى الآن رغم أنها أفادت معاني عديدة سيذكرها الناس بالخير في مقبل الأيام وعلى سبيل المثال أنها أكدت للشعب السوداني أن كل قانون جائر يمكن القضاء عليه إلى غير رجعة كما حصل بالفعل لقانون الخفاض”.
لم تكن ثورة رفاعة سوى حلقة من حلقات نضال الحزب الجمهوري، الذي تبنى مبدأ المواجهة والصدام مع الاستعمار. كما أنها، في تقديري، مثلت أنصع النماذج في نقد المعرفة الاستعمارية وتفكيكها. فقد ظل الحزب مواجهاً لوجود الاستعمار وسياساته وتشريعاته. كتب الأستاذ محمود، قائلاً: “عندما نشأ الحزب الجمهوري… أخذ يعارض الحكومة في الطريقة التي شرعت عليها تحارب عادة الخفاض الفرعوني، لأنها طريقة تعرض حياء المرأة السودانية للابتذال، وعلى الحياء تقوم الأخلاق كلها، والأخلاق هي الدين” (صحيفة الشعب، 27 يناير 1951). لم يكن موقف الأستاذ محمود، رئيس الحزب الجمهوري، من عادة الخفاض الفرعوني، قد تبلور مع ثورة رفاعة في سبتمبر 1946، وإنما كان موقفاً معلناً منذ يوم 10 ديسمبر 1945 في بيان صدر بعنوان: “بيان الحزب الجمهوري عن مشروع قانون الخفاض الفرعوني”، جاء في صدره: “لا نريد بكتابنا هذا أن نقف موقف المدافع عن الخفاض الفرعوني ولا نريد أن نتعرض بالتحليل للظروف التي أوحت به لأهل السودان، والضرورة التي أبقته بين ظهرانيهم الى يومنا هذا، ولكننا نريد أن نتعرض لمعاملات خاصة وأساليب خاصة وسنن خاصة سنتها حكومة السودان أو قل إبتدعتها ابتداعاً وارادتنا أن ننزل على حكم ابتداعها إرغاماً…”. إن اصدار الحكومة لتشريع الخفاض الفرعوني، لم يكن غرضه الاشفاق على المرأة أو غرضة الناحية الإنسانية والأخلاقية، كما زعمت، فإذا كان الأمر كذلك، يقول البيان “لماذا لم تتخذ حكومة الهند [وهي حكومة بريطانيا الاستعمارية] إزاء استئذان الجنود لسادتهم وسمل عيون الأطفال ما اتخذته حكومة السودان من قانون بشأن الخفاض الفرعوني؟”. ومن المعروف أن عادة سمل عيون الأطفال (سمل عينه أي فقأها) من العادات السائدة في الهند التي كانت تحت الحكم البريطاني. فالأمر لم يكن كما صوره الاستعمار. وذهب البيان في توضيح الأمر ودحض حجج الاستعمار، وهو بيان وافي.
“الإنجليز نواياهم مبيتة لفصل الجنوب، ولذلك أنشأوا المجلس الإستشارى لشمال السودان، فنواياهم كلها كانت من أجل فصل الجنوب”
لقد ظلت هذه الثورة من أكثر الثورات التي وجدت التجاهل من الدارسين، كما ورد آنفاً، والتقليل من هويتها الثورية في الدراسات التي تعرضت لها، أكثر من ذلك فالتناول الذي تم للثورة في كل الدراسات والمقالات، والتي وقفت عليها، اتسم بالانبتات عن مصادر المعلومات في الإرشيف القومي في السودان، فالمعلومات التاريخية الواردة في تلك الدراسات عن الثورة، ليست غير دقيقة وغير محيطة بالحدث فحسب؛ وإنما ناقصة وقاصرة ومضللة، ومن الطبيعي أن تختل نتائجها. فهذه الدراسات من جهة، لم تقف على المعلومات وحقائق التاريخ في مظانها، كما أنها لم تدرس الثورة باعتبارها حلقة من حلقات نضال الحزب الجمهوري ضد الاستعمار، ومن الجهة الأخرى فإنها لم تستخدم مناهج البحث الجديدة مثل منهج مدرسة ما بعد الاستعمار، وإنما استخدمت مناهج بحث تتصل بحقبة الحداثة، ولهذا لم تتعاط كل هذه الدراسات مع ثورة رفاعة على أساس أنها ثورة ضد المستعمر؛ وإنما، وباعتبار سبب قيامها، وهو قضية الخفاض الفرعوني، هي عمل ضد الحداثة، وضد تحرير المرأة، وهي تعبير عن موقف الأستاذ محمود من عادة الخفاض الفرعوني التي أدعى الاستعمار محاربتها. بينما كانت الدراسات التي استخدمت المناهج البحثية التي تتصل بتفكيك خطاب المعرفة الاستعماري وتتصل بحقبة ما بعد الحداثة Postmodernism، التي استخدمت منهج مدرسة دراسات ما بعد الاستعمار Post-Colonialism، جاءت بنتائج متفقةً مع الأستاذ محمود في موقفه من تشريعات الاستعمار لمحاربة قانون الخفاض الفرعوني. كما أتفق هذا النوع من الدراسات معه في تفسيره للغرض السياسي من مسألة الخفاض الفرعوني، وفي نظرته للكيفية التي يجب أن تحارب بها عادة الخفاض الفرعوني. هذا النوع من الدراسات بدأ الآن في التوسع وفي طريقه ليكون أكثر عدداً من النوع الأول. وتأتي على رأس هذه الدراسات دراسة عبدالله علي إبراهيم، آنفة الذكر، والتي تميزت عن كل الدراسات بأنها أعادت لثورة رفاعة هُويتها الثورية، وأرجعتها، بعد إنكار، إلى سجل إرث السودان الثوري.
“هذا كتاب عن الثورة الثقافية، نخرجه للناس، ونستهدف به إحداث التغيير الجذري ـ في حياة الأفراد والجماعات، وذلك عن طريق إعادة التعليم ـ إعادة تعليم المتعلمين، وغير المتعلمين”.
إن تأخر الناس في السودان عن فتح ملف الذاكرة الاستعمارية، ودراسة المعرفة الاستعمارية ونقدها، كان سبباً في تأخر فهم الكثير من القضايا في السودان، لا سيما ثورة رفاعة. لا جدال في أن الإرث المعرفي الاستعماري لا يزال ماثلاً في واقع السودان السياسي والثقافي والفكري والاجتماعي والاقتصادي، بل يمكننا أن نذهب أبعد من ذلك، ونقول بأن المعرفة الاستعمارية لا تزال تسيطر على العقول والتصورات، وبالتالي فهي لا تزال توجه مسار السودان، وتتحكم في مصير وحدة أراضيه. ولا جدال أيضاً، أن المعرفة الاستعمارية تتجلى بأفصح ما يكون في قضايا التهميش، وفي تاريخ التهميش في السودان، ولهذا فإن الحاجة ماسة وملحة إلى نقد الإرث المعرفي للاستعمار في السودان. والحاجة ماسة أيضاً، إلى ضرورة تفكيك البناء الاستعماري المعرفي للمفاهيم والتصورات لطبيعة القضايا وجذور المشكلات. والحاجة ماسة كذلك، لضرورة تفكيك الذاكرة الاستعمارية التي أصبحت ضمن ذواكر أخرى تتفاعل في ثنايا السيرورة التاريخية. لا شك أن هناك بعض الجهود التي تمت في نقد الإرث الاستعماري في السودان، ولكننا في حاجة للمزيد من الدراسات.
“اجراءات الدورة الأولى 15- 18 مايو سنة 1944، المجلس الاستشاري لشمال السودان”، دار الوثائق القومية، مجموعة المجلس الاستشاري لشمال السودان Advisory Council: 1/2/16.
Abdullahi Ali Ibrahim, “Keep These Women Quiet:” Colonial Modernity, Nationalism, and the Female Barbarous Custom, Hawwa: Journal of Women of the Middle East and the Islamic World 9, 2011, PP. 97–151.
لا توجد تعليقات
