الرئيس: ترجمها بتصرف من النص الإنجليزي .. مأمون الباقر
20 مايو, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
96 زيارة
“The President”
للروائي بول ويليامس- زمبابوي
مأمون الباقر
ذات الكابوس يتكرر كل ليلة. غريب هو هذا الكابوس، يتكرر كل ليلة. يكشف الكابوس اللعين عن تفاصيل جديدة وشنيعة كل ليلة.
رأى في المنام أنه يقف على رأس تل، وينظر إلى الأسفل حيث جمهوريته الخضراء الشاسعة. “كل هذا لي.. كل هذا ملكي. أحمدك أيتها الآلهة”، يحدث نفسه وهو يشعر بالزهو كطاؤؤس غبي. لكن الوادي الأخضر يتحول فجأة أمام عينيه إلى صحراء جرداء تسكنها الحشرات. لا..هذه ليست حشرات، إنهم بشر، لا بل أرواح ميتة تحمل أشكال حياتها الحشرية معها. أبشر هؤلاء أم حشرات؟ عظام مهشمة، وجوه مشوهة، بقايا دماء لم تجف، تناديه، تمد أذرعها لتمسك بثوبه الحريري الأملس.
طوفان من البشر، عشرون ، ثلاثون، مائة ألف كلهم ميتون والدماء تغطي جثثهم..موجات من الأشباح تهرول نحوه..هم بعض من قتل، يهرولون نحوه في مجموعات منتظمة ومنضبطة، وبحسب الأبجدية وتاريخ القتل. الذين قتلهم حينما كان قائد فرقة. الذين قتلهم وهو يتدرب على القتل. الذين قتلهم عندما إقتلع السلطة، الذين قتلهم..الذين قتلهم..الذين قتلهم..الذين…..والذين لم يقتلهم بعد.
“من أنتم؟
” نحن الذين بعثهم ملك الرحمة لنلقاك. نحن الذين ألقيت بهم في السجون، نحن الذين تم قتلهم وصفت جثثهم على جانب الطريق إنذارا للآخرين”.
“وأنتم..من أنتم؟”
“ألا تذكر حوادث السيارات..تحطم الطائرات..تطاير إطارات السيارات.. وكسر إشارات المرور. ألا تذكر من أمرت بقتلهم في تلك الأحداث؟”
” لا أذكر أنني أمرت بافتعال حادث سير. لا أذكر أنني أمرت بتفجير طائرة. لا أذكر أنني..لا أذكر أنني..أنني!”
” وأنتم، لم تحدقون في وجهي هكذا..من أنتم؟”
“نحن عشرون ألفا من المنشدين والمنشدات، الراقصين والراقصات، فينا أطفال كما الزهور وطفلات، قتلتنا إعتباطا هكذا، حين هزمت وحدك شعاراتك التي أطلقت، هل نسيت؟
الرئيس لم يطرح سؤالا هذه المرة. تخشب لسانه في حلقه، فهو يعرف من هم هؤلاء.
” من أنتم؟”
” نحن الباحثون عن أرزاقنا ، من يتنفسون هواء مناجم الذهب في صحارى البلاد ووديانها. لقد سمعت أصواتنا وهي تناديك ليلة تلو أخرى من جوف تلك المناجم الموحشة، هل نسيتنا؟ “
“هل من مزيد؟”
نهض مزارعون ورعاة وعمال وتلاميذ ونساء ,…و…… وهم يصيحون “ألا تعرفنا يا زعيمنا الذي أوردنا التهلكة جوعا وعطشا ومرضا؟. وفجأة ينهض شبح رجل عجوز يمشي على عكازتين وتغطي الدماء وجهه. كان يتحدث بصوت عال، كمن يخاطب جمعا من الصم. علا صوته فوق كل الأصوات. رفع إصبعه في وجه الزعيم وصاح “الموتى يتحلقون حولك، إنهم دائما معك، وسنواصل إحصاءهم!”
” من أنتم؟”
“نحن بنات وأبناء آبائهم. قالوا لنا إنهم جاءوا من كل بقاع الأرض، يحملون أموالا كثيرة وأسلحة، ولم تكن فكرة الزواج تراودهم. لكن كان لا بد لهم من أن يقضوا وطرهم. تجدنا بعد صلاة الفجر داخل صناديق القمامة، في شوارع المدينة المظلمة أو في دور الأطفال مجهولي الأبوين التي تكاثرت في زمنكم الآسن هذا.لقد تقيأنا آباؤنا ورحلوا”
“من أنت؟”
” أنا كل هؤلاء .أنت مسئول عن كل روح أزهقت، كل رجل، إمرأة أو طفل. لقد أحصينا كل شعرة في روؤسهم. كل شعرة تحمل رقما”! قال شبح العجوز.
” لقد فعل كل الحكام هذا! لقد قتلوا، دمروا، نهبوا، سرقوا، فسدوا وأفسدوا. لقد كانوا جيوشا من القتلة واللصوص. تلك هي أفعالهم، وما أنا إلا بوريث!”
لم يسمعه أحد.لا يزال شبح العجوز يلوح بأصبعه.
لم يأبه. تثآب. تمطى. رسم على وجهه تلك الإبتسامة الصفراء الغبية. نهض، ولوح بيده مودعا.
إجتهد لكي يظل مستيقظا تلك الليلة، إلا إنه وعند إنتصاف الليل أغمض عينيه ونام على مقعده الوثير أمام شاشة التلفاز.
وكعادتها زارته الكوابيس. الكوابيس كانت مختلفة الليلة. رأى نفسه وهو يقود سيارة. لم تكن سيارة فارهة من تلك التي يقتني. كانت عربة موتى، طويلة وسوداء، ومظللة النوافذ. إتجه بالسيارة نحو مقبرة النبلاء. في الجزء الخلفي للعربة كان هناك تابوت ملفوف بعلم الدولة. كانت جنازة رسمية. وقف علية القوم، الوزراء وكبار الشخصيات والنساء والتلاميذ على جانبي الطريق. كانت النسوة يثكلن. وكانت الرياح تحمل أصواتهن إلى مسافات بعيدة. كانت هناك زوجته الأولى وزوجته الثانية والثالثة والفتيات اللآتي كان ينوي أن يتزوجهن، والأخريات اللآتي ضاجعهن وأولدهن سفاحا. وكان هناك رؤساء دول سابقون. وجيوش من القتلى. وجوقات موسيقى. وشعب.
شقت السيارة طريقها ببطء شديد. وفجأة بدأت السيارة تسرع، شاقة طريقها وسط آلاف الجنود المتراصين. بدت الطريق وكأنها مليئة بالمنحدرات، أخذت العربة تنحدر بسرعة. ضغط على مكابح العربة، و ما من إستجابة. أخذ يضغط بقوة.. بقوة.. بقوة…. بكل ما في قدمه اليمنى من قوة…..” لقد جنت العربة…جنت…جنت!”. حاول تبديل السرعات، الثالث..الثاني..الأول، وما يزال الجن الأحمر يسكن العربة المجنونة التي أخذت سرعتها في الإزدياد. تجاوز عداد السرعة مائة ..مأتان..ثلاثمائة..طرشليون، خرطليون كيلومتر في الساعة. رأى أمامه صخرة كبيرة. عرف إنها الصخرة التي تحرس بوابة وادي الموت. كانت النسوة يزغردن. كانت الصفوف التي تقف على جانبي الطريق تلوح بالأعلام وتهتف فرحة. ثم فجأة طاخ…. كروب..كروب..كروب…بانق. نار، ودخان كثيف. وموت.
إستيقظ مرعوبا. فرك عينيه. سمع صوت كبير الخدم يقول ” “سيدي، هناك من يطرق باب القاعة الكبرى. أعتذر عن الإزعاج”
“هل وصل الضيوف؟”
“نعم يا سيدي..جميعهم
” إمهلني لحظة حتى أتهيأ
دائما ما تكون خاتمة كوابيس الزعماء المعتوهين مثل إرزام الرعود. طوفان يهرج من الرجال والشباب والنساء وأطفال خاوية بطونهم المنتفخة، جنود، شعب…شعب..شعب. الملايين من أفراد الشعب، حفاة، عراة وجوعى يهرولون نحو الزعيم. يدوسون على جسده المترهل. يشعر بتكسر عظامه. يتقيأ أحشائه. يقشعر بدنه. يسقط…يسقط..يسقط…….يموت. يموت. لم يكن كابوسا هذه المرة!
mamounelbagir@yahoo.co.uk