الرواية والشعر ماذا يصنعان فينا؟ .. بقلم: غسان علي عثمان
20 سبتمبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
112 زيارة
الشعر هو تدريب شعوري يمنحنا القدرة الواسعة على ممارسة اللذة دون تجاوز..
الرواية ما يجعلنا نعرف أكثر كيف أن صورنا التي نملك ما هي إلا رموز إنها تجعلنا رهائن للحيرة..
بين كل فنون الكلام يبرز الشعر لوحة خاصة تتميز بكثافة حضور البلاغي والاستعاري والتشبيهي، فالشعر بهذه المواصفة يُخضع ذوقنا لمعارف تخص دوائر ضيقة، هذا لأن القراءة فعل حر وشعبي وليس فيه أداتية ضاغطة تؤسس فيه خصوصية من يتناولها، نحن نقرأ بدافع المتعة واللذة الحلال، لا ملامة تقع على قارئ رفض كتاباً سوى أنه لم يجد فيما يقرأه متعته المنشودة، فإن بات الكتاب غير معني بتغذية الحس فهو هنا لا يستحق القراءة ولا عناء التصفح، وحتى تخرصات النقديات الجديدة حول (تحطيم – تهشيم – تفكيك – تأطير…إلخ) لا مكانة ثرية لها عند القارئ، يستعد القراء لمنازلة الوقت والمعرفة بدافع ذاتي خاص للغاية هو دافع مجاني مُركب بشكل أكثر وضوح، أن نقرأ يعني أن نزاول مهام عديدة، من أهمها غياب المتن الشارح والهامش المُفسر، وحتى الكتابات ذات الطابع الفلسفي – ونحن من المتهمين بتقعير اللغة وتعلية سقف تعريفها، من واجبها أن تصبح أكثر رقة وأن وظفت مفاهيم الشعور واللاشعور، وإن استعانت بديكارت في خباياه البارزة أو تعقيدات هيدجر أو تشنجات نيتشه، إن الكتابة في تعاملها واللغة عليها أن تهيمن بالتبسيط على المُعقد، وبذا فإن التفلسف لو جاوز مظان المعنى القصيد لبات تفلسف غير ذي جدوى ولا يستحق أن يماهي بين الوجود والطاعة، الذكاء والتعلق بالرمز، ومن جملة المآخذ على فنون الكلام المُفلسف أنه يسهم في إبعاد القراء عنه، يؤسس لقطيعة قاتلة ومبعدة لمن هم مخاطبون، الواجب هو تدبير أكثر حرفية لممارسة كتابة سهلة لقضايا معقدة، والدخول بالسهولة الممكنة لإجراء معادلات ذات بعد متعوي (من متعة، نعم أيها القارئ تساؤلك حول صحة هذا التشقيق!).
ذلك أن الشعر في متاهاته الكبرى تدريب شعوري يمنحنا القدرة الواسعة على ممارسة تدبير حواف لغتنا لتصبخح أكثر حدة وفي هذه تسهم بالقدر الوفير في إصلاح حالنا البلاغي نفعلها في حدود ماسة جداً، فاللغة داخل متن الشاعرية تمارس جور الجوقة الغنائية منتظمة الإيقاع مرتبة الخطى، فالشعر دون إيقاع لا يعدو كونه زفرات غير ناضجة لمن يمارس لعبة اللغة وهنا يأتي الحديث عن قصيدة النثر والحداثة وما بعدها، والحقيقة أن حتى رواد النثرية في الشعر يظلون ملتزمين بإيقاع لغتهم ذلك لأن الشعر في أصله إيقاع ومرونة، أما بالنسبة للقارئ وهو في الانغماس شعرياً لعله ولعلنا نتبرأ شيئاً فشيئاً من عنف الدلالة وضيقها نحو سمو عالي وتطابق مع الجمال في صوره المتخيلة، وهنا فالشعر لا يحاكمنا بالأسئلة ولا يحاصرنا بالوجود بل يطلقنا صرحاء النسب ننظر في صور صاحبه، شاعرنا بمثابة ناي حزين بصوت مُشقشِق، إن بيان الشعر يتجلى في لعبة اللغة والمعنى، فالشاعر دراج يقود عصابة من الكلمات يضعها في طريق يطول أو يقصر ويمهد بالإيقاع أنفاسها، يمشط بشكل تراكيبي مالح ويدوس بقوة على وقوده من الصور والأخيلة مازجاً طرافة ما ينظر ورقة ما يشاهد من عنف للطبيعة ولحياة الناس.
أما الرواية؛ فهي فن للغواية بامتياز، الرواية تشكلات ماهرة يرتب فيها صاحبها كذلك إيقاع سرده ويربط بين كل لحظة والأخرى بوعي لا يعرف الملل، فالمهارة في تأثيث الخيال من جديد لحظة بلحظة، شيء ماكر يقوده الراوي في مخزنه اللغوي والاصطلاحي وعليه ألا يقع في شرك الغرابة والتجريب، فكثيرة هي مآسي استخدام اللغة في الرواية دون حرفية البساطة المقننة وإرادته عديدة مشبعة بصيحات تقع مترمتة ( من رتم Rythme بالفرنسية) وفي ظني أن الراوي كبطل حفلة سيرك يقبض أرواحنا في كل خلجة وانعطافة يمر بها وهو يبتسم، كالذي يمشي على حبل مميت تحت نار لهيبها عالي ولكنه لا يفقد أعصابه ولا يجزع بل هو مصيرنا ونحن نتابع تنقلاته المجنونة بين شخوص وشخصيات، التدارك المرح الذي للخطر هو مَهمة الراوي، أو هو كلاعب المزمار يُنشط مسارب أنفاسه داخل انبوب ويشتغل في انهماك دون ريب يفعلها لكننا نتلقى ألحانه دون عناء.
كتب ريجيه دوبريه إنه: (لماذا عمد أبناء جنسي، منذ زمن بعيد إلى أن يتركوا وراءهم صوراً مرئية مرسومة على مساحات صلبة، ملساء ومحدودة “بالرغم من أن الجدران في العصر الحجري الأول كانت محدبة وبدون تخوم..!؟”) وهذا بالضبط ما نعنيه بطبيعة الخيارات الصعبة التي ننتقيها وسط إمكانية واسعة باعتماد السهل في النظر، ذلك أن الرواية كما يسميها صاحب (الطلياني) شكري المبخوت الفائز بجائزة بوكر 2015م، يقول إن الرواية (فن شعبي) والكلام فيها مرهون بمهارة الكاتب في الإمساك بلحظاته بصورة لا تفقد النص إيقاعيته، والرواية أيضاً كما نفهمها مشغولة بالأرشفة للأشغال الاجتماعية المؤقتة.. النوم..الأكل.. العنف.. الموت.. الزوجة.. الأم.. وإنكار الحب… الشذوذ والترابط المهترئ للعالم…إلخ وكأن هذه الأفعال تملك ذاكرتها الخاصة بها وعبرها يمكننا تفكيك شفرات غير معتمدة تفسر ماهية الحقائق الاجتماعية، ولو أنه في واقع الحال يظل ما نطلق عليه اعتيادي ومنطقي بالفعل هو في القلب منه كاشف جداً ومُرَكز بصورة مُرمزة بدقة، ولكننا نوقفها على مستوى واحد من مستويات التحليل، لنفقد حينها ميزة ما سماه الفيلسوف النمساوي لودفيغ فنجشتاين(1889- 1951م) بـ”رؤية المرئي” فالكلام الصرف ومن قِبل أناس عاديين لهو الأكثر افصاحاً عن الواقع ومُجوهِراتهِ، ولذلك فبدلاً عن الانخراط في العمق والاستسلام للجوانية والنفسية يجب علينا الوقوف عند مستويات المعنى كما هي، وهي فقط، فالمعنى داخل سياقه قد يكون غير أبقى من أي شيء إذ لم يتم تحققه من دلالية وإشارية.
من المهم الإشارة إلى الدور الكبير الذي يلعبه النص الروائي؛ يلعبه في إلهاب مشاعرنا تجاه الاعتيادي واليومي بصورة تستفز معرفتنا بما نسميه يخصنا، إنه كاشف لنا عن ضيق معانينا وخفة جودتنا تجاه ما نتفاهم، إن الرواية درس غريق فينا يحفر، فنتورط فيها عبر الجوس ملياً في متاهات وشخوص، أحكام ومُثل، قيم وتداعي، جمال وفضيحة، رقة وشراسة أنثى استفاقت على اغتصابات عديدة، تمارس فينا الرواية أدوار شبقة فنظل نتبادل وكلماتها عبارات الدهشة والثناء والكراهية أحياناً، فالرواية هي ما يجعلنا نعرف أكثر فأكثر كيف أن صورنا التي نملك ما هي إلا رموز لمعاني أخرى تتكشف كلما تخلصنا من ذواتنا وانخرطنا في تعرية الواقع واكتشاف الماضي، تجعلنا الرواية رهائن للحيرة والتساؤل، ولكنها تفعل ذلك بلذة نتقاسمها سوياً..